بقلم : محمد ح. الحاج

لم تتوضح الصورة حتى الآن في الداخل السعودي رغم ما يتسرّب من معلومات، أغلبها يتمّ تحريفه ونشره وتبنّيه رسمياً من قبل السلطات، وبعضها تتجاهله وتنفيه، فطائرة بن مقرن لم تتعرّض لعطل فني بل أسقطتها مقاتلة سعودية، فيما وصل آخرون إلى صنعاء وتمّ قصف مكان تواجدهم، كما تتجاهل خبر وصول محمد بن متعب إلى إيران ولم تؤكد المصادر الإيرانية نبأ وصوله ومنحه حق اللجوء السياسي كما ورد في خبر على الشبكة العنكبوتية، إضافة إلى اعتقال عدد كبير من الأمراء والمسؤولين وزجّهم في السجون والمعتقلات، بذريعة مكافحة الفساد، والحقيقة هي عملية استباقية لمحاولة انقلاب على محمد بن سلمان الذي ضمن دعم دونالد ترامب بعد تحميله مليارات الدولارات ثمناً للوصول إلى الكرسي، وهو ما لا يرضي باقي أبناء الملوك ممن هم أكبر منه وأكثر خبرة سياسية أو تعقلاً في ما يخصّ أمور الحرب وإعلان العداء لمحيطه خدمة للمصالح الصهيونية حيث يتواصل مع بعض كبار المسؤولين الصهاينة بشكل سري، أو عن طريق مبعوثين سعوديين… أنور عشقي أو مصريين أو لبنانيين.

ماذا تريد السعودية من لبنان؟

يعتقد البعض أنّ رئيس وزراء لبنان خرج على سياسة وطنه السعودية ، وأنّ الدولة السعودية ترى في هذا الخروج محاولة للتمرّد وتشكيل حالة ترى فيها غطاء للمقاومة الوطنية اللبنانية ومن معها على ساحة تمتدّ من لبنان إلى الشام فالعراق وأخيراً إلى اليمن، وأنّ هذا الحلف قد أعلن الحرب على المملكة ومن لبنان بالذات، كيف ومتى؟ هذا ما يحتاج إلى تفسير من قبل صاحب الادّعاء، وتتساءل الغالبية في لبنان، كيف لدولة كلبنان أن تعلن الحرب على المملكة، ربما يكون الجواب هو أنّ كلّ من لا يقف مع المملكة هو ضدّها وأنّ ما يعلنه حزب الله، أو غيره من نقد لسلوك المملكة في البحرين أو اليمن هو إعلان حرب، وهكذا تمّ استدعاء الحريري باعتباره مواطناً سعودياً على هذه الخلفية مع بلوغه ذروة الخروج بعد استقباله لمستشار قائد الثورة الإيرانية والوفد المرافق.

قيادة المملكة السعودية لا تستطيع رؤية حزب الله إلا بطريقتها الخاصة، فكلّ سوري يقف مع وطنه ويقاتل دفاعاً عنه هو من حزب الله، وكلّ عراقي كذلك حتى لو كان آشورياً أو سريانياً. وفي البحرين، كلّ المعترضين والمطالبين بالعدالة هم من حزب الله، وأخيراً كلّ من يقف بوجه المملكة في اليمن هم من حزب الله طالما حزب الله اللبناني يؤيد هؤلاء ويرفع الصوت مطالباً بوقف الحرب على اليمنيين والخروج من البحرين، ووقف إمداد العصابات على الساحتين العراقية والشامية، وطالما إيران تقف مع حزب الله فهذه وصاية وكأنّ مملكة بني سعود قمة في المثالية ولا تحاول فرض وصايتها على أيّ من الأنظمة العربية رغم تخلفها وتقدّم الآخرين وعلى رأسهم لبنان، ومصر والعراق والشام.

النظام السعودي يعتقد أن مجرد استقالة مواطنه السعودي من رئاسة حكومة لبنان، ستدفع بهذا البلد إلى الفوضى والصراعات الداخلية، وسيدفع بالصهيوني إلى التدخل، وهذا الفعل سيوفر للسعودية الفرصة لفرض رؤيتها ونفوذها في اليمن واستمراره في البحرين، وربما تغيير النظام القطري واحتوائه، بعد أن تمّ احتواء فصيل على الساحة العراقية ومحاولة التغطية على ما فعله النظام السعودي في العراق من دعم للقاعدة وبعدها لوليدها داعش، تفكير غاية في السذاجة وكأنّ الأمور بالتمنّي، وكأنّ في لبنان من يستطيع تجريد حزب الله من سلاحه لترتاح دولة العدوان في فلسطين ويتمّ اختصار القضية بتسويات سطحية يتمّ تحضير عناصرها وأدواتها برعاية سعودية ومعها آخرين منهم مصر.

السعودية إلى أين؟

يتنبّأ المختصّون في الشأن السعودي بالكثير المتناقض، فمنهم من يرى أنّ الإدارة الأميركية تقف وراء مخطط تصفية الرؤوس الكبيرة من العائلة، الذين يشكلون خطورة على تسلّم محمد بن سلمان دفة الحكم، ومؤكد أنّ الاستخبارات الأميركية تتغلغل في أوساط هؤلاء وهم بالأصل يرتبطون جذرياً بها وبغرفة عملياتها في المملكة، أما الأرجحية فستكون لمن يدفع أكثر المملكة بقرة حلوب هكذا يراها ترامب، وليس هناك من يعتقد بأنّ أمور محمد بن سلمان ستكون ميسّرة وسهلة بوجود أبناء عمومة أكبر وأكثر خبرة وربما ثراء إضافة إلى علاقات متجذرة مع الخارج واستطاعوا الحفاظ على شعرة معاوية وما قطعوها على طريقة ولي عهد يتصف بالجنون والمغامرة ويفتقر إلى الخبرة، ومجرد رؤيته لما تملكه دولته من أسلحة يدفع به للاعتقاد أنه قادر على محو دول عن الخارطة، وهذا يذكرني بما نشره مغرد سعودي على «تويتر» حيث قال إنّ صاروخاً واحداً مما تملكه المملكة يكفي لمحو إيران عن الخارطة!

يبدو أنّ أحداً من العقلاء في المملكة لم يتبرّع بنصيحة ولي العهد المجنون أنّ دول الجوار تملك أكثر مما تملكه المملكة، وأنّ للحرب أثمانها، وأنه لا يستطيع تحقيق النصر على إمارة بحجم قطر.

يقول ترامب إنّ الملك سلمان وابنه يعلمان ما يفعلان، وأنه يثني على ما يفعلانه من مكافحة للفساد، ويمكن قراءة هذا الثناء أنّ الأب وابنه ينفذان خطة وراءها ترامب وإدارته، فإذا ما استمرّت خطواتها يمكن أن توصل المنطقة إلى ما ترسمه أميركا من فوضى عارمة تتخللها صراعات داخلية وخارجية ويمكن أن تدفع إلى حرب إقليمية واسعة تخدم المشروع الصهيو أميركي حتى ولو جاءت النتيجة كارثية على المملكة والخليج بشكل عام، وما سيلحق من دمار وخراب في دول المنطقة بما في ذلك إيران.

الاحتمال الذي لا تأخذ به المملكة السعودية هو نهاية حكم العائلة طالما دبّت البغضاء بين أفرادها نتيجة الصراع على السلطة والثروة، ويصبح من السهل جداً تفتيت الدولة وإعادتها إلى مركباتها الأولية، نجد، الحجاز، عسير وغيرها فتتشكل إمارات من جديد وعائلات حاكمة جديدة، وقد يتمّ إلحاق أجزاء منها بالدول المجاورة كما في الخريطة التي نشرها البنتاغون اليمن الكبير، والأردن الكبير ، ولا يمكن استبعاد بقاء طرف من العائلة ليحكم منطقة نجد.

في القراءة المتأنية لا يجب استبعاد الحرب مع وجود شخصيات من أمثال ترامب، ومحمد بن سلمان، ونتن ياهو، ضمن أجواء الاستثمار والشحن الطائفي والمذهبي والعلاقات المشبوهة لكثير من القيادات في المنطقة مع المحافل الماسونية السرية، وهذه تعمل ضمن برامج ومناهج موضوعة لا يجب الخروج عليها أو حرفها عن غايتها.

ـ لبنان لن يذهب إلى صدام داخلي بوجود عقلاء وحكماء، ومن الطبيعي أن التجربة السابقة ماثلة أمام الجميع إلا إذا تكفل المال بنسيانها وقد يقف البعض وراء إشعالها والخروج من البلد منتظراً الخراب ليعود على جثث الآخرين وأنقاضهم كمخلص أو أمير حرب أو زعيم طائفة.

ـ أكد المحللون والمختصون أنّ الجيش الصهيوني لا يعمل في خدمة بني سعود حتى ولو تكفلوا بدفع كلّ النفقات، فالجيش الصهيوني له حساباته وقراءاته للواقع والمجريات والنتائج، مع أنّ أية حرب واسعة في المنطقة لن يتمّ تحييد هذا العدو بسبب الإيمان الراسخ بأنه سبب كلّ مشاكل المنطقة المشرقية، وقد ينجرّ إلى الحرب التي لن تكون في صالحه بالمطلق، ولن يكون فيها منتصر، إنما الحروب بشكل عام تستنزف الثروات لصالح معامل السلاح وتدفع بالشعوب إلى الفقر والتشرّد، وهذا تدركه الشعوب أيضاً لكنها ليست صاحبة القرار، فالشعوب مغلوبة على أمرها وحكامها هم من ينهبون ثرواتها لصالح الأعداء فإذا ما تهدّدت مصالح هؤلاء الحكام، لحقوا بثرواتهم ولجأوا إلى الخارج وليكن الطوفان.

قد يعود سعد وقد لا يعود، لكن استمراره كرئيس لوزراء لبنان يعتبر استهتاراً بكرامة لبنان وشعبه، ولطالما كانت رئاسة الحكومة من نصيب الطائفة السنية، فإنّ هذه الطائفة لم تعدم الشخصيات الوطنية اللبنانية التي لا تدين بالولاء لغير لبنان، وترى أولويتها خدمة الشعب اللبناني، ومصلحة هذا الشعب تتجسّد في علاقاته بمحيطه وامتداده السوري وهذا مداه الحيوي وليس أسهل من التفاهم بين الحكومتين لتحقيق مصالح شعب ينقسم في دولتين ولسنا بحاجة للتذكير بأنّ العائلات هي ذاتها تتوزّع على الضفتين.

ml
المشاركة

اترك تعليق