بقلم : محمد حمية
بعيداً عن استقالة أو إقالة الرئيس سعد الحريري ومضمون البيان الذي تلاه من الرياض السبت الماضي، يكفي الشّكل الذي ظهر به رئيس حكومة لبنان والسيناريو الذي توالت فصوله على مدى أيام لناحية إقامته المجهولة وحركة تنقّلاته وظروف حياته وعائلته وأمواله وأعماله وشركاته وتوقيت عودته إلى بيروت، لتشكّل عدواناً خارجياً موصوفاً على لبنان لم يسبق له مثيل في تاريخه، وقد يوازي العدوان «الإسرائيلي» على لبنان والهجوم الإرهابي على عرسال في آب عام 2013، كما يُعتبر انتهاكاً واضحاً وفاضحاً للسيادة اللبنانية وللعلاقات الدبلوماسيّة بين الدول.
لم يعد خافياً أنّ فريق 14 آذار، وعلى رأسه تيّار المستقبل وحزب «القوات اللبنانية»، كان أوّل ضحايا القرار السعودي «المميت» بإقالة الحريري من منصبه، وما علامات الذهول التي خطفت وجوه أعضاء الكتلة «الزرقاء» والإرباك والتخبّط، إلّا دليل ساطع على أنّهم كرئيس تيارهم لم يكونوا على علمٍ بما يُحاك ويدبّر في ليلة ظلماء في أرض الصحراء، ولم يتمكّنوا حتى من استفسار مسؤولٍ سعودي عن حال ومصير العمود الفقري لـ»الثورة الآذاريّة».
وما بات مؤكّداً أنّ ما بعد الاستقالة بالنسبة للفريق الآذاري ليس كما قبلها، لأنّها وضعت أركان هذا الفريق برمّته منذ تأسيسه حتى الآن على مشرحة الشكوك، وأمام امتحان جديد لإثبات السيادة التي تغنّوا بها منذ ما يسمّى «ثورة الأرز» على الوجود السوري عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، وبدأت التساؤلات تحيط بهم من كلّ حدبٍ وصوب فماذا هم فاعلون إزاء الممارسات السعودية بحق رئيس تيّارهم وحكومتهم، والزعيم السنّي الأقوى في لبنان حتى إشعار آخر، وابن رفيق الحريري الذي ذرفوا عليه دموع التماسيح منذ اغتياله حتى الآن، واعتلوا عرش السلطة والحكم والحكومات لسنوات خلت وتلت تحت شعار الحرية والسيادة والاستقلال وإنهاء عصر الوصاية السوريّة في لبنان، وكشف حقيقة اغتيال الحريري؟ وأين «الصقور الزرق» كالنائب أحمد فتفت، و»حماة الطائفة» كالنائب خالد الضاهر والوزير معين المرعبي وغيرهم ممّا يجري؟ وهم الذين يطلقون العنان لأصوات «الفتنة» لاستغلال تصريح مسؤول إيراني قبل ترجمته الحرفيّة والدقيقة إلى العربية، أو طائرة سوريّة حلّقت فوق منطقة حدوديّة لملاحقة فلول الإرهاب، وهم الذين رفضوا حتى الأمس القريب التنسيق بين الجيشَين اللبناني والسوري والمقاومة لتحرير جرود السلسلة الشرقية، وأخذوا على حزب الله تحرير الجرود من «جبهة النصرة» بدل الجيش اللبناني، تحت حجّة حماية السيادة، ورفضوا تواصل الحكومة اللبنانية ورئيسها مع الحكومة السورية لحلّ أزمة النازحين بذريعة عودة النظام السوري إلى لبنان، ولا أحد ينسى تحشيد قيادات هذا الفريق «الشارع السنّي» في وجه حزب الله ردّاً على إقالة حكومة الحريري وهو في البيت الأبيض، ورفضهم حكومة يرأسها الرئيس نجيب ميقاتي بحجّة الدفاع عن حقوق أهل السنّة، الذريعة نفسها التي أشعلوا الشارع بها للضغط على حكومة ميقاتي للإفراج عن شادي المولوي، الذي ظهر لاحقاً أنّه زعيم «النصرة» في الشمال، وهم أنفسهم الذين هبّوا لنصرة «أهل السنّة» في سورية من «بطش النظام السوري» كما يدّعون؟ ألَيست نصرة الحريري المحتجز اليوم في أروقة أحد القصور الفخمة في «مملكة الخير» أَوْلى وأحقّ؟
لا شكّ أنّ قرار المملكة نزل كالصاعقة على رؤوس أدعياء السيادة والحرية والاستقلال «الآذاريّين»، ووضعهم في إحراج شديد وأسقط منطقهم السيادي، لكنّه في الوقت عينه يشكّل فرصة ثمينة وتاريخيّة لهم لاستعادة سيادتهم التي لم يعرفوها يوماً، وإظهار للرأي العام وجمهورهم على الأقلّ أنّهم أصحاب قرار حرّ ومستقل كما يزعمون، فكيف ذلك؟
ليس مطلوباً من هذا الفريق تجييش الرأي العام اللبناني على «المملكة»، ولا مطالبة الدولة اللبنانية ورئيس الجمهورية المعاملة بالمثل، ولا مناشدة الأمم المتحدة ومجلس الأمن والدول الكبرى وتقديم شكاوى للضغط على المملكة للإفراج عن الحريري وإعادته إلى لبنان، كما كانوا يفعلون إبّان التحريض ضدّ حزب الله خارجياً بسبب مقاومته لـ»إسرائيل» وردع الإرهاب في سورية، بل يكفي سؤال رعاتهم السعوديّين عن سبب إقالة الحريري وعن مصيره وسلامته وظروف عائلته أو السماح بالاتصال به على الأقلّ، فهل يجرؤون؟
وهل يستطيعون التعبير عن امتعاضهم للطريقة المذلّة في إخراج سيناريو تقديم الاستقالة؟ وهل يدافعون عن موقع رئاسة الحكومة الذي أُهين أيضاً بطريقة لم يشهدها في جميع الحقبات الماضية؟ وحتى في أوْج الوصاية السوريّة على لبنان كما يصفونها، لم يُستدعَ أيّ رئيس حكومة إلى الشام ولا حتى إلى عنجر لإجباره على تقديم استقالته؟ وهل يعترضون على الأساليب «الداعشيّة» التي ظهرت في التعامل مع الحريري منذ وصوله إلى مطار الرياض واتّخاذه رهينة وابتزازه بحياته وأمواله وحتى بعائلته، في مشهد يستحضر مسلسل خطف تنظيمَي «داعش» و»النصرة» العسكريّين اللبنانيين؟ علماً أنّ فكر «التنظيمَين» ذو منشأ وهابيّ سعوديّ…
بالتأكيد، إنّ عجز «المستقبليّين» عصب «14 آذار» عن الإجابة عن لائحة الأسئلة ومضبطة الاتهام الطويلة، يشكّل طعنة للسيادة المزعومة التي ادّعوها، والانتفاضة المزيّفة على الوصاية السوريّة في لبنان التي أوهموا الشعب اللبناني بصدقيّتها وأحقيّتها طيلة السنوات الماضية، كما كشفت زيف جميع شعاراتهم، وبالتالي الطعن بشرعيّة وجودهم في السلطة منذ العام 2005.
أثبتت وقائع الليالي السود في الرياض وصف ثامر السبهان لقيادات هذا الفريق بالجبناء، لكن ليس بسبب خشيتهم من مواجهة حزب الله كما قال السبهان، بل على جبنهم لمجرّد سؤال «المملكة» عن زعيمهم إنْ كانوا يعتبرونه كذلك. كما شكّل طعنة جديدة لشرعية تمثيل نوّاب «الكتلة الزرقاء» لمناطقهم وجمهورهم وطائفتهم، بعد الطعنة الأولى الذي أحدثها التمديد للمجلس النيابي الحالي لثلاث مرّات متتالية، وربما الرابعة على الطريق…
ما تقدّم ينسف أيضاً كلّ الأُسُس التي بُنيت عليها ما تسمّى «ثورة الارز»، التي ادّعى بعض الموهومين في لبنان بأنّها كانت ملهمة ما سُمّيت «ثورات الربيع العربي»، فهل تُسمّى ثورة يقودها متخاذلون وجبناء بحسب وصف وليّ نعمتهم حاكم إمارة لبنان «السبهان»؟ وهل يوصف بـ»الثائر» من يخضع لإرادة دولة أخرى؟ وهَل باتَ على الشعب اللبناني أن يصدّق أصحاب السيادة والمعالي «الثوار»، ويجدّد ولاءه لهم في الانتخابات النيابية المقبلة إن حصلت؟,ml
المشاركة

اترك تعليق