عادل الجبوري 
خلال أسابيع قلائل، قامت المملكة العربية السعودية بخطوات ومبادرات انفتاحية على العراق، بدت مفاجئة وسريعة، وكأن هناك شيئا قد فرض مثل هذا التحول الكبير.
ولعله من المفيد ان نستعرض بإيجاز، تلك الخطوات والمبادرات، لنتوقف عند الظروف والأجواء المحيطة بها.

العبادي في الرياض:معالجة المشاكل والقضايا الشائكة بين البلدين
ففي الثامن عشر من شهر تشرين الأول/اكتوبر الجاري، زار رئيس اركان الجيش العراقي الفريق أول ركن عثمان الغانمي الرياض على رأس وفد عسكري وأمني رفيع المستوى، بناء على دعوة وجهها له نظيره السعودي الفريق الركن عبد الرحمن بن صالح، حينما زار الأخير بغداد في تموز-يوليو الماضي.
وفي التاسع عشر من الشهر ذاته حطت أول طائرة سعودية تابعة لشركة “فلاي ناس” في مطار بغداد الدولي، على ضوء قرار الرياض استئناف الملاحة الجوية بين السعودية والعراق، بعد توقف دام أكثر من سبعة وعشرين عاما، وقبل ذلك أعلنت السلطات السعودية السماح لمواطنيها من أبناء الطائفة الشيعية بالتوجه مباشرة الى العراق لأداء مراسم زيارة أربعين الإمام الحسين عليه السلام.
ولأول مرة منذ سبعة وعشرين عاما، تشارك السعودية في معرض بغداد الدولي بنسخته الرابعة والاربعين بتمثيل كمي ونوعي لافت، كان على رأسه وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية السعودية خالد الفالح.
وقبل هذا وذاك، وردت تصريحات على لسان الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز ومسؤولين كبار في المملكة تدعم وتشدد على وحدة العراق.
وجاءت الدعوة الرسمية السعودية لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، وتشكيل مجلس التنسيق العراقي-السعودي لتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية، ومعالجة المشاكل والقضايا الشائكة بين البلدين.
وطبيعي أن مثل تلك المبادرات والخطوات تعكس في ظاهرها رغبة سعودية بفتح صفحة جديدة من العلاقات مع العراق، وهذا أمر إيجابي، إذا كانت النوايا صادقة والتوجهات صائبة. في الوقت ذاته، لا بد من الإحاطة بطبيعة الظروف والمناخات التي انطلقت منها تلك المبادرات والخطوات، والاستدلال فيما اذا كانت كافية، أم أن أمورًا أخرى ينبغي على الرياض إنجازها حتى يصبح الطريق سالكا وممهدا بالكامل لإغلاق صفحات الماضي، وإعادة المياه الى مجاريها.
وقد لا يصعب الى المراقب أن يرصد ويشخص الواقع الحالي الذي تعيشه السعودية على الصعيدين الخارجي والداخلي.
خارجيا، فانها-أي السعودية- منيت بخسائر وانكسارات كبيرة في كل الملفات التي اقحمت نفسها فيها، للوصول الى أهداف معينة تشترك فيها مع قوى اقليمية ودولية عديدة، وهذا واضح جدا في الملفات اليمني، والسوري، وحتى العراقي، وربما ملفات أخرى، فهي كانت تخطط للقضاء على حركة أنصار الله اليمنية وتنصيب نظام سياسي موال وتابع لها في صنعاء، وفشلت في ذلك فشلا ذريعا، وكانت تسعى جاهدة الى إقصاء بشار الأسد من السلطة في دمشق، وجاءت النتائج بعد ستة أعوام معاكسة تماما لما أرادت وخططت، ولم تكن أجنداتها مختلفة في العراق، من حيث الأهداف والمقدمات والنتائج. ناهيك عن أنها دخلت في صراع محتدم مع احدى شقيقاتها الخليجيات-قطر-ولها يد في جانب من الصراع في البحرين، وهي كانت –ومازالت-غير بعيدة عن اجواء الشحن والشد الطائفي التي تلقي بظلالها بين الفينة والأخرى على الساحة السياسية الكويتية.

مشاركة السعودية في معرض بغداد الدولي
أما داخليا، فإن الحراك السياسي في قمة هرم السلطة، والازاحات المتعاقبة لكثير من رؤوس العائلة الحاكمة، تعكس وجود حالة قلق واضطراب، قد تفضي الى اهتزازات عنيفة، لاسيما ما يتعلق بالشائعات التي تتحدث عن احتمال تولي محمد بن سلمان، الذي قفز الى القمة خلال فترة قياسية قصيرة، عرش المملكة خلفا لوالده سلمان (80 عاما)، الذي يعاني من مشاكل صحية كثيرة.
أضف إلى ذلك، فإن الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالعالم منذ ثلاثة أعوام، انعكست الى حد كبير على السعودية باعتبارها أحد أكبر منتجي النفط، الى جانب ذلك فإن تورطها في الحروب والصراعات العسكرية في اليمن وسوريا استنزاف الكثير من مواردها المالية، وهدد استقرارها الاقتصادي.
ولاشك أن تلك الظروف والأجواء الضاغطة، لا بد أن تجعل أصحاب القرار السياسي السعودي يفكرون في البحث عن مخارج لتخفيف الاحتقانات، وبالتالي تجنب التصدعات والاهتزازات التي يمكن أن تحصل، وقد يأتي التوجه السعودي “الإيجابي” نحو العراق كواحد من خيارات تخفيف الضغوط.
وللوهلة الاولى ثمة ما يبرر للفضاء السياسي والشعبي العراقي، عدم الثقة والتحمس للمبادرات والخطوات السعودية، لأن هناك ما يناقضها، ويأتي منسجما ومتوافقا الى حد بعيد مع المنهج السعودي الذي درجت عليه الرياض في التعامل مع العراق طيلة الأربعة عشر عاما المنصرمة.
فالسعودية مازالت تتبنى عبر وسائل إعلامها الرسمية وغير الرسمية، وكذلك من خلال منابرها السياسية خطابا معاديا واستفزازيا للعراق، خصوصا حينما تسيء الى بعض مفاصل المؤسسة الامنية العراقية، ولم تتغير حالة التطرف والتكفير لدى المؤسسة الدينية السعودية، فضلا عن ذلك فان الرياض، تحاول ان تستعيد عشرات الارهابيين السعوديين القابعين في السجون العراقية من دون ان تطرح سياقات واجراءات عملية مقنعة لمحاربة الارهاب، وكذلك تحمل مسؤولية الدمار والخراب المادي والبشري الذي لحق بالعراق بسبب دعمها للارهاب التكفيري، والتوقف عن استخدام العراق كميدان لتصفية الحسابات مع الاخرين.
ولا يمكن لاي كان ان يمر مرور الكرام على التصريحات السلبية التي اطلقها وزير الخارجية الاميركي ريكس تيلرسون من الرياض ضد الحشد الشعبي، في الوقت الذي كان العبادي يتواجد هناك على رأس وفد رفيع المستوى ضم عدد كبير من الوزراء والخبراء والمستشارين بشتى الاختصاصات.
اذا لم يكن من الصحيح ابتداء، غلق الابواب امام المبادرات والخطوات “الايجابية” السعودية تجاه العراق، فإنه من غير المنطقي التحمس كثيرا لها، دون الالتفات الى كل زوايا المشهد، وما فيه من وقائع وارقام وحقائق.
المشاركة

اترك تعليق