المشاركة

2 تعليقات

  1. […] في هذه اللعبة بين الجماعة القومية والحكومة المركزية، إذا قرر قادة الجماعة القومية الإنفصال، فإنهم سيحاولون التأثير على قناعات مواطنيهم عبر “التأطير”، أي إعادة صياغة القضايا والأحداث بطريقة تدفع المتلقي للتصرف واستنتاج النتيجة التي يرغب فيها القائد السياسي. فبارازاني برر طرحه للإستفتاء بأن الحكومة المركزية تقوم بنفس ممارسات الحكومة السابقة، حيث شبه قطع نوري المالكي للأموال عن إقليم كردستان بأنها “أنفال أخرى” مشيرا لمذبحة الأنفال في عهد صدام حسين، كما أكد أنها لا تحترم الحكم الذاتي، وأشار ابن أخيه رئيس الحكومة في كردستان لتهديدات رئيس الوزراء العراقي بأنه تذكرهم بنظام البعث. وهذه التوصيفات لسياسات الحكومة المركزية قد لا تكون دقيقة بالضرورة، لكنها تبعث في وعي المتلقي ذكريات المجازر والحروب في السابق، وتهيئه لقبول الإستقلال. أما الطريقة المثلى التي يلجأ لها القادة عادة لتأطير آراء الناس وكسب تأييذهم بشكل علني للخيار الذي يريده القائد، فهي: الاستفتاء. لننظر لصياغة السؤال الذي طرح في استفتاء كردستان: “هل تريد إقليم كردستان والمناطق الكردية خارج إدارة الإقليم أن تكون دولة مستقلة؟“. والإجابة هي إما (نعم)، أو (لا). هذه الصياغة أرسلت رسائل متعددة للمصوّت الكردي تضمن أن تكون إجابة الأغلبية: نعم. فمن ناحية، الإجابة بـ(لا) تعني استمرار الوضع القائم، والتوقيت الذي أختارته النخبة السياسية الكردية، هو توقيت يعيش فيه العراق أسوأ أوضاعه السياسية والاقتصادية (حرب أهلية، طائفية، هيمنة دول خارجية، اقتصاد ضعيف، خدمات متدهورة…إلخ). كما أن هناك نقاشات كثيرة حول شكل الاستقلال داخل الأكراد، هل هو استقلال الإقليم نفسه، أم أيضا يشمل المناطق المتنازع عليها خارج الإقليم، والتي من بينها كركوك الغنيّة بالنفط (تنتج ٢٣٪ من إجمالي ما تنتجه كردستان من النفط)، ولهذا جاء السؤال شاملا هذه المناطق حتى يكسب الكثير من المترددين من مصير الدولة الجديدة الإقتصادي بدون كركوك. ولتوضيح أهمية التأطير هنا، لنتخيل لو أن السؤال صيغ بالشكل التالي: هل تؤيد استقلال إقليم كردستان الحالي أم البقاء في العراق بشروط تكفل استقلال الإقليم والحرية والحقوق الشخصية والحق باستغلال ثروات الإقليم الطبيعية؟  لو صيغ السؤال بهذه الطريقة، فإنه من المتوقع أن تكون النتيجة مخالفة للنتيجة الحالية، بحيث سيقل المرحبون بالإنفصال مع وجود الرفض الدولي ومؤشرات الحرب، مفضلين هذا الحكم الذاتي الإحتوائي المريح الذي يخلصهم من مشاكل كثيرة متعلقة بالإستقلال، كعدم وجود منفذ مائي. إن التأطير هنا ليس تلاعبا بالمشاعر أو تأجيج للمشاعر القومية، بل محاولة إقناع الفرد الكردي بأن من مصلحته القيام بهذا الفعل أو ذاك، ومثل أي فرد فإنه دوما بالإمكان إقناعه بالمصلحة المضادة إذا تم تسويقها بالشكل السليم، وهنا نجد إشكالية الحكومة المركزية العراقية التي لم تتوانى عن بث رسائل تساعد النخبة السياسية الكردية لتحقيق مرادها وإقناع الفرد الكردي بصحّة توقعها عن توجهات الحكومة الإستغلالية. فمن التصريحات المسيئة، كالتي أقرها رئيس الوزراء السابق حيث وصف الإنفصال بأنه “بناء لإسرائيل ثانية“، مرورا بقرارات الحكومة المركزية، كالمطالبة بتسليم إدارة المطارات للحكومة المركزية، والتهديد بالحظر الجوي، ومطالبة بعض نواب كتلة المجلس الأعلى بطرد النواب الأكراد الذين شاركوا في الإستفتاء من البرلمان، وتفويض البرلمان للحكومة باتخاذ الإجراءات لردع كردستان بما في ذلك القبض على بارازاني، بل إن كتائب حزب الله اعتبرت بارازاني هو “الوجه الآخر لأبي بكر البغدادي“. […]

اترك تعليق