بعد انهيار الإتحاد السوفياتي، إعتبرت الولايات المتّحدة أنها وحلفائها الغربيين ربحوا الحرب الباردة، فباتت ترى من نفسها منفردة القدرة الأعظم في العالم. فصارت تشارك حلفائها في جميع المواقف والأحداث، صانعة لنفسها دورا مهمّا في الساحة الدوليّة. واستطاعت من خلال ذلك أن تضفي المشروعية على تدخّلاتها وخطواتها المستمرّة، وبأقلّ التكاليف.
كان الإتحاد السوفياتي حينها مهزوما، ولم تكن الظروف كيومنا الحالي، أي أنه لم يكن قادرا على التهديد، أو أن يطرح نفسه كخصم للولايات المتّحدة. وكانت القوى الأوروبيّة حينها راضية عن حليفها الأمريكي، فقد كانت ترى نفسها مستفيدة من موقعها إلى جانب “الدولة العظمى”. فكان من البديهي أن تكون الموقعيّة الأمريكية في أفضل حالاتها حينها.
إلّا أن الولايات المتّحدة بوضعها السابق، لم تكن تسعى إلا وراء أهدافها. ولو أنها كانت مهتمّة بمصالح دول العالم، لكانت مكانتها بقيت على حالها. لكن الوضع الحالي يؤكّد أن السيناريو الأمريكي لم يكن كذلك، فباتت أصوات المعارضين ترتفع اليوم، وصار لزاما على واشنطن أن تزيحهم عن الشاشة الدوليّة، أو أن تستسلم لمطالبهم.
كان المحور الشرقي حينها متلاشيا، والإسلاميون كانوا متعجّبين من الثورة الإسلامية في إيران، التي رفعت لواء مواجهة أمريكا، كذلك نظام البعث في العراق، والتيارات التي ظهرت فيما بعد كالقاعدة، التي كانت تعتبر الحركات المتمرّدة.
كانت الولايات المتّحدة ومعها حلفاؤها متفرّدة بآرائها، منذ العام 1990. ومع مرور الزمن باتت تقتنع أكثر وأكثر أن طريقها سهل ولا موانع أمامها. حتى تنامي قوة الثورة الإسلامية في إيران، والتي باتت تمانع الظلم العالمي.
ما حصل في 11 أيلول 2001، كان حجّة لها لتزرع مخالفيها من المنطقة. ففي اكتوبر من العام نفسه، هاجمت أفغانستان، وقضت على طالبان. وبعدها وبدون إذن مجلس الأمن، بحجة تعاون صدام مع القاعدة، غزت العراق في آذار من العام 2003، وقضت على النظام البعثي.
قيل حينها أن إيران هي هدفهم اللاحق، إلا أن أفغانستان والعراق استنزفت الطاقة الأمريكية، التي باتت عاجزة عن أي خطوة أخرى.
الدول التي دعمت الولايات المتحدة يمكن تقسيمها إلى قسمين، دول تبغى مصالحها (كالدول الأوروبية)، ودول خائفة من النفوذ الأمريكي (بعض الدول الضعيفة). وقد كان الأوروبيون في عهد بوش الإبن خائفين بعض الشيء من السياسة الأمريكية، التي لم تعر للقوانين الدوليّة أي اهتمام، ولم يكن أحد يعلم إلى متى يمكن لذلك النهج أن يستمرّ. انخفض هذا الخوف قليلا في عهد أوباما، إلى أن الرئيس الحالي ترامب، يتعاطى بطريقة باتت مدعاة استغراب الكثيرين، فهو لا يشاور أحدا منهم، ويتصرّف بعدم مسؤولية وأحاديّة تامّة.
الملامح الرئيسية للنهج الأمريكي في عهد الرئيس دونالد ترامب:
1- الإهتمام بمصالح الولايات المتحدة وإهمال مصالح الآخرين، حتى مصالح حلفائهم.
2- إضفاء الطابع التجاري على السياسة الخارجية للولايات المتحدة: يرى ترامب، بسبب عقليته المهنية، أن العلاقات الدولية مجرد سوق يجب استثماره بأي وسيلة وبأي طريقة، وبالتالي يفكر فقط بمدخول الولايات المتحدة ولا يعير بالبشريّة ومصالح الناس – خارج الولايات المتحدة –  أي اهتمام.
3- زيادة التدخل العشوائي من أجل كسب المزيد من الأرباح للولايات المتحدة بأي وسيلة ممكنة. وإن كان ذلك يفتقد للشرعية ولا يراعي المؤسسات والقواعد الدولية. بالإضافة الى الإستفادة من الشعارات والعناوين الرّنانة، كحقوق الإنسان مثلا.
4- عدم تحمّل المسؤوليّة الدوليّة، وخفض التكاليف؛ بالإضافة إلى سعيها لزيادة مدخولها، تعمل الولايات المتّحدة على تحميل حلفائها تكاليف أعمالها، وتسعى للتهرّب من تحمل المسؤوليّة أمام المجتمع الدولي، وتسعى للتملّص من ذلك عبر خروجها من الإتفاقيات والمعاهدات أيضا، كالخروج من اتفاقية باريس المناخية الدولية، والانسحاب من اتفاقية التجارة الاستوائية في المحيط الهادئ والانسحاب من اليونسكو، والانسحاب من المناقشة والانسحاب من الاتفاق التجاري لأمريكا الشمالية (نافتا).
من الواضح أن الولايات المتّحدة الأمريكية تخطت خط العقلانية والبصيرة، فترامب لا ينظر إلى الظروف العالمية ولا للآثار السلبية التي يحتّمها نهجه.
هذا وفي الوقت الحالي، ظهرت قوة كبرى في مواجهة المشروع الأمريكي، كروسيا والصين، اللتان باتتا يشكّلان منافسا قويّا لها، وصحت بعض الدول والشعوب، فباتت ترفض الإنصياع أمام النهج الأمريكي. وفي حين قد تم تطوير المقاومة في منطقة الشرق الأوسط وتقويتها بشكل كبير فإن الولايات المتحدة باتت تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى حلفائها الدوليين، إلا أننا نراها تبتعد عنهم أكثر فأكثر.
العواقب السلبية للنهج الأمريكي في فترة ترامب:
1- إبتعاد حلفاء واشنطن عنها، وبالتالي إضعافها إقتصاديا وأمنيّا وانزوائها شيئا فشيئا عن المجتمع الدولي.
2- تشكيل قوى جديدة ومنافسة للولايات المتحدة، وبالتالي لم تعد القوة الوحيدة في العالم. فيصبح هناك توازن قوى، تكون الولايات المتّحدة فيه دولة كباقي الدول.
3- الحد من الهيمنة الأمريكية واعتبارها في الساحة العالمية، بسبب إضعافها إقتصاديا وأمنيا. ml 
المشاركة

اترك تعليق