كنوز ميديا –  دخل التلسكوب العملاق الذي يبلغ قطره 500 متر الخدمة الفعلية منذ عامٍ تقريباً، بهدف استكشاف الفضاء العميق والتحقّق من وجود إشارات أو بصمات لحياة عضوية في مكان ما في الكون .
التلسكوب، المعروف علمياً باسم «التلسكوب الدائري الراديوي ذي بؤرة الخمس مئة متر»، بنته الصين ليكون درّة صروحها العلميّة الفضائيّة وأكثرها تطوّراً في مجاله. منذ عام، بدأ هذا التلسكوب بمسح الفضاء البعيد، وقد نجح خلال وقت قصير نسبيّاً باكتشاف بعض الخصائص المجهولة لنوع مميّز من النجوم يدعى «النجوم المشعّة» أو pulsars. وتشير الأخبار المنقولة عن هذا المرصد الكبير إلى أنّه رصد وتابع العشرات من الأجرام التي يشتبه أن تكون «نجوماً مشعّةً»، واستطاع التثبّت من العديد منها بمساعدة مراصد أخرى موجودة في مناطق مختلفة حوال العالم، وخرج باستنتاجات جديدة حولها.
ما هي «النجوم المشعّة»
النجم المشعّ أو pulsar هو تعبير يستعمل في علم الفضاء لتوصيف النجوم النيترونيّة، أي تلك التي لا يوجد في داخلها سوى نيوترونات، دون وجود لجزيئات أو مواد أخرى. وهي بذلك تختلف جذريّاً عن تكوين النجوم الأخرى مثل شمسنا مثلاً. وتتمّيز هذه النجوم المشعّة بحقلها المغنطيسيّ الهائل الناتج من دورانها الصاروخي حول نفسها، إذ تكمل هذه الدورة خلال ثوانٍ معدودة، ما يؤدي إلى إطلاق نبضات ضخمة من الأشعّة الإلكترومغنطيسيّة. وللمقارنة، تستلزم دورة نجم عادي كالشمس حول نفسه نحو 26 يوماً، أي إن وتيرة دوران تلك النجوم حول نفسها تبلغ نحو 20 مليون ضعف وتيرة دوران الشمس. لذلك، تتميّز بوهجها الإلكترومغنطيسي الهائل الذي يتيح مشاهدتها ورصدها ودراستها من التلسكوبات الأرضيّة.
الأرصاد الأخيرة
راقب التلسكوب مساحات كبيرة من الفضاء، وتمكّن من اكتشاف نجمين مشعّين يبعد الأول 16 ألف سنة ضوئيّة عن الأرض، ويدور حول نفسه كل 1.83 ثانية، فيما يبعد الآخر 4100 سنة ضوئية ويكمل دورته كل 0.59. وعندما نقول إنه يقع على بعد 16 ألف سنة ضوئيّة، فذلك يعني أنّ الضوء الصادر عنه يستلزم 16 ألف عام للوصول إلى الأرض، وبمعنى آخر، عندما ننظر إلى ذلك النجم الآن، فما نراه هو ماضي النجم، أمّا حاضره فلن يصلنا إلّا بعد 16 ألف عامٍ.
وقد بلغ عدد النجوم المشعّة المرصودة في الكون منذ عقود نحو 2700 نجم، غير أنّ دخول التلسكوب العملاق هذا بتقنيّاته المتطوّرة من شأنه أن يتيح مضاعفة عددها خلال سنوات قليلة، وسيساعد أيضاً بدراسة الموجات الثقاليّة أو موجات الجاذبية من خلال عمله الداعم والمكمّل للمراصد المختصّة بها من طريق رصد البصمات الإلكترومغنطيسيّة للأحداث الكونيّة المسبّبة لها.
 
وظيفة المرصد
أنشئ هذا المرصد بهدف قياس الموجات الإشعاعية في الفضاء بشكل عام، وضمن مساحة تبلغ أضعاف تلك التي أمكن درسها في التلسكوبات التي سبقته، من أجل دراسة حركة الأجسام الكبيرة مثل دوران المجرّات، ولمراقبة تصرّفات النجوم المشعّة بشكل دقيق، ولهدف ثالث أكثر غرابة، هو القدرة على رصد كل الإشارات الفضائية الكهرومغنطيسيّة التي قد تصدرها حضارات فضائيّة أخرى مجهولة، فالتحليل العلمي يقول إنّ رصد أي حضارة ذكيّة سيحصل أوّلاً، إن وجد أصلاً، من خلال إشاراتها الإلكترومغنطيسيّة التي تبثّها، وليس من خلال السفر عبر الكون كما تصوّر بعض أفلام الخيال العلمي. وضمن الإمكانات المتوافرة حالياً يستطيع المرصد البحث عن هذه الإشارات بين آلاف النجوم وضمن مسافة 30 سنة ضوئية عن الأرض.
وتُعَدّ إحدى مهمّات البحث دراسة الجزيئات المنتشرة بين النجوم، إذ إنّ النجوم نفسها تنشأ في البداية من السحب الفضائيّة المشكّلة من هذه الجزيئات. كذلك إنّ إحدى المهمات المتوقّعة من عمل هذا التلسكوب، القيام بمسح شامل ودقيق لانتشار ذرّات الهيدروجين المحايد عبر الكون، إذ من شأن ذلك فهم المزيد عن تشكّل المجرّات وتطوّرها كما عن وجود وخصائص المادّة المظلمة في الفضاء.
الأكبر في العالم
بلغ حجم التلسكوب الأكبر في العالم نحو ضعف وصيفه في الحجم. ولحجم المرصد أهميّة كبيرة في رصد الإشارات الضعيفة، والأضواء الأخفت، إذ إن مضاعفة مساحة السطح تتيح تجميع كميات أكبر من الأشعّة الوافدة من أجسام خافتة. لذلك، سيتيح سبر أغوار آلاف الأجسام التي لم يكن ممكناً رصدها ودراستها من خلال المعدّات والتقنيّات السابقة. ويمكن القول إن هذا المرصد سيساعد أيضاً في فهم ظروف نشوء الكون وتطوّره من خلال دراسة الأشعة القادمة من أبعد أماكن الرصد. وإلى جانب نجاحه في رصد النجوم المشعّة في مجرتنا بشكل دقيق، من المتوقع أن يصبح أوّل تلسكوب ينجح في رصد نجوم مشعّة من خارج مجرّتنا خلال السنوات القليلة المقبلة، وهو بحد ذاته تحدٍّ قائم اليوم أمام العلماء.
بُني هذا التلسكوب في منطقة جبلية في جنوب غرب الصين، وفي منطقة بعيدة عن كل محطات الإرسال الهاتفي والراديوي لتفادي تأثيرات هذه الموجات على عمله، واستمرّ بناؤه من عام 2011 إلى حين دخوله الخدمة الفعليّة في أيلول 2016. قد لا ينجح المرصد قريباً، أو أبداً، بهدفه الأبعد، وهو رصد أشكال من الحياة العضوية في الفضاء البعيد، لكنّه قد بدأ نجاحاته بالفعل في دراسة دوران المجرّات كما في دراسة النجوم المشعّة الدوّارة القريبة والبعيدة، وهو مستمرّ بذلك.  ml 
المشاركة

اترك تعليق