كنوز ميديا – الأكراد في سوريا مكون أساسي وفاعل ومؤثر في النسيج السوري وهم جزء لايتجزأ من هذا النسيج، ولكن الفوضى التي شهدتها بعض المناطق في سوريا والتي كان جزء كبير منها يجاور أماكن توزع الأكراد الجغرافي، دفعت بالأكراد للبحث عن طرق تحميها من جنون “داعش” وهمجيته وأساليبه القذرة، ودخلت بعدها سوريا في مرحلة صعبة جدا استغلها الأمريكي كعادته لصالحه إن لم نقل أنه كان شريكا في صناعتها، وأسس تحالفا غايته “محاربة داعش” وكان الكردي متلهفا في ذلك الوقت لتقديم العون له في محاربة التنظيم الإرهابي، لكنه لم يكن يعلم إلى أين يجره الإغواء الأمريكي الذي يبدو في ظاهر الأمر داعم أساسي لطموحاته وأهدافه في إنشاء فيدراليته الخاصة.
اليوم “داعش” خارج الرقة وبالتالي التواجد الأمريكي على الأراضي السورية هو تواجد غير شرعي، لكن الأمريكي لن يخرج خالي الوفاض مالم يأخذ حصة ما أو يرمي فتنة معينة لأسباب لسنا في إطار الحديث عنها الآن، ولكن ما يبدو لنا جليا أن الأكراد انجروا وراء الإغواء الأمريكي الذي يرافقه إغواء اسرائيلي قديم لمحاولة إبعاد الكردي عن الحضن السوري وخلق هوة وضغط على الجانبين السوري والتركي بما يتماشى مع الصالح الإسرائيلي.
الإغواء الإسرائيلي ليس سريا أو مخفيا فهو رغبة اسرائيلية بالدرجة الأولى كشف عنها “مركز أبحاث بيغن السادات للدراسات الاستراتيجية” التابع لجامعة “بارإيلان”، الذي قال “إن تل أبيب مطالبة بالمبادرة لتدشين تحالف وشراكة مع أكراد سوريا على غرار أكراد البارزاني في العراق”، وبالدرجة الثانية هو مطلب أمريكي، كون الأخير طالب بتشييد شراكة بين الرياض وواشنطن وتل أبيب مع الأكراد في سوريا، ويسعى الاسرائيلي من خلال جر الكردي إلى صفه لتحقيق امرین:
أولاً: تحجيم الدور التركي وإبعاده عن الحضن الأمريكي، والعمل على إقناعه باستغلال نفوذه مع الأكراد  وبناء قاعدة جوية تكون بديلة عن قاعدة “إنغرليك” التركية، التي يستخدمها سلاح الجو الأمريكي، وأسلحة الجو التابعة لدول حلف الناتو في العمليات العسكرية التي تنفذها في المنطقة.
ثانياً: التخفيف من فعالية محور المقاومة ومواجهته بكل الطرق الممكنة خاصة أنه بدأ بالإقتراب من إعلان نصر تاريخي على الجماعات الإرهابية في سوريا والعراق، وفي هذا الإطار يرى المركز الصهيوني أن وجود كردي نشط في سوريا سيساهم في إبعاد محور المقاومة الموجود في سوريا والمدعوم من إيران، لا سيما حزب الله عند الحدود مع إسرائيل.
ولكن في حقيقة الأمر هذا التحالف من الصعب تحقيقه نظرا لوجود رفض دولي واقليمي لمثل هكذا تحالفات، فضلا عن كون تركیا و إيران وسوريا لن تسمح بتمرير هذا التحالف وستكون له بمثابة سد منيع يمنع حدوثه تحت أي ظرف.
النشاط الكردي في الرقة
عشرة أيام مرت على إعلان تحرير الرقة من قبضة التنظيم الإرهابي “داعش” ولا تزال جميع الطرق غير سالكة لدخول سكان المدينة الأصليين، والسبب حواجز قوات سوريا الديمقراطية “قسد” والتي منعت المواطنين من العودة إلى منازلهم تحت أي ظرف.
عدة أسئلة تطرح حول هذا الموضوع، أولا: لماذا يتم منع مواطني الرقة والبالغ عددهم مايقارب الـ300000 مواطن من العودة إلى منازلهم إن كان هدف الأكراد تحرير المدينة من قبضة “داعش” وليس جعل المواطنين يترحمون على “داعش”، “الحجة أن قوات سوريا الديمقراطية لاتزال مستمرة بعمليات إزالة الألغام”، معنى هذا الأمر أن “قسد” تخاف على أرواح المواطنين، ولكن إن كانت كذلك لماذا تمنعهم بالقوة وتطلق عليهم النار، كما جرى يوم الخميس الفائت، عندما أطلقت النار على بعض أهالي حي المشلب الذين حاولوا الدخول إليه، ما أدى إلى إصابة 12 منهم بجروح، وفق مصادر محلية، أشارت إلى أنها المرة الثالثة التي يتظاهر فيها أهالي المشلب مطالبين بالعودة إلى بيوتهم وأراضيهم في الحي الذي خرج عن سيطرة تنظيم “داعش” منذ أكثر من 4 أشهر.
ولم تتوقف قوات سوريا الديمقراطية عند هذا الحد بل اعتقلت عدد من الشبان حالوا الدخول إلى الحي، وتقول المصادر أن هذا الحي بالتحديد خال من الألغام، لكن ما يؤسف أن المصادر تحدثت أيضا عن قيام عناصر هذه القوات بنهب البيوت والمحال التجارية، وفي هذا السياق، تحدثت وكالة “الأناضول” في تقرير لها، عن عمليات نهب منظمة تقوم بها “قوات سورية الديمقراطية” في مدينة الرقة منذ سيطرتها عليها منتصف الشهر الحالي. وقالت الوكالة إنه وإلى جانب الدمار، فإن أبواب البيوت وواجهات المحلات التجارية معظمها كانت مفتوحة وفارغة، ما يشير إلى تعرضها للنهب.
ربما يكون موضوع السرقة والنهب مؤلم ويشعرنا بالغصة خاصة أن أهالي الرقة تحديدا ذاقوا ما ذاقوه من وحشية “داعش” وإجرامه، وقام الأخير بتهجيرهم وتجويعهم وتنفيذ إعدامات جماعية بحقهم وإبعادهم عن بيوتهم التي على ما يبدو سيعودون إليها خالية من كل شيء، ولكن الموضوع الأهم حاليا أن هناك خوف من أن تكون قوات “سوريا الديمقراطية” تسعى لضم الرقة إلى النظام الفيدرالي الذي تروّج له شمالي سورية، خاصة أن السعودي والأمريكي والاسرائيلي يدعمون بهذا الاتجاه.
ويقول الناشط أبو محمد الرقاوي في هذا الإطار “ما يضاعف هذا الخوف هو أن بعض الأكراد بدأوا يروّجون لفكرة أن الرقة هي منطقة كردية في الأساس واسمها “روكا” هو كردي الأصل يعني “الشمس”، وبعضهم يقول إن اسمها “كالينيكوس” وكانت تقع ضمن حدود “الجزيرة الكردية”.
في الخلاصة، هذه المحاولات لن تصب في صالح الأكراد أولا وأخيرا، لأنهم سوريون بالدرجة الأولى وبالتالي التعدي على حقوق أبناء بلدهم لن يجدي نفعا لهم، خاصة أن نموذج كركوك وما جرى فيها ليس بالبعيد أن يتكرر في سوريا، وبالتالي الاصطياد بالماء العكر لن يحل قضية الأكراد ولن يوسع من سلطتهم ونخشى ما نخشاه أن يكونوا وقعوا في الفخ.
المشاركة

اترك تعليق