كنوز ميديا – يبدو أن حظ اللبنانيين كان جيدا هذه المرة حيث تمكنوا من تمرير قانون مرضٍ للانتخابات النيابية المقبلة قبل وقوع الكارثة.

فبعد انتخاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بقرار وطني وتشكيل حكومة الرئيس سعد الحريري الحالية كانت المعلومات تشير وتؤكد إلى وجود فرصة ذهبية أمام السياسيين في لبنان للتمتع لأول مرة بحرية اتخاذ القرار المناسب لجهة قانون الانتخاب وبعض القرارات المصيرية الأخرى. أما سبب هذه الحرية المفاجئة فتعود لانشغال المجتمع الدولي إضافة إلى الدول الإقليمية بملفاتها الخاصة وترك لبنان ومشاكله للبنانيين أنفسهم.

ولكن يبدو أن جرعة حرية القرار بالنسبة لبعض الأطراف الداخلية اللبنانية قد انتهت بمجرد تنصيب محمد بن سلمان وليا للعهد في السعودية. فما الذي في جعبة بن سلمان للبنان وما المتغيرات التي بدأت تشهدها هذه الساحة؟

فاجأ تيار المستقبل بالأمس اللبنانيين ببيان شديد اللهجة بحق إيران، بيان قد يكون عنوانه إدانة العمل الإرهابي الذي حاول استهداف المسجد الحرام في مكة الكرمة ولكن مضمونه البارز هو الهجوم اللاذع على الجمهورية الإسلامية على اعتبارها عدوة العرب والمسلمين، طبعا من قرأ البيان يُدرك جيدا السبب وراء هذا الحديث وفي هذا التوقيت. فالأكيد أن هذا الحديث اتجاه إيران إنما أتى بسبب التغييرات الجديدة في هرم الحكم داخل السعودية، وقد أشار البيان صراحة إلى سياسة الحزم السعودية التي يتزعمها سلمان وابنه الذي وصفه بيان المستقبل بولي العهد الأمين.

إذا عُرف السبب فبطل العجب، فبعد سنوات من اتباع تيار المستقبل سياسة التعقل والوسطية فيما يخص الملفات الشائكة في المنطقة، وعلى الرغم من وقوفه إلى جانب السعودية سعى التيار لأن يكون حذرا ودقيقا في خطاباته اتجاه إيران. طبعا تاريخيا وبالعودة إلى سيرة الرئيس رفيق الحريري ستجد مديحا وثناءً على إيران وتقاربا في الرؤى رغم الخلافات التي كانت تطبع بعض المواقف بخصوص بعض الملفات. كل هذا يؤكد ارتباط موقف تيار المستقبل بشكل كامل مع الموقف والسياسة السعوديين.

إذا وبعد الكثير من الصراخ الإعلامي الذي طالب فيه تيار المستقبل باتخاذ موقف حيادي من القضايا الإقليمية، وعلى أعتاب عيد الفطر المبارك قاموا بنسف كل ما طالبوا فيه من خلال الموقف المتشدد والذي لا يترك مجالا للمناورة اتجاه دولة مسلمة لطالما وقفت إلى جانب لبنان في كل الملمات وساعدت شعبه ومقاومته في كسر الإرادة الإسرائيلية التي كانت تنوي تدمير لبنان وقتل شعبه.

وحول حيثيات البيان، من الجيد الإشارة إلى مسألة مهمة جدا تتعلق بعزل محمد بن نايف الذي كان يقض مضجع سعد الحريري زعيم تيار المستقبل، فبن نايف ولمدة طويلة كان يمسك بالملف اللبناني وخاصة الجانب الأمني. وبن نايف كان معروفا بتوجهاته المعتدلة اتجاه إيران. هذا الأمر أثر كثيرا في موقف المستقبل في تلك الفترة. أما اليوم وقد تنفس الحريري الصعداء بعد تنحية بن نايف الذي وصف الحريري بالسفاح، وفق وثائق ويكيليكس، فهو يتأمل ويبني الكثير من الأحلام وخاصة الاقتصادية على تسلم محمد بن سلمان زمام السلطة بشكل كامل في السعودية.

الحريري اليوم يجد الفرصة مؤاتية لاستعادة موقعه الاقتصادي في السعودية، وهو يفكر منذ شهور بكيفية إعادة موظفي شركة  “سعودي أوجيه” التي كان قد أسسها والده في أواخر القرن الماضي في السعودية إلى نشاطها السابق. فهذه الشركة مهددة بالإفلاس بسبب الديون المتراكمة عليها. الحريري اليوم يغازل بن سلمان من خلال شعارات تطرب ذلك المراهق المتهور المتعطش للحرب والدمار، على أمل أن ينتشله من أزمته الاقتصادية التي باتت بحاجة إلى حل لا أحد يملك مفتاحه اليوم بنظر الحريري سوى ابن سلمان.

طبعا أشارت تقارير إعلامية في وقت سابق إلى أن الحريري كان ينتظر بفارغ الصبر تغييرات محتملة في السعودية تساعده على الخروج من ورطته، وقد صدقت هذه التوقعات بالتغييرات فهل سيصدق تفاؤله بأن يكون بن سلمان هو مخلصه من مأزقه الذي ورط نفسه فيه؟.

المسألة الأخرى التي يجب أخذها بعين الاعتبار، هي سياسة محمد بن سلمان المتهورة حيث دخل في حرب على اليمن منذ أكثر من عامين ولم يحقق أي من أهدافه إلا أنه لا زال مصرا على المضي قدما في سياسته  التدميرية. كما أن الأزمة الأخيرة مع قطر تؤكد أنه شخصية متعطشة للسلطة والحرب دون مراعاة أي منطق عقلاني. هذا الشاب المتهور يتبع سياسة كل من ليس معنا فهو ضدنا، حيث يريد من جميع حلفائه وأتباعه إعلان دعمهم له كل حسب حجمه، وهذا الأمر كان واضحا في الأزمة مع قطر حيث ضغطوا بكافة الطرق لاستصدار مواقف مؤيدة لهم من دول يعتبرونها تابعة لمساعداتهم الاقتصادية.

في الملف اللبناني يبقى الخوف من أن لا يكتفي بن سلمان بالتأييد المستقبلي له إعلاميا وسياسيا، فيطلب منهم أكثر مما يطيقون ويتحملون. ومن المؤكد أنه إذا أراد ممارسة ضغوط وابتزاز على تيار المستقبل فإنه سيستخدم ورقة “سعودي أوجيه”، وهي الورقة التي ستكون كفيلة بإخضاع سعد الحريري وخروجه عن العقلانية السياسية التي يحاول اتباعها.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here