كتب / د. علي السعدي…

عام 1990 وبعد حرب طاحنة بين شطري اليمن الشمالي والجنوبي التي كانتا جمهوريتين مستقلتين عن بعضهما، تم توحيد الشطرين في دولة واحدة يرأسها علي عبد الله صالح.

لم تنظر السعودية بإرتياح الى ماجرى، إذ ان وحدة اليمن وتثبيت ركائز الإستقرار فيه، يمنح ذلك البلد زخماً قد يتوج بتحريك المطالبة بنجران وعسير مجدداً، واذا فتحت هذه الزاوية، فقد تفتح في المقابل زوايا أخرى كثيرة من دول مجاورة، قد تطالب السعوديين بما استولى عليه أجدادهم الأوائل.

اليمن الفقير بموارده الطبيعية، والمجتمع الذي تمزقه الصراعات العشائرية والمناطقية، لم يستطع الإفادة من وحدته لرفع معدلات النمو وبلورة هويته الوطنية، فبقيت النار تعتمل تحت الرماد الى أن إنفجرت الأحداث وكأنما بشكل مفاجىء، في عدن العاصمة الجنوبية السابقة، ومن ثم يخرج نائب الرئيس السابق في اليمن الجنوبي (علي سالم البيض) ببيان يطالب فيه الدول العربية بالتـدخل لحـراسة مشروع الإنفصال.

تشير بعض الدلائل ان ذلك الحدث قد جرى ترتيبه مع السعوديين كي يخلقوا أنظمة موالية لهم بعد ان كاد الخناق يضيق عليهم حيث التذمر من الظل السعودي الثقيل، بات يتوضح باطراد عند معظم دول الجوار، وقد عبّر عنه أحد السياسيين الكويتيين في جلسة خاصة، بوصف السعودية بأنها (أفعى الجزيرة) لما في ذلك الوصف من مغزى.

على الصعيد الدولي، بدت السعودية في وضع غير مريح نسبياً، فالعالم لم يعد يحبذ رؤية نظام الملكية المطلقة، في وقت تحولت فيه الديمقراطية الى سمة العصر، والتجاوب السعودي مع خطوات إنفتاحية واضحة المعالم، يحتاج الى وقت طويل وخطوات مدروسة بدقة كي لايؤدي الإنفتاح الى إضطراب، كذلك تراجع دورها في لعب دور الوسيط الناجح عند محاولة البحث عن حلول لبعض مشاكل المنطقة ـ سواء في لبنان أو سوريا أو فلسطين أو العراق ـ بعد ان تقدم الدور التركي ليشغل هذه المهمة.

كانت المحاولة اليتيمة التي فسرتّ على انها قد تكون بادرة حسن نية تتخذها السعودية تجاه العراق، تمثلت في زيارة سعد الحريري الشخصية اللبنانية الأكثر قرباً من السعودية ـ يذكر بأنه يحمل جنسيتها ـ.

كان الزعيم اللبناني قد قام بوساطة في الأزمة الباكستانية التي نشبت بين الحكومة والمعارضة هناك، موفداً من قبل القيادة السعودية، وربما لهذا السبب، بدت زيارته الى العراق وكأنها مشابهة من حيث الشكل، إذ إعتبرت بمثابة محاولة سعودية لجسّ النبض العراقي من دون (التورط) بخطوات مباشرة قد تحسب عليها، كذلك فإن الزيارة قد تسجل على كونها مبادرة شخصية بغطاء لبناني من أجل البحث عن ميزات إقتصادية في الأسواق العراقية، وبالتالي تحصر ضمن هذه الحدود إذا لم تجد الخطوة السعودية غير المباشرة، مايشجعها لإتخاذ خطوات لاحقة.

كذلك فسرت زيارة ( الحريري ) على انها محاولة توسط مرجعية النجف الأشرف للضغط على حزب الله من أجل إبدائه مرونة في الوضع اللبناني .

لكن ماذا أحضر الحريري وماذا أخذ؟

سعد الحريري رئيس كتلة المستقبل والقطب اللبناني البارز، تصدى للزعامة بعد مصرع والده رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، وكرسّ زعامته بعد الإنتخابات النيابية عام 2005 التي منحت كتلته وحلفاءها أكثرية المقاعد في البرلمان، ثم تكرر فوزه بالأكثرية النيابية في انتخابات حزيران 2009، وكلفّ بتشكيل الحكومة.

يعرف عنه انه مقرب من العائلة المالكة السعودية، وليس سّراً تكليفه من قبلهم ببعض المهمات الخاصة والحسّاسة كما سبق ذكره .

كانت السعودية تسعى الى ملء الفراغ في القطبية الإسلامية، فبعد تراجع مصر وغياب العراق، وانشغال تركيا بمشاكلها الداخلية والخارجية ـ قبل ان تغير إتجاهها نحو العرب ـ فيما الباكستان وأندونيسيا منهمكتان كلّ بقضاياه الخاصة، حاولت السعودية تقديم نفسها باعتبارها قطب الإستقرار الإسلامي الذي يستطيع ان يلبي متطلبات العالم ويواكب تطوره.

كان العائق الأكبر أمام تجسيد القطبية السعودية، هي إيران، فذلك البلد الكبير والقوي، يمثل الجناح الآخر للإسلام من حيث المذهب، لكنه كذلك يمثل وجهاً سياسياً وآيديلوجيا مغايراً، فهو يتبنى الثورة ويدعم حركات (التحرر)، كما انه يحمل رؤية خاصة حول العلاقة بين الشرق والغرب.

الطروحات الإيرانية تزعج الغرب عموماً وأمريكا بوجه خاص نظرا لما تشكّله من معوقات أمام الإندفاعة الأمريكية في المنطقة، ومع سعي إيران لإمتلاك سلاح نووي، يرتفع التحدي ليصل الذروة.

لذا ينبغي العمل ـ بحسب الرؤية الأمريكية ـ على تجريد إيران من حلفائها العرب أولاً، فانشغلت سوريا بالجزرة المتوسطية ومعها أمكانية سلام مع إسرائيل قد يضمن إستعادة الجولان أو جزء منها، مع فك عزلتها العربية وقبولها عضواً فاعلاً في الأسرة الدولية.

المشاركة

اترك تعليق