لا يمكن لأيّ عاقلٍ نكران أن أفضل مدة تعليم شهدها العراق هي مدة عقد السبعين من القرن الماضي، فلمن يعود الفضل ولمن يُحسَب ذلك الانجاز؟

أن أفضلية عقد السبعين على غيرها من التعليم العراقي لم تكن انجازا للبعثيين ولا للقوميين ولا للشيوعيين وإنما كانت ثمرة البناء الرصين في العراق الملكي فنتاج التعليم الحقيقي لا يظهر إلا بعد عدة سنين، فإذا كنتَ منصفًا عاقلًا عليكَ حساب سنين عُمر المعلم قبل دخوله المدرسة وكذلك سنين دراسته وسنين إعداده معلمًا، وبطرحها من عقد السبعين ستجد أن الأساس وأكثر من الأساس بالكثير كان كله في العهد الملكي؛ أي في زمن التعليم غير المجاني فمجانية التعليم هي الرتاج بمعناه العظيم لجميع أبواب الفساد والتخريب لا بمعناه المغلق.

أما مدة عقد الثمانين فكانت بداياتها أقل شأنا من عقد السبعين لكنها لم تكن بالمستوى السيء إلا أن في نهاياتها كانت سيئة وبعيدًا عن مجانية التعليم وسلبياته فقد أثرت الحرب العراقية الإيرانية على كلِّ مؤسسات الدولة ومفاصلها وعلى أفرادها وجموعها فكانت بداية دمار العراق وانحطاطه وهي التي جرته لكبرى المصائب حيث غزو الكويت.

مدة عقد التسعين تدهور التعليم كثيرًا لكن مجانية التعليم لم تكن وحدها السبب الرئيس فلقد كان للحصار الاقتصادي الذي فُرِض على العراق دورًا كبيرًا في ذلك التدهور وكذلك مظلومية المعلم في راتبه البخس في حين كانت تعطى رواتب عالية ومكافآت لأصناف من غير كدٍّ ولا تعب؛ الأمر الذي اضطر المعلم لترك وظيفته للعمل في اشغال شاقة لا تناسبه – كأعمال البناء مثلًا – لكن رغيف الخبز قد أجبره.

الأمر ذاته الذي بسببه اضطر الكثير من المعلمين لبيع الدرجات بعلب حليب “الكي كوز” لأجل أطفالهم الرضع. لكن كل تلك المظلومية لم تصل بالتعليم إلى مرحلة الانحطاط الكبرى التي يمر بها العراق منذ العام 2003 حتى عامنا هذا مع أن عامنا هذا 2017 قد شهد بداية ثورة علمية تنظيمية لوزارة التربية قادها وزيرها الصيدلي بدليل نسب النجاح المتدنية لكن الأمر لن يستمر طويلًا فأحزاب السلطة وبداوة المجتمع لا يروم لهم الأمر.

لقد عرفتُ السيد محمد إقبال الصيدلي رفيقًا طيبًا كريمًا ذا عدلٍ واخلاصٍ ومهارة؛ مع اختلافي معه في انتماءه الحزبي؛ وكنتُ كثيرًا ما أعتبُ عليه ذلك الانتماء بوجه وصراحةً دون لفٍّ أو دوران محاولًا تجريده من أي انتماء ليكون حزبًا لوحده مستقلًا بذاته. لم أفلحْ في اقناعه فبقينا رفقة وأصحابًا زمنًا طويلًا؛ أُواصِلُه ويواصلني حتى أصبح وزيرًا فهجرتُ مواصلته ولو شئتُ مواصلته فأنا واثقٌ أنه لن يخون ذلك الودّ القديم لكن ليس مثلي من يتودّدُ لولاةِ الأمرِ أو يصاحبهم. لكن مشكلة تدهور التعليم لا تكمن في رأس هرم القيادة فحسب وإنما هي فوضى الديمقراطية والاشتراكية وجلَّ ذلك يكمن في مجانية التعليم، فماذا سيحدث لو أُلغيتْ مجانية التعليم؟ ستعطى حصة كلِّ طالبٍ لولي أمره المباشر والتي تُقدر بحسب التصريحات الرسمية العراقية وبوجود التقشف الظاهر والتقشف المستتر وبوجود التقشف المشترك بينهما بنحو 1000 دولارًا امريكيًا سنويًا.

ستلغى رواتب المعلمين بشكلها الحالي ويصبح ولي أمر الطالب هو الذي يعطي للمعلم راتبًا، بالتالي سوف يطلب من المعلم انتاجًا حقيقيًا لا سوداويًا رديئًا مثلما هو سواد العفن، سيحاسبه عن تقصيره إذا ما قصر بشيء وبذلك سوف نتخلص بشكل كبير من المعلمينَ الحمقى، مما يجبر مدير المدرسة على المحاسبة الحقيقية بعيدًا عن المجاملات الاجتماعية وبعيدًا عن كلمة “خطية” التي هي بحق خطيئة كبرى وظلم للتلميذ نفسه وهو غير مدرك لها ولا ولي أمره، إذن فلا بدَّ من توعية تسبق أو ترافق إلغاء مجانية التعليم البئيسة، لكني وأنا أكتبُ هذه السطور تنبهتُ إلى أن الأمر سوف يستقيم لوحده بلا توعية أو بطيخ فالذي يُقدر العلم هو بالأساس لا يتوسط لولده وإنما يريده أن يتعلم بحق لا مجرد شهادة ينشرها على حائط “الفيس بوك” لسدِّ نقص اجتماعي. 

هكذا فئة بالذات ستكون من أكثر الداعمين لإلغاء المجانية لوضع حصة التعليم في جيوبهم دون تربية أو تعليم وهم أحرار في وضعها والبلد كذلك يحتاج إلى زبّال وإلى خبّاز وإلى حدّاد ونجّار وصبّاغ وسمّاك ومزارع وإلى سبّاك ولحّام مثلما هو بحاجة إلى مدلك ومدلكة وأنا واثق أن معظم هؤلاء سيبدعون كذلك في مهنهم هذه والتي ستكون الأنسب لهم والأكثر نفعًا.


عمر تحسين الحياني

المشاركة

اترك تعليق