في نهاية المطاف، وبعد شهرين من الصراع بين الحكومة المركزية في العراق وإقليم شمال العراق بشأن إجراء استفتاء استقلال الاقليم ونتائجه، جمدت حكومة الإقليم نتائج الاستفتاء. وبعد اجراء الاستفتاء في يوم 25 من شهر سبتمبر، اثيرت ردود افعال واسعة من قبل اطراف محلية ودولية ضد الاستفتاء، مما أدى في نهاية المطاف إلى الأحداث التي جرت في كركوك.
في الواقع، ان وقوع اشتباكات ونزاعات بين القوات العراقية وقوات البيشمركة الكردية، سيزيد من احتمال نشوب نزاعات عسكرية طويلة الأجل بين الجانبين. وهذا الموضوع سبب بفرض ضغوط على مسعود البارزاني وتحميله مسؤولية هذه الخلافات. وبعبارة اخرى واوضح، فإن مع فشل خطة البارزاني بتقسيم العراق وقضم المناطق المتنازع عليها من الحكومة المركزية الى حكومة الاقليم، زادت الانتقادات الموجهة إليه بشكل غير مسبوق.
وكانت معظم هذه الانتقادات موجهة من قبل الأحزاب المعارضة في اقليم شمال العراق. في الواقع، ووفقا لهذه الأحزاب، فإن إصرار برزاني على إجراء استفتاء الاستقلال، ورفضه لأي وساطة داخلية وخارجية، وعدم التجاوب مع تحذيرات مراكز القوى في المنطقة والعالم، أدى إلى نشوب أزمة في إقليم كردستان، بحيث فقدت حكومة الاقليم، حقول النفط في كركوك والعوائد الناتجة من المطارات، وذلك خلال شهر واحد فقط.
وأهم هذه الاحزاب المعارضة حزب الجماعة الإسلامية، تحالف من أجل الديمقراطية والعدالة، وحزب التغيير (غوران). والواقع أن أحزاب المعارضة هذه دعت إلى تنحي البارزاني ونائبه من السلطة الأسبوع الماضي. كما دعت الأحزاب الكردية الثلاثة في بيان مشترك يوم الثلاثاء، إلى حل حكومة الاقليم التي يترأسها البارزاني ومنح صلاحياتها وفقا للدستور، للمؤسسات ذات الصلة.
المبادرات السياسية
وفي هذا السياق، تم اقتراح مبادرات سياسية عديدة لحل الأزمة في الاقليم، وأهمها مبادرة حركة التغيير “غوران”، حيث أعلن حزبي الجماعة الإسلامية وتحالف من أجل الديمقراطية والعدالة بقيادة برهم صالح، تأييدهم لهذا المقترح المكون من 5 بنود ووقوفهم الى جانبه.
وتضمنت هذه البنود الخمس، ضرورة الحفاظ على وجود الاقليم ووحدته، وحل رئاسة إقليم كردستان العراق وتشكيل “حكومة إنقاذ وطني” حيث يتم تحويل النظام الرئاسي القائم إلى نظام برلماني، والتعامل مع الأزمة بين الكرد والحكومة العراقية المركزية وتهدئة الاوضاع، وتقديم استقالة جماعية من الحكومة ومؤسسات الإقليم وعلى رأسهم البارزاني ونائبه بسبب “الإخفاقات العسكرية والسياسية” ونقل صلاحيات الاقليم، واخيراً، الاعتماد على برلمان الاقليم كمصدر للقرارات.
هذا واعلن برهم صالح، رئيس تحالف الديمقراطية والعدالة، إن الحكومة الانتقالية الجديدة يجب أن تكون قادرة على التغلب على المشاكل التي نشأت بعد استفتاء استقلال اقليم الشمال عن العراق وكسب ثقة الشعب الكردي. في الواقع، ستكون الحكومة الانتقالية مسؤولة عن التفاوض مع بغداد من خلال توحيد الكيانات والأحزاب الكردية. ومن جانب آخر، هنالك انباء عن موافقة 32 حزبا كرديا على إرسال وفد إلى بغداد للقاء مسؤولي الحكومة المركزية والتفاوض معهم.
ومن ناحية أخرى ونظرا الى المجريات الاخيرة التي طرأت بشكل خاص على الساحة الكردية، فقد اُجبر البرلمان الكردي على تأجيل الانتخابات المقبلة لمدة ثمانية أشهر. وكان مسعود حيدر، ممثل حركة التغيير، قد عرض سابقا مبادرة لحل الأزمة في برلمان الاقليم. وتنص مبادرته، بوجوب تجميد نتائج الاستفتاء من قبل الحكومة الكردية. كما أن الوجود العسكري لقوات الحكومة المركزية يجب أن ينتهي في المناطق المتنازع عليها وأن تتحمل قوات التحالف الدولي المسؤولية أمن هذه المناطق. كما تم وضع جدول زمني لحل مشاكل بغداد – أربيل وفقا لمبادرته.
ولكن فيما يتعلق بمدى امكانية تنفيذ هذه المبادرات وتطبيقها على ارض الواقع، نظرا للمناخ السياسي الحالي في الاقليم، يجب الاعتراف بأن محاولات بارزاني وحزب الديمقراطي الكردي باتهام الأحزاب الكردية الرئيسية الأخرى مثل الاتحاد الوطني وجوران بالخيانة، هو لبيان انهم القوة الكبرى والرئيسية على الساحة الكردية.
ومن ناحية أخرى، فإن قبول إلغاء نتائج الاستفتاء من قبل زعماء الحزب الديمقراطي ليس مرجحا بسبب انه لن يُرضي داعمي الحزب القوميين. لذلك، فإن النظرة المستقبلية للنظام السياسي في الاقليم، تشير الى استمرار الأزمة والفجوة الحاصلة بين الأحزاب الكردية، حيث ان فكرة تشكيل حكومة انقاذ وطنية هي نتيجة أخرى لهذه الفجوة.
وبناء على ذلك، أعلنت الحكومة الكردية يوم الخميس (24 اكتوبر) تجميد نتائج استفتاء الاستقلال (وليس الغائه) وأعلنت عن شروطها الثلاثة؛ وهي بدء المفاوضات مع الحكومة الاتحادية، ووقف إطلاق النار وتجميد نتائج الاستفتاء. وفي مقابل ذلك، اعلنت حكومة بغداد فورا انها تطالب بالغاء نتائج الاستفتاء بدلا من تجميده.
 كما أعلنت حكومة الاقليم عن شروط أخرى من بينها الحفاظ على وحدة البلاد والدستور، وسيطرة الحكومة الاتحادية على المعابر الحدودية والمطارات والموارد الطبيعية وقوات البيشمركة وقوات الأمن الكردية التي ينبغي النظر اليها بعين الاعتبار.
البارزاني وأزمة السلطة
قد أدت كل هذه العوامل إلى تعرض البارزاني لضغوط محلية ودولية شديدة. كما احتجت بعض الاطراف الكردية أيضا على تجاهل البارزاني لعواقب وتداعيات الاستفتاء، بالإضافة إلى عدم وجود دعم دولي له ومعارضة قوية من قبل بغداد على اجراءاته الغير قانونية. ويرى العديد من النقاد، أن ضعف البارزاني يكمن في عدم امتلاكه خطة بديلة، وعدم اهتمامه بالظروف الغير ملائمة في الاقليم، هو ما ادى إلى ظهور الأزمة الجديدة للشعب الكردي.
كما وصفت الأحزاب الكردية المُعارضة الأحداث الأخيرة في كركوك وبعض المناطق الأخرى، على انها فشل وكارثة سياسية وعسكرية كبيرة. ويلقي حزب التغيير باللوم على البارزاني في الأزمة الحاصلة الذي ادى الى انعدام الأمن ونشوب النزاع، اضافة الى دكتاتورية البارزاني وعدم تغليبه المصالح الوطنية على المصالح الشخصية التي ادت إلى عودة الاقليم إلى ظروف ما قبل عام 2003.
في الحقيقة، يواجه مسعود بارزاني أزمة في السلطة لأن الاطراف السياسية تعتبر اجراء الاستفتاء خطأ في حسابات البارزاني. ويزعمون إنه لم يملك أي وجهات نظر واقعية وناضجة حول السلطة السياسية والعسكرية لحكومة الاقليم، وان إجراء الاستفتاء هو لمجرد الحفاظ على كرسي الرئاسة واستعادة شرعيته المفقودة بين المواطنين الأكراد.
وفي السياق ذاته، ادعى مصدر كردي أن مسعود بارزاني وافق على تسليم صلاحياته إلى السلطتين التشريعية والتنفيذية في كردستان العراق بعد ضغوط داخلية وإقليمية. وقالت اشواق الجاف، زعيمة الحزب الديموقراطي الكردستاني في مقابلة مع صحيفة “بغداد اليوم”: في الاول من تشرين الثاني / نوفمبر، ستنتهي فترة ولاية برزاني، وقد اعلنها بصراحة انه لن يمدد ولايته”.
وعلى الرغم من أن فكرة التنحي من السلطة، لم يتم التطرق اليها من قبل سلوك البارزاني السياسي على مدى السنوات ال 12 الماضية، فإن الوضع الحالي قد قلص بشدة من قدرة برزاني على المناورة للبقاء في السلطة، الأمر الذي أدى سيمهد الطريق امام نيجيرفان بارزاني، ابن أخيه ورئيس الوزراء حكومة الاقليم وسيعود بالنفع عليه، بعد سيناريو تنحي مسعود من السلطة.
في الواقع، يحاول بارزاني التعويل على نيجيرفان لضمان نفوذه في الحكومة المستقبلية. ولكن يجب ان تؤخذ هذه الملاحظة بعين الاعتبار، وهي ان نواب الأحزاب المعارضة في برلمان كردستان، لا يختلفون فقط مع الحزب الديمقراطي حول كيفية انتخاب رئيس الحكومة وليس فقط مع رئاسة مسعود بارزاني، بل أيضا حول حدود صلاحيات رئيس الحكومة.
وبشكل عام، وكما هو متوقع، كشفت التطورات السياسية عن نقاط ضعف وأزمات إقليم شمال العراق، حيث حاول البارزاني تغطيتها باستخدام نفوذ القوميين الأكراد ودفعهم لكسب مصالحه، حيث اُجبر هو في نهاية المطاف أن يغادر السلطة. ml 
المشاركة

اترك تعليق