بقلم : ماهر خليل

بات من المؤكد أن قراراً أمريكياً قد اتُخذ للتدخل عسكرياً في سوريا، بعد سلسلة فشل أو “هزائم” منيت بها إدارة دونالد ترامب وحلفائها الخليجيين، في ضبط إيقاع الميدان السوري لصالحهم، وخسارتهم التحدي أمام الجيش العربي السوري في منعه من الوصول إلى الحدود العراقية، وشق طريقه باتجاه دير الزور المحاصرة، أو حتى المفاجأة الكبرى في دخول الوحدات العسكرية الخاصرة الغربية والجنوبية لمدينة الرقة، معقل تنظيم “داعش” وعاصمة خلافته، ومركز الولايات المتحدة في إدارة معارك التنظيم في سوريا والعراق. ففي الوقت الذي كانت واشنطن ومعها بريطانيا تتحصن في “التنف”، نفذ الجيش العربي السوري مع حلفائه التفافين ناجحين شمال المعبر الاستراتيجي، ووصلا إلى الحدود مع العراق، ليلتقي بعدها جيش البلدين ويهمّان في تحصين مكاسبهما دون الالتفاف إلى تهديد ووعيد دونالد ترامب ولا حلفائه، ما أثار الجنون الأمريكي الذي وعبر تصريحات البيت الأبيض، يبدو أنه اتخذ قراره بتصعيد الأزمة السورية عندما ألمح إلى تنفيذ ضربة كيميائية على غرار “خان شيخون” بريف إدلب، واتهام الدولة السورية بها، متوعداً أنه في حال “حدثت”، فإن الولايات المتحدة ستوجه ضربة عس

صحيح أن “الحنق” الأمريكي بدأ مع وصول القوات السورية إلى الحدود مع العراق، وبدء الحشد الشعبي العراقي بتحصين الحدود من جهته مع توسيع رقعة سيطرته لتصبح شبه كاملة على الحدود السورية – العراقية، إلّا ان الجنون الأمريكي فاق حدّه مع أول يوم في عيد الفطر السعيد، عندما استفاق البيت الأبيض على خبر صلاة الرئيس السوري بشار الأسد في مدينة حماة، المدينة التي طالما بنت واشنطن آمالها “لأسباب طائفية” عليها في الحفاظ على الحراك “الثوري” في سورية، أو على الأقل تبقى “التهديد” الجدّي للنظام الحاكم في سوريا حتى لو تمكن “النظام” من القضاء على كافة الفصائل المسلحة في سوريا، فالولايات المتحدة مازالت تعتبر أن مدينة حماة، هي معقل “تنظيم الإخوان المسلمين” الإرهابي في سوريا، وبالتالي هي تحاول منذ فترة ليست ببعيدة أن تُشرك هذا التنظيم الدموي في الحل السياسي “المستقبلي” في سوريا، من خلال “شرعنته” ورفضها إدراجه على قائمة التنظيمات الإرهابية بالرغم من مطالبة حلفائها “السعودية ومصر” بذلك.

فدخول الرئيس الأسد مدينة حماة “سيراً على الأقدام” وسط ترحيب شعبي رصدته الكاميرات بدقة متناهية، دفعت الولايات المتحدة لإعادة قراءتها لشعبية الأسد، بعد سبع سنوات من الحرب التي كان هدفها الأول والأخير هو “شيطنة شخص بشار الأسد” قبل “إسقاطه”، إلا أن ما حصل، هو عكس التقديرات الأمريكية، حيث عاد الرئيس بشار الأسد إلى حياته الطبيعية أي إلى ما قبل 2011، وعاد ليتجول “وحيداً” تارةً في شوارع العاصمة، وتارةً أخرى في محافظات أخرى على غرار ما حصل في حماة، إلا أن الألم الأكبر الذي شعرت به الولايات المتحدة بتقديرنا، هي الجولة الموسعة للرئيس الأسد مع عائلته في أرياف حماة، هذا القطاع الذي كان ساحة حرب قاسية قبل أشهر قليلة، فتجول الأسد مع عائلته في تلك القرى الفقيرة ومرّ على جرحاها من رجال الجيش العربي السوري مطمئناً عليهم، دون جيش من المرافقين كما نشاهد عادةً عندما يتحرك زعماء ورؤساء دول عربية وغربية. جلس معهم وأكل من أكلهم، وشاركهم بساطتهم، فاستقبلوه بحفاوة وتعاملوا معه على أنه جزء لا يتجزأ منهم، هذا من جهة.

من جهة أخرى، وصول الرئيس السوري إلى قاعدة حميميم، هذه القاعدة التي تشكل “فوبيا” حقيقية للولايات المتحدة، فتجول بها وجرّب بيديه ما استطاع من أسلحة وأشرف بهدوء على غرفة العمليات، وسط ترحيب واحترام من قبل الجنرالات والجنود الروس في القاعدة الجوية، ما أظهر خلاف ما حاول جيوش الإعلام تسويقه على أن القاعدة باتت خارج سيطرة الدولة السورية، وأن الرئيس الأسد “لا يمون على حرّاسها” أمام التواجد الروسي العسكري فيها.

زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى مدينة حماة وريفها ومن ثم قاعدة حميميم، حملت معها عدّة رسائل انقسمت بين “الحرب” و”السلام”، فالرئيس الشاب أراد من زيارة حماة أن يفهم جميع السوريين أولاً ومن ثم من هم خارج الحدود من غير السوريين، أن سورية ستعود كما كانت قبل حربكم الدموية علينا، ستكون واحدة موحدة أرضاً وشعباً، وسأقود شخصياً “أي الرئيس الأسد” هذه المعركة لضمان عدم تقسيمكم لها..  وهي كانت دعوة للاجئين للعودة إلى بلادهم بعد أن توسعت رقعة الأمان فيها .. بشكل مباشر.

أما رسالة حميميم، التي ترافقت مع التهديدات الأمريكية والتلميحات بإعادة سيناريو “كيماوي خان شيخون”، فيعتقد المراقبين أنه في حال نفذت الولايات المتحدة أي اعتداء على قوات الجيش العربي السوري أوّلاً، وعلى أي بقعة على الأراضي السوري ثانياً، فإن الرد سيكون من حميميم ولن يمر الاعتداء مرور الكرام، وهو ما قاله الكرملين صراحةً ظهر أمس الثلاثاء.

تحدثت وسائل إعلام غربية وأمريكية تحديداً يوم الاثنين، عن تجوال الرئيس الأسد مع عائلته في قرى تعتبر  خطوط قريبة للاشتباك، بدون أي وسائل حماية، وتحدّثت أيضاً كيف اهتم مع عائلته بكل تفاصيل عادات وتقاليد هذه المناطق، ابتداءاً من خلع حذائه خارج كل منزل يدخله، ومن ثم الجلوس على الأرض معهم أو بجوار الجريح على سريره …. الخ، في وقت كان البيت الأبيض يزبد ويرعد ويهدد باعتداء عسكري، ما يدل على أن الرئيس بشار الأسد “قتل الحُلم الأمريكي” دون أن يطلق عليه رصاصة واحدة، فمجرد أن يرى الأعداء هذه الشعبية التي تطوّق الرئيس أينما وجد، ستدفعه للتصرف بجنون، وهنا لا بد من أن نستذكر ما قاله الرئيس الراحل حافظ الأسد في وصيّته للسوريين: “عليكم بالصمت و الصبر.. لأنهما يجعلان العدو في حالة ارتباك دائمة.. منتظراَ ردود أفعالكم.. وكلما صبرتم وصمتم أكثر مع امتلاككم القوة الكاملة.. سيزداد غيظ وقلق العدو.. مما سيجعله يتصرف بحماقة.. وعند هذه النقطة ستكون بشائر النصر قد ظهرت”.. وعلى ما يبدو أنها بدأت بالظهور.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here