فارس حامد عبد الكريم* –

عندما قام النظام الصدامي السابق بتهجير ألآلاف من العوائل والشخصيات الوطنية الكردية إلى محافظات الوسط والجنوب في بابل والسماوة والناصرية والبصرة والأنبار، ومنعها من مغادرتها وإلا كانت العقوبات صارمة بحقهم وبحق من يتعاون معهم، أملاً في قطع صلتهم بماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، وأخماد روح الثورة المتقدة فيهم، وأن يجعل منهم غرباء في وطنهم، ولكن هيهات ورغم عين المخبرين وانف قيادتهم استقبلت العشائر العربية وعموم المواطنين تلك العوائل والشخصيات الوطنية بالأحضان فكانوا ضيوفاً أعزاء ووفرت لهم الرعاية والتكريم وأّمّنت لهم سبل العمل اللائق بهم وجميع احتياجاتهم المادية والمعنوية. ويروي لي الكثير من الشخصيات الكردية ممن عايشوا تلك الفترة أنهم وجدوا أنفسهم بين أهلهم ولم يشعروا بالغربة على الإطلاق اللهم إلا الشعور بالحنين لمسقط الرأس ورؤية الأحبة من الأهل والأصدقاء ممن فارقوهم بالتهجير إلى مناطق شتى.

وروى لي صديق كردي عزيز أن والده نفي إلى مدينة السماوة ومنذ اليوم الأول لوجوده في تلك المدينة وجد نفسه بين أصدقاء جدد كأنه يعرفهم منذ زمان، أحبهم وأحبوه ولازالوا على عهد الصداقة رغم عشرات السنين العجاف التي مرت على العراق وأهله.

يستدرك صديقي قائلاً: أن والده أخبر أصدقاءه (السماويين) بأنه مشتاق لرؤية والدته التي تقطن في أربيل فقد مرت سنوات دون أن يراها ولاشك أن قلبها، قلب أم، جريح وحزين لهذا الفراق،…. قالوا له: لا تهتم سندبر لك هذا ومن يريد ذلك من أخوتنا الأكراد الآخرين، فلن يصعب على أهل السماوة ذلك.

رتبوا لهم باصاً خشبياً وملابس عربية وهويات بأسماء عربية وتوجهوا بهم إلى بغداد، في ذات الوقت أرسلوا مجموعة من الشباب إلى أربيل التقت بعوائل أولئك السادة المنفيين وجلبوهم إلى بغداد وتم اللقاء بين الأحبة على بركة الله وكرم أهل السماوة … يروي لي صديقي ذلك وعينيه قد اغرورقت بالدموع تأثراً ينبل الموقف.

ومثل هذه الوقائع والمواقف النبيلة الكثير في جميع محافظات العراق.

ومن جانب آخر لا ننسى نبل وكرم القبائل الكردية والمواطنين الاكراد عامة مع جميع اطياف الشعب العراقي في كل وقت وحين، سواء في عهد النظام المقبور أو في ظل العهد الجديد، فقد استقبلوا جميع طوائف الشعب العراقي بلا استثناء ولم يتذمروا أو يشتكوا رغم ما قد يحدث من مشاكل وأعباء مالية وارتفاع في أسعار العقارات والإيجارات وغيرها، فكانوا دائماً الصدر الرحب والوجه الباسم في وجوهنا. فانا – على سبيل المثال – ابن الحلة الفيحاء لا اشعر في أربيل إلا وكأني بين أهلي وأصدقائي وأحبابي في الحلة والبصرة والأنبار … ، وإذا حدثت بعض المشاكل هنا وهناك ، فهذا أمر طبيعي يحصل حتى بين أبناء المدينة الواحدة، ولا يكون سبباً في تغير القلوب والنفوس والتاريخ الوطني.

في ضوء ما تقدم من وقائع تاريخية مؤكدة، وبموجب مقتضيات العقل والمنطق السليم، فإن من المحزن حقا أن تسقط أخوة خبرتها التجارب والمحن، بسبب حوادث عرضية طبيعية موجودة في كل مكان وزمان، فالحوادث العرضية كبيرة أم صغيرة تأخذ مسارها الطبيعي ولا ينبغي أن تغير مجرى التاريخ، ولا ينبغي أن نعطي لردود الأفعال الآنية التي رافقت الحادث أو بعده نتيجة الصدمة حجماً أكبر من حجمها، وأن يؤخذ بالاعتبار موقف القيادات والشخصيات الوطنية الكردية التي شجبت حادث مقتل الشهيد محمد بديوي وطالبت بان تأخذ العدالة مجراها الطبيعي دون تدخل من أحد، والبريء بريء والمتهم بريء حتى تثبت ادانته. وقد يتصالح ذوي الشأن ويبقى الحق العام كما يقدره القضاء العادل.

فلا تطففوا ميزان الوحدة الوطنية …. (فالويل للمطففين) من حيث الاثر الشخصي والاجتماعي.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here