مع ظهور بوادر نهاية تنظيم “داعش” الإرهابي في عموم منطقة الشرق الأوسط بفضل الانتصارات الكبيرة التي حققتها القوات العراقية والسورية وقوات الدول الحليفة لها لاسيّما إيران وروسيا ومحور المقاومة، بدأت التساؤلات تثار بشأن مستقبل المنطقة بعد هزيمة هذا التنظيم الذي ارتكب جرائم بشعة بهدف السيطرة على مناطق واسعة في العراق وسوريا.

 

قبل الدخول في تفاصيل هذا الموضوع لابدّ من الإشارة إلى أن تنظيم “داعش” وعلى الرغم من الهزائم المنكرة التي مني بها لازال يمتلك وسائل لتنفيذ المزيد من الجرائم بسبب وجود خلايا نائمة حاضنة له في العديد من البلدان، بالإضافة إلى الدعم الذي لازال يتلقاه من دول إقليمية في مقدمتها السعودية، إلى جانب وجود أرضية خصبة لدى الكثير من أنصار هذا التنظيم لمواصلة هذه الجرائم اعتماداً على أيديولوجية متطرفة ومنحرفة تدفع بهم إلى تنفيذ العمليات الانتحارية بالأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة.

 

ومع الأخذ بنظر الاعتبار تقاطع الأهداف والاستراتيجيات بين الدول الداعمة للإرهاب من جهة، والدول والقوى الشعبية التي تحاربه من جهة أخرى، يبدو أن الصراع سيستمر في المنطقة حتى بعد زوال “داعش” لوجود أسباب متعددة يمكن إجمالها على النحو التالي:

 

– لازال العديد من الحكومات التي تحارب “داعش” لا يمتلك الثبات والاستقرار اللازم الذي يمكنه من بسط سيطرته على جميع مناطق البلاد كما هو الحال في سوريا والعراق بسبب وجود أطراف داخلية وإقليمية ودولية متعددة يمكنها التأثير على مجريات الأحداث الميدانية والسياسية في هذه البلدان.

 

– وفّرت العمليات الإرهابية التي نفذتها وتنفذها الجماعات التكفيرية والمتطرفة في المنطقة السبيل لتدخل قوى أجنبية في مقدمتها أمريكا في شؤون العديد من دول الشرق الأوسط، وهذا الأمر قد ساهم في توسيع رقعة الصراع في عموم المنطقة.

 

– نجاح إيران وروسيا وقوى المقاومة في تحقيق انتصارات باهرة على الجماعات الإرهابية، الأمر الذي اعتبرته الدول الداعمة للإرهاب وفي مقدمتها السعودية على أنه يمثل نصراً استراتيجياً لإيران التي باتت الأطراف المعادية لها تزعم بأنها تمثل العدو الأول للمنطقة وليس الكيان الإسرائيلي، وهو ما صبّ في مصلحة هذا الكيان الذي استثمر انشغال المنطقة بأزمة الإرهاب لتنفيذ سياساته التوسعية سواء من خلال تشديد القمع ضد الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة أو من خلال مدّ جسور التطبيع مع بعض الدول العربية وعلى رأسها السعودية وبلدان أخرى في مجلس التعاون.

 

وكنتيجة طبيعية لهذا التقاطع في الأهداف والاستراتيجيات بين أطراف الصراع في المنطقة تعقدت أزمة الإرهاب إلى درجة بات الكثير من المراقبين يعتقد بأنها ستستمر حتى بعد هزيمة “داعش” ميدانياً خصوصاً وأن هذا التنظيم سعى لنقل عملياته إلى دول أخرى بينها اليمن الذي يتعرض لعدوان سعودي غاشم منذ آذار/مارس 2015 وحتى الآن، والذي أودى بحياة الآلاف من الأبرياء وتدمير البنى التحتية لهذا البلد.

 

وينبغي الإشارة إلى أن أزمة الإرهاب في المنطقة قد غطّت على الكثير من المآسي التي تتعرض لها العديد من شعوب المنطقة لاسيّما في البحرين نتيجة قمع نظام آل خليفة للثورة السلمية في هذا البلد. كما غطّت هذه الأزمة على الإجراءات التي يتخذها الكيان الإسرائيلي لمواصلة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة والسعي لتهويد الأماكن المقدسة لاسيّما في القدس الشريف وتحديداً المسجد الأقصى المبارك.

 

من خلال هذه المعطيات يبدو أن أزمة الإرهاب سوف لن تنتهي في المستقبل القريب طالما كانت هناك أطراف مستفيدة من هذه الظاهرة الخطرة وفي مقدمتها الكيان الإسرائيلي وأمريكا التي وظّفت هذه الأزمة لتحقيق مآربها من خلال عقد صفقات ضخمة لبيع الأسلحة إلى الدول السائرة في ركبها خصوصاً السعودية كما حصل خلال زيارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” لها قبل أكثر من شهر تحت ذريعة مواجهة نفوذ إيران في المنقطة أو ما بات يعرف بـ”إيران فوبيا”.

 

هذه الحقائق وغيرها تحتم على الدول والقوى التي تسعى للقضاء على الإرهاب بشكل نهائي وفي مقدمتها إيران وروسيا والعراق وسوريا ومحور المقاومة التنسيق والتعاون التام فيما بينها في كافة المجالات السياسية والميدانية والإعلامية وفضح مشاريع أمريكا والدول الحليفة لها التي تسعى لصبّ الزيت على النار من خلال التدخل بشؤون الدول التي تحارب الإرهاب تارة وبتقديم الدعم أو غضّ الطرف عن الجماعات الإرهابية التي تستمد وجودها واستمرارها من هذا الدعم تارة أخرى، وإلاّ فإن الإرهاب لن يزول عمّا قريب دون مضاعفة الجهود الرامية إلى اقتلاعه من جذوره لإعادة الأمن والاستقرار لعموم المنطقة.

المصدر / الوقت 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here