كنوز ميديا – تقارير

ترجمة عبد الرحمن رضوان

تواجه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي ظلت طويلًا أكثر القادة الأوروبيين استقرارًا بشكل ممل، مأزقًا سياسيًا قد يكلفها منصبها، حسب تقرير أعدته سارة وايلدمان، ونشر عبر موقع «Vox» الأمريكي.

في مساء الأحد الماضي، تابعت وايلدمان، بعد حوالي شهرين كاملين من الانتخابات البرلمانية الألمانية، أعلنت ميركل أنها فشلت في تجميع الأحزاب الأصغر ضمن ائتلافٍ حاكم. إذا لم يتم التوصل إلى اتفاقٍ بين الأحزاب في وقتٍ قريب؛ فسوف يضطر الرئيس الألماني فرانك – فالتر شتاينماير إلى اللجوء إلى عقد انتخاباتٍ مبكرة. تكاد تلك الخطوة تكون غير مسبوقة، كما أنها عملية متعددة المراحل، تستغرق أسابيع للقيام بها. قد يعني ذلك أسابيع من عدم الاستقرار في ألمانيا، وقد تستمر حتى أوائل الربيع القادم.

الأسوأ من ذلك، تشير وايلدمان، هو أن تعثر ميركل المفاجئ ليس فقط إشارةً إلى عدم الاستقرار في ألمانيا، وإنما مصدر قلق لبقية أوروبا أيضًا. لطالما اعتبر الاتحاد الأوروبي وجود ميركل خلف مقود قيادة أوروبا مضمونًا، الآن ليس من الواضح ما إذا كانت ستظل في السلطة أم لا. هذه معضلة لقارة تواجه أسئلةً كبيرة، أبرزها: خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ودمج اللاجئين، وزيادة نفوذ اليمين المتطرف من بولندا والتشيك إلى النمسا.

يعود جزء من سبب عدم استقرارها المفاجئ إلى صعود اليمين المتطرف في الانتخابات الألمانية الأخيرة. حركت ميركل حزبها، «الاتحاد المسيحي الديمقراطي»، إلى الوسط، تاركةً ميمنتها مفتوحة. رأى كلٌّ من حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف، وحزب الديمقراطيين الأحرار الليبرتاري تلك الميمنة كمساحة لزيادة قوتهم السياسية، ووجودهم على الساحة، جاذبين هؤلاء الذين لم يسعدوا برؤية الاتحاد المسيحي الديمقراطي يصبح أكثر وسطية.

كان «الديمقراطيون الأحرار» – جزئيًا – هم الأفضل في مفاوضات الائتلاف هذا الأسبوع، حيث اختلفوا مع ميركل وشركائها المحتملين في الائتلاف حول عدة قضايا أساسية فقط، من بينها اللاجئون، والضرائب، والتغير المناخي.

«أعتقد أن الساحة بكاملها قد تكون مواتية لتغيرٍ في القيادة»، تنقل وايلدمان عن كونستانتس شتلتسنمولر من معهد «بروكنجز». وأضافت: «تلخيصي للأمر هو أن هذا قد يتحول، لكن ليس بالضرورة، إلى أزمةٍ دستورية، لكنه قد يكون أيضًا مناسبةً لإعادة إنتاج المشهد السياسي». قد يعني ذلك ميركل نفسها.

خيارات ميركل الحاكمة تصبح أكثر تعقيدًا بكثير

ليس لدى ميركل خيار مثالي في الوقت الحالي. يمكنها أن ترأس حكومة أقلية، أو تملق الأحزاب مجددًا لجذبها إلى طاولة المفاوضات لتشكيل حكومة أغلبية، أو يمكنها التراجع والانتظار؛ حتى يدعو الرئيس إلى جولةٍ جديدة من الانتخابات.

يوم الاثنين الماضي، قالت ميركل إنها تفضل إجراء انتخاباتٍ جديدة على ترأس حكومة أقلية تكافح من أجل الوصول إلى إجماع على كل قضية. وأوضحت ميركل على التليفزيون الألماني «رؤيتي هي أن إجراء انتخاباتٍ جديدة سوف يكون هو المسار الأفضل».

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل

كان مسار الأحداث صادمًا للألمان والأوروبيين كذلك. عندما ذهب الألمان إلى صناديق الاقتراع في 24 سبتمبر (أيلول) الماضي، كان من المتوقع أن تستمر ميركل بسهولة على رأس الحكومة الألمانية لفترةٍ أخرى تمتد لمدة أربعة أعوام، لكن في وقتٍ متأخر من ليل الأحد، انتهت أربعة أسابيع من مفاوضات الائتلاف؛ عندما أنهى حزب «الديمقراطيين الأحرار» الليبرتاري – على نحوٍ مفاجئ – المفاوضات مع حزب «الاتحاد المسيحي الديمقراطي» بقيادة ميركل وشقيقه «الاتحاد الاجتماعي المسيحي» البافاري وحزب «الخضر الليبرالي».

سوف يكون خيار ميركل هو ما يدعى حكومة «ائتلاف كبير» مع الديمقراطيين الاجتماعيين بقيادة مارتن شولتس. حكم الحزبان معًا طوال السنوات الأربع الماضية، لكن الحزب الديمقراطي الاجتماعي أعلن يوم الاثنين أنه لا ينوي بأي شكل الاستمرار في تلك الشراكة.

الألمان يكرهون الفوضى.. وانتظروا أن تكون انتخابات مملة

لكن بينما حصل حزب ميركل على عددٍ أكبر من الأصوات، مقارنةً بأي حزبٍ آخر في نتائج تصويت سبتمبر الماضي، إلا أنه لم ينجح في الحصول سوى على 33% من أصوات الناخبين. لكي يتولى الحكم، احتاج الحزب إما إلى دخول ائتلافٍ كبير مع الحزب الديمقراطي الاجتماعي، مثلما فعلوا في عهد الحكومة الأخيرة لميركل، أو تجميع ائتلاف من الأحزاب الأخرى.

مسيرة مناهضة للائتلاف بين الأحزاب الثلاثة الألمانية-مدينة بون. نوفمبر (تشرين الثاني) 2017

كان الخيار الثاني هو ما فشل هذا الأسبوع. كان من المفترض أن يكون ائتلافًا واسعًا يضم حزب الخضر الليبرالي وحزب الديمقراطيين الأحرار الليبرتاري، والذي أطل عليه اسم ائتلاف «جامايكا» نظرًا إلى ألوان الأحزاب المشاركة التي تمثل علم جامايكا. كانت صعوبة الأمر في حكم المؤكد، بالنظر إلى اختلاف المواقف والآراء السياسية.

لكن بناء ائتلاف هو ليس الشيء الوحيد الذي جعل تلك الانتخابات خطيرة. على مدار الصيف، بدأ حزب البديل من أجل ألمانيا في اكتساب زخم في استطلاعات الرأي، انتهى به إلى دخول البوندستاج (البرلمان الألماني) للمرة الأولى، بعد أن أصبح ثالث أكبر حزب في البلاد، باستخدام خليطٍ قوي من الخطاب الشعبوي والمشاعر المعادية للمهاجرين.

عقب الانتخابات، كانت أكبر صدمة للنظام السياسي الألماني هي التفكك الانتخابي شبه الكامل للحزب الديمقراطي الاجتماعي بقيادة شولتس، والذي يميل إلى اليسار، والذي بدا في وقتٍ ما منافسًا مؤهلًا للإطاحة بميركل.

«لا أعتقد أننا شهدنا في أي وقتٍ من قبل فشل المفاوضات لتشكيل ائتلاف، وأن يقود ذلك إلى انتخاباتٍ جديدة»، كان ذلك ما قاله أولرايك إيستر فرانك من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.

قضية اللاجئين أحد أسباب فشل المحادثات

سمحت سياسة الباب المفتوح التي اتبعتها ميركل لـ 1.2 مليون طالب لجوء ومهاجر بالقدوم إلى ألمانيا منذ بداية الأزمة في عام 2015 حتى عام 2016. كان فشل المحادثات حول السماح لهؤلاء اللاجئين بلم الشمل مع عائلاتهم مدفوعًا جزئيًا بالغضب من قرار ميركل بالسماح لهم بالمجيء من البداية.

شاب سوري وصل إلى ألمانيا لطلب اللجوء، يحمل صورة ميركل. ميونخ. سبتمبر (أيلول) 2015

كانت القضية الثانية متعلقة بإلغاء ما يعرف بضريبة «التضامن»، وهي السياسة التي بموجبها كانت تجمع الأموال لمساعدة المناطق التي كانت فيما سبق جزءًا من ألمانيا الشرقية على التعافي عقب الوحدة. لم يكن من الواضح كيف، وما إذا كان سيتم إنهاء تلك السياسة، بينما كانت القضية الأخيرة تتعلق بوفاء ألمانيا بأهداف المناخ. وأوضحت ديفيد – فلب: «كان الخضر مصرين على إغلاق عددٍ من محطات الفحم؛ من أجل الوفاء بهدف تقليل انبعاثات الكربون عام 2020».

أعاقت تلك القضايا المحادثات؛ ما عنى أن تصبح أقوى قادة أوروبا على نحوٍ مفاجئ في مواجهة نهاية لقيادتها التي استمرت 12 عامًا للبلاد. «من الصعب تضخيم حجم أثر انهيار المحادثات»، كتب زيفرن فايلاند في مجلة «دير شبيجل» الأسبوعية الألمانية.

هل هذه هي نهاية حقبة ميركل؟

«ما زالت ميركل تحظى بشعبية كبيرة في ألمانيا وخارجها، تظل نسب شعبيتها مرتفعة في استطلاعات الرأي»، قالت ديفيد -فلب، قبل أن تضيف: «لكن أغلب الناس يعتقدون أن عهد ميركل يقترب ببطء من نهايته».

يعني ذلك أن المحللين يمحصون أيضًا أسلوب قيادتها وإرثها. لم يكن عهد ميركل، أشارت ديفيد – فلب، عهد قيادةٍ ذات رؤية. «عنى عهد ميركل التدرج واتخاذ القرارات المحسوبة»، بحسب ديفيد – فلب، في إشارةٍ إلى ما كان يتم رؤيته عادةً على أنه اتخاذ القرارات «ببطء السلحفاة» فيما يتعلق بالقضايا الكبيرة. «ربما تكون أوروبا الآن مستعدة لقيادةٍ ذات رؤية».

لكن بالنسبة لأوروبا التي تواجه روسيا تزداد قوتها، فإن الأسئلة المستمرة المتعلقة بالاندماج، وتدفق اللاجئين، و«البريكسيت»، وصعود اليمين المتطرف الجديد في الكتلة الشرقية السابقة، هو تحولٌ غير مريح للأحداث.

عن – ساسة بوست

المشاركة

اترك تعليق