في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، حيث البؤس والشقاء، لما كنا نعيش اسوأ الايام، ونحن محاصرون اقتصادياً، وثقافياً، ومعنوياً، كنت شديد الحرص على التعلم والتنور، وما ان تم افتتاح المركز الثقافي الفرنسي في شارع ابو نواس في بغداد حتى قمت بالتسجيل في دوراته كي اتعلم اللغة الفرنسية واتعرف على اصدقاء جدد واخرج من قبضة الحصار الموحشة.

في المركز المذكور تعلمت الكثير من الاشياء.. منها ما طواه النسيان، ومنها ما احتفظت به ذاكرتي من مواقف، وابرزها يوم التقينا بشخصية فرنسية زارت المركز المذكور، قال لنا كلمات كنا نعتقدها غريبة!! وبعيدة عن الواقعية!! لكن على مايبدو انها تنطوي على حكمة وبعد نظر.
قال الرجل الفرنسي: “انني معجب جدا بالشعب العراقي، انتم الشعب الوحيد الذي يستطيع ان يتحدى اميركا.. ونحن الاوربيين نعجز عن ذلك”.

“انتم العرقيون لا يمكن ان تنافسوا اميركا او تتفوقوا عليها علمياً، او تكنولوجياً، او صناعياً هي تسبقكم باشواط كثيرة ولايمكن لكم حتى التفكير بذلك”، ثم يقول “الشيء الذي لاتعرفونه ايها العراقيون هو انكم تمتلكون عوامل تفوق لا تستطيع واشنطن ولا حتى اوروبا منافستكم عليها”
ولكن ماهي عوامل تفوقنا يكمل الرجل كلامه: ” شاهدت المئات من النساء الارامل يسكنّ في منازل اشقائهن بعد وفاة او مقتل ازواجهن في الحرب، وهذا امر غريب لدينا!!

ففي فرنسا عندما يموت الزوج لا تتمكن المرأة من السكن عند اخيها اكثر من اسبوع!! واذا تجاوزت هذه المدة يمكن لاخيها ان يقوم باخراجها من المنزل”
“لديكم شاهدت الناس تتزاحم على المستشفيات لزيارة اقاربهم واصدقائهم المرضى الراقدين فيها حتى وان كانت امراضهم معدية.. تعبيراً عن التماسك الاجتماعي، في فرنسا لا احد يزور المريض حتى يتماثل للشفاء”
“انتم العراقيون متفوقون علينا بقيمكم الاجتماعية بتماسككم الاجتماعي واعداؤكم سيحالون ضرب هذا التماسك ليسهل لهم تدمير مجتمعكم قبل دولتكم”
“اذا اردتم النصر على اعدائكم تمسكوا وحافظوا على قيمكم الاجتماعية التي تثير اعجابنا وربما نحسدكم عليها”
هذه السطور مازالت تعيش في ذاكرتي وبرغم انها لم تكن ذات تأثير في وقتها، وعدّتها نوعاً من المجاملة ،حتى اني لم اسأل عن شخصية وهوية الرجل الفرنسي الذي زار المركز وحدثنا بهذه التصورات،

لكن كنت مخطئًا على مايبدو …فمن الواضح انها قراءة ذكية واعية للواقع والمستقبل واصل الصراعات في العالم والمنطقة.
بالامس كنا لانحب الموظف المرتشي ولا المختلس واليوم نعد الرشوة والاختلاس من مقومات النجاح ، بالامس كان لدينا شيء من الايثار والاخلاص والامانة واليوم من يتحلى بهذه الصفاة لاينتمي الى زماننا، بالامس ننبذ الاناني والانتهازي والوصولي واليوم كلنا انانيون وانتهازيون ووصوليون.

بالامس كان الجميع يؤمن بالمبدأ العراقي (الحرمة وداعت الخيٍر) وكان الجميع يساعد المراة ويحترم خصوصيتها ويرفق بها، واليوم اصبحت كل مراة (سبية) و(جارية) و(ملك يمين) في نظر اكثر الرجال المحترمين وغير المحترمين سواء كانت موظفة تحت رحمة مدير داعر او باحثة عن وظيفة لدى سماسرة انذال بثياب مسؤولين.

لاصدق في الانسان العراقي، واليوم تستعمل العواطف للاستغلال والابتذال، الاغاني كانت تعبر عن مشاعر الشوق والحنين والحب البريء ، صارت اليوم تعبر عن الدعارة الرخيصة، ومحاكاة الغرائز والمتاجرة بالمرأة جسداً.
الامس بجراحه وخطاياه مسح معه تقاليد طيبة ماتت، ومابقي منها الا التقاليد السيئة التي يحاول اعادة اجترارها وتزويغها شيوخ عشائر مصطنعون، ورجال دين مزيفون، وعاهرات يتغنين بالعفة المستوردة، لا اطيل عليكم فالحديث يطول، لكني اقول علينا ان نعترف، بحقيقة ستظهر مهما حاولنا ان نخفيها هي (اننا مجتمع مهزوم).
عباس عبود سالم

المشاركة

اترك تعليق