يقوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بجَولةٍ في شرق آسيا شَمِلت حتى الآن كوريا الجنوبيّة والصين، والهَدف هو استعراض القوّة الأمريكيّة في مُواجهة الدّولة الصغيرة حَجمًا، الكبيرة إرادةً، التي اسمها كوريا الشماليّة.
الرئيس ترامب يَستخدم لُغة التّرهيب والتّرغيب، ويُريد مُمارسة ضُغوط على الصّين التي تَستحوذ على 90 بالمئة من حَجم التّبادل التّجاري الأمريكي من أجل تشديد العُقوبات على بيونغ يانغ لعلّها تتراجع عن أسلحتها النوويّة وصواريخها الباليستيّة، ولكن لا نَعتقد أن الصين ستتخلّى عن كوريا الشماليّة، أو أن المَزيد من العُقوبات والحِصار الاقتصادي سيَدفعها إلى رَفع الرّايات البيضاء.
عندما يَصف الرئيس ترامب كوريا الشماليّة بأنّها سجنٌ كبير، ونظامها بأنّه ديكتاتوري مُستبد، فإن هذا نوعًا من “المَديح” الذي يَطْرب له الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون، ويَزيد من قَناعته بأنّه يسير في الاتجاه الصّحيح وليس العَكس.
ترامب الذي أشار في خِطابه في سيول عاصمة كوريا الجنوبيّة إلى أن حاملات الطائرات الثلاث والمُعزّزة بعِدّة غوّاصات نوويّة تَتموضع في المَكان المُناسب في المِياه الإقليميّة الكوريّة، يتطلّع في الوَقت نَفسه إلى مُفاوضاتٍ مع بيونغ يانغ، وقال “أنّه يُريد السّلام من خِلال القوّة”، وحذّر الرئيس الكوري الشمالي بقَوله “إنّنا إدارة أمريكيّة مُختلفة.. لا تَختبرونا”.
هُناك مَثلٌ عربيٌّ يقول “الذي يُهدّد لا يُكبّر حَجره”، أي أن من يُريد أن يَضرب يُبادر فورًا ودون تردّد، وهذا هو حال الرئيس ترامب، مُجرّد “فَم كبير”، يُطلق التّهديدات مُنذ ستّة أشهر ضِد كوريا الشماليّة بينما يُقدّم لها العُروض والتّنازلات تحت الطّاولة دون أن يجد أيَّ استجابة.
كوريا الشماليّة “اختبرت” ترامب، وتَحدّته، وأجرت تجارب نوويّة وأُخرى لصواريخ باليستيّة يَصل مَداها إلى الأراضي الأمريكيّة، ومُجهّزة لحَمل رؤوسٍ نوويّة، فهَل هُناك اختبار أهم من هذا وأخطر؟
ترامب يُطلق التهديدات لابتزاز اليابان وكوريا الجنوبيّة، وإغراقهما في سِباق تَسليح بَيع مُفاعلاتٍ نوويّةٍ حربيّة، وأسلحة للبلدين، تمامًا مِثلما يَفعل مع السعوديّة ودُول الخليج، وبدأت اليابان في الوقوع في هذه المِصيدة، وكوريا الجنوبيّة في الطريق.
ترامب يَقوم بجولةٍ في شرق آسيا وعَينه على مِنطقة الشرق الأوسط، فكوريا الشماليّة لا تُهدّد إسرائيل، مِثل إيران و”حزب الله”، وسورية الجديدة، والعِراق الذي يَستعيد عافيته، ويَكتفي بالتّهديد والوعيد في تلك المِنطقة في الوَقت الذي يَعكف فيه على بِناء حلفٍ جديد لإشعال فَتيل الحَرب في لبنان واليمن، وربّما إيران أيضًا، لأنّه يُدرك جيّدًا أن تكاليف هذهِ الحَرب مَدفوعة مُقدّمًا من أرصدة الدّول العربيّة الخليجيّة.
إذا كان ترامب يتباهى بأن إدارته الحاليّة تَختلف عن الإدارات الأمريكيّة السّابقة، وهذا صحيح من حيث كَونها الأكثر تهوّرًا شكليًّا، فإن مِحور المُقاومة الآن هو غَيره قبل عَشرة أو عشرين عامًا أيضًا، فهو يَضم قِوىً إقليميّةً عُظمى مِثل إيران وتركيا وسورية والعراق، ونُضيف إليها “حزب الله”، وقادة هذهِ الدّول، أو مُعظمهم لا يَقلّون صلابةً وتَحدّيًا عن الزّعيم الكوري الشمالي كيم جونغ، أو هكذا نعتقد.
نصيحتنا للرئيس ترامب هو أن لا يَختبر هذا المِحور، وأن لا يَستمع إلى بنيامين نتنياهو وصِهره جاريد كوشنر.. لأنّه إذا استمع سَتكون النّتائج كارثيّة، لأن أمريكا وحُلفاءها سَيكونون من بين المُتضرّرين، إن لم يَكن أكثرهم تَضرّرًا.ml 
المشاركة

اترك تعليق