نجم الشيخ داغر
كانت غضة كأزهار الربيع، بضة كالقمر، بهية الطلعة، جميلة الوجه، ومثل هذه المرأة أحرص على تجنبها بطبيعتي الحذرة بعض الشيء، أو لعدم ثقتي بنفسي أمام الجميلات مثلها، بادرتني بالقول :هل ترضى يا أستاذ أن يبتزني صاحب العمل بتهديدي بالفصل إن رفضت مرافقته إلى إحدى الدول في سفرة يريد أن يجعلها مدفوعة الثمن بالنسبة لي؟. 
عندها تسمرت في مكاني وجمد الدم في عروقي، وقلت مستغربا :من؟ ـ المدير؟، قالت :نعم، ولأني أثق بك جدا أردت أن أبوح لك بما يختلج في صدري، فتكلمت معها مواسيا، ووعدتها بإيجاد فرصة عمل لها لإطعام أطفالها الذين يُتموا بفعل الإرهاب والطائفية الحمقاء، وفعلا اتصلت بي بعد أيام لتخبرني بان قرار فصلها من العمل قد
صدر. 
آلمتني جدا هذه القضية التي تكررت مرات ومرات، في مختلف الدوائر وساحات العمل، حكومية كانت أم غيرها، وشغلت لبي وأنا أحاول أن أجد تفسيرا مقنعا لها. فأخذت أتحدث مع نفسي :لماذا هذا السعار الذي أصاب البعض، حتى أحالهم إلى كائنات مسعورة تبصر من خلال شبقها لا عيونها؟. 
ومن لمثل هذه المرأة المسكينة التي تقف بين نارين لا برزخ بينهما، فإما أن تستسلم لهذا المسعور الذي لم يخز ضميره أطفالها الجائعون، وإما أن تصبر على حاجتها وجوع أطفالها في عملية أشبه ما تكون ببلع الموس، أو أكل العلقم. زوجها كان مواطنا عاديا قضى غدرا بيد شيطان يحلم أن يحشر مع الملائكة، مع أن بقايا لحم لآدميين لا يزال بين أسنانه. 
لا راتب شهريا لها أو لأطفالها الصغار، لأن الزوج لم يكن موظفا أو مرتبطا بأي مؤسسة أخرى، وهذا الذي اضطرها للعمل هنا وهناك. 
أردت أن أصرخ من كل جنبات روحي، كما صرخت تلك المرأة باسم زوجها المقتول مستغيثة به، حينما ساومها كائن مسعور آخر مقابل ترويج معاملة الرعاية الاجتماعية، وأضحى مرمى لأحذية المراجعين دفاعا عن الأرملة المسكينة.
ومن اجل أن لا يتكرر صراخ هذه المرأة، ألا يجدر بالحكومة معالجة مثل هذه القضايا وحفظ كرامة مثل هذه النسوة الثكالى، بإجراء يحمي عفتهن وطهارتهن من التلوث بلعاب هؤلاء. 
ألا يستحق الرجال الذين قدموا حياتهم دفاعا عن تراب العراق وعفته، أن نحفظ لهم زوجاتهم وأطفالهم بقانون يلزم الدولة بضمان حياة كريمة لهم. 
ألا يجدر بالمؤسسات الدينية والاجتماعية العمل لخدمة هؤلاء، من خلال التركيز على مشاكلهم وحلها باعتبارهم الشريحة الأخطر في المجتمع، بسبب فقد الأب والمعيل الذي يمثل في الغالب الغطاء العاصم لهم من الوقوع في الخطأ والانحراف. 
أكتب الآن متمنيا أن تجد علامات الاستفهام هذه آذانا صاغية لدى من يعنيهم الأمر لاسيما من أصحاب القرار، مثلما أتمنى ومن كل قلبي أن لا أرى امرأة أخرى تتمزق في داخلها، واضعة عفتها في كفة وجوع أطفالها في الأخرى وهي تنازع وتحتضر ما بينهما ببطء . 
نعم فعلت الدولة شيئا ما للارأمل والايتام، بيد ان كل ما قدمته لم يرتق لحل المشكلة بشكل نهائي بعد مرور اكثر من ثلاث عشرة سنة على التغيير.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here