كنوز ميديا – منذ عام 1991 أسس الأكراد إقليما متقدما في شمال العراق، وإثر الأنهيار السريع لداعش أحست السلطات الكردية بأن الفرصة قد حانت، فأعلنوا عن إجراء استفتاء حول الانفصال عن العراق، ولكن هل غفلوا عن تحدي الحصول على الاعتراف الأممي؟

في 9 تموز الجاري بارك رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي تحرير القوات الأمنية لمدينة الموصل، ورغم أن هذا الانتصار لا يعني نهاية داعش في العراق، إلا أن نفوذ التنظيم الإرهابي في سوريا والعراق قد انحسر بسرعة منذ تموز عام 2015، فخسر التنظيم قرابة 60% من الأراضي التي كان يسيطر عليها. وإثر هذا الانهيار السريع زال الخطر المشترك الذي كان يوحد القوى المحلية، الإقليمية والدولية التي كانت تقاتل معا ضد التنظيم، فطفت الخلافات بين هذه القوى إلى السطح مجددا.

وأعلن الأكراد أنهم سيجرون في 25 أيلول المقبل استفتاءً في المناطق الخاضعة لهم حول الانفصال عن العراق، ورغم الأوضاع المعقدة التي يعيشها عراق ما بعد داعش قد تفتح النافذة أمام الاكراد نحو فرصة تاريخية فريدة لتحقيق هدف الانفصال، إلا أنها في الوقت ذاته تضعهم أمام تحديات كبيرة أيضا. فمن أجل تحقيق الاستقلال يجب تجاوز 3 عوائق على وجه الخصوص، وهي: حل الأزمة الداخلية، الاتفاق مع بغداد حول المناطق المتنازع عليها الواقعة خارج الحدود الرسمية لكردستان والتي تسيطر عليها البيشمركة حاليا، وثالثا الحصول على الحد الأدنى من الدعم الأممي لمطلب الاستقلال.

وخلال العقود الماضية كان الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني –وهو رئيس إقليم كردستان من عام 2005- وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني هما الحزبان الرئيسيان في كردستان العراق. وغالبا ما شابت العلاقة بين الحزبين خلافات حول المصالح نتيجة للتنافس على السلطة والثروات، ولكن العلاقة بين الحزبين تغيرت إلى تعاون بعد الحرب الداخلية بينهما (1994-1998). وكان هذا الائتلاف نتيجة لتحفيز من قبل أمريكا وتركيا، رغم ذك يمر الإقليم حاليا بأزمة سياسية داخلية ولم يعقد برلمان كردستان أي جلسة منذ تشرين الأول 2015. وفي انتخابات 2013 تم كسر احتكار الحزبين للسلطة، حيث تعرض حزب الاتحاد الوطني الكردستاني لهزيمة كبيرة وحل ثالثا في الانتخابات بعد كل من الحزب الديمقراطي وحزب التغيير المنشق من حزب الاتحاد الوطني الكردستاني.

وشكل الحزب الديمقراطي الكردستاني حكومة ائتلافية ضمت الأحزاب الثلاثة، ولكنه طرد أعضاء حزب التغيير من الحكومة بعد الخلافات حول تمديد ولاية البارزاني. وفي عام 2016 اتحد الحزب الوطني الكردستاني مع حزب التغيير ضد الحزب الديمقراطي الكردستاني.

ويسعى الحزب الديمقراطي الكردستاني للمضي بالهدف المشترك من أجل التغلب على الخلافات مع الأحزاب الأخرى، وقد نجح في هذه المقاربة الى حد ما. في عام 2016 تصاعدت حدة الخلافات بين الأكراد حيال تصدير النفط إلى درجة أن الاتحاد الوطني الكردستاني اتجه للتفكير بتقسيم كردستان، ولكن أعضاء الحزب اجتمعوا مع الحزب الديمقراطي الكردستاني عدة مرات منذ نيسان 2017 للحوار حول موضوع الاستفتاء الانفصال، وقد يقود هذا إلى تجديد التعاون الثنائي الذي أسس كردستان العراق في سابق.

رغم ما مر فإن هناك أصوات في الاتحاد الوطني الكردستاني مثل حزب التغيير تنتقد إجراء الاستفتاء، مطالبة بإعادة تفعيل البرلمان قبل إجراء الإستفتاء، أما مسعود البارزاني الذي يقول خصومه أن ولايته قد أنتهت منذ عامين، فقد كشف عن عدم نيته الترشح في الانتخابات المقبلة في تشرين الثاني، وقد يساعد هذا في حل الأزمات السياسية الداخلية، حيث من المهم جدا أن تكون كردستان العراق موحدة في المنطقة التي تعتمد على الخلافات بين الأكراد من أجل اهمال نتيجة الاستفتاء.

وفي ظل الصراع المسلح ضد تنظيم داعش استطاع الأكراد التوسع بمناطق نفوذهم حتى 40 في المائة. وبعد أن سيطر الأكراد على هذه المناطق ومن ضمنها كركوك التي تعد مهمة جدا لقيام الدولة الكردية وبقائها، تحاول القوات الكردية الاحتفاظ بهذه المناطق من أجل ادراجها ضمن الاستفتاء. ولا تبدي بغداد موافقة تجاه مطالب الأكراد بالحصول على تعويض مقابل الخطوات التي أتخذوها ضد تنظيم داعش خاصة عندما يدور الأمر حول منطقة غنية مثل كركوك. ورغم أن للأكراد اليد العليا في هذا الشأن بالنظر إلى سيطرتهم المسبقة على هذه المناطق،  فإن لاتحادهم من أجل الدفاع عن هذا الموقع أهمية كبرى. ومنذ سيطرة الأكراد على كركوك عام 2014 دار جدال حول ثروات المحافظة بين أربيل وبغداد من جهة وبين الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني من جهة أخرى.

وأكد البارزاني أن جميع الخطوات الرامية إلى الإستقلال تتم ضمن إطار التفاوض مع الحكومة المركزية العراقية إلا أنه وفي ذات الوقت أكد على تطبيق نتيجة الاستفتاء مهما كانت. وفي عام 2005 أجري استفتاء غير رسمي في كردستان حيال الانفصال، صوت فيه 99% من المشاركين بالموافقة على استقلال الإقليم، ومن هذا المنطلق لن يواجه البارزاني مشكلة في الحصول على الدعم الشعبي لمطلب الاستقلال، ولكن للحصول على الدعم الخارجي قصة أخرى.

وحتى الآن لم يرحب أي بلد باستقلال كردستان سوى الكيان الصهيوني، ولا يمكن لكردستان المحاطة باليابسة من جميع الجهات أن تحافظ على استقلالها من دون دعم إقليمي. ورغم الدعم التركي لكردستان خلال العقد الماضي إلا أن تركيا لم تدعم استقلال كردستان حتى الآن. إذا اتجه العراق نحو التقسيم قد تفضل أنقرة أن تكون “دولة كردستان” المحمية تركيا حائلا بينها وبين الدولة الشيعية، لكن احتمال الاستقلال يبقى بعيدا. في النهاية إذا لعب الأكراد أوراقهم بالطريقة الصحيحة، فإن استفتاء الاستقلال قد يصبح أداة جيدة للمساومة مع الحكومة المركزية لضم مناطق جديدة غلى الأقليم على أقل تقدير، وتعزيز موقع الأكراد.

المشاركة

اترك تعليق