كنوز ميديا/ متابعة

قالت صحيفة الغارديان البريطانية في مقال لها: إن المدن الهادئة الجميلة والتلال المغطاة بكروم العنب في جنوب غرب فرنسا هي اليوم في وضع غير محتمل والشعب هناك لا يفصله عن تشكيل انتفاضة حقیقیة شيء ولكن وقبل أيام قليلة من الانتخابات الرئاسية، فإن المحادثات مع سكان هذه المنطقة اليسارية، التي تمتد من مدينة تولوز إلى المناطق الريفية في تارن-إت-غارون، تقدم لمحة عن مزاج فرنسا الذي يسوده الغضب والارتباك، وقد مهد الاستياء الشعبي لتشكيل اضطراب سياسي كبير، بعدما يقارب من 60 عاماً من تأسيس ديغول الجمهورية الخامسة للبلاد.

وقالت الغارديان: إن فرنسا هي شبه جمهورية ترتكز مؤسساتها على الرئيس، ولكن ما هو على المحك في هذا التصويت ليس مجرد اختيار شخصية، ولا مجرد برنامج اقتصادي أو سياسي، وإنما جوهر الديمقراطية الفرنسية، فضلاً عن بقاء المشروع الأوروبي البالغ من الزمن 60 عاماً، فالكثير مما يجري الآن يشبه الاتجاهات التي أنتجت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في بريطانيا فلا يوجد اليوم عناصر محددة ومميزة لأزمة الهوية الفرنسية، ففي مدينة مواساك، وصف طبيب في الخمسينات من عمره الحالة المزاجية للشعب الفرنسي على هذا النحو: “نحن نشهد تطوراً هائلاً، وقد يصبح ثورة، وقال أحد أصحاب المتاجر في منتوبان، وهي بلدة تقع على بعد 30 ميلاً إلى الشمال من تولوز، “إن الناس يعيشون حالة من الارتباك، فكثيرون لا يعرفون حتى الآن كيف يصوتون، ولكن تأكد أن الأشياء لا يمكن أن تستمر هكذا “.

وقالت الصحيفة: إن الفرنسيين مشهورون بانقسامهم، حين قال ديغول “كيف يمكن حكم بلد ينتج 246 نوعاً من الجبن؟ وقد أظهرت الدراسات الاستقصائية أن الفرنسيين أكثر تشاؤماً من العراقيين أو الأفغان، ومن الصعب أن نضع هذا في مستوى المعيشة في خامس أكبر بلد اقتصادي في العالم، وهو بلد يتمتع بحماية اجتماعية عالية وبنية تحتية متطورة، حيث عرف هذا البلد 70 عاماً من السلام، ولكن هذه الأوقات التي تمر بها فرنسا هي صعبة للغاية.

واستطردت الغارديان: لقد عززت الفضائح التي يمر بها المرشحون الفرنسيون رفض الناخبين للطبقة السياسية، حيث قالت الغارديان نقلاً عن بعض المواطنين الفرنسيين: “إنهم جميعاً فاسدون”، “لقد استغرقنا وقتاً طويلاً لكي يتم إذلالنا”، “لا يمكننا أن نصدقهم أكثر” فلقد ازدادت حدة الاشمئزاز منذ أن بدأت سلسلة من الفضائح المالية  بالظهور حول اثنين من المرشحين الرئاسيين: فرانسوا فيون منافس التيار اليميني، الذي دفع لأفراد عائلته مبالغ كبيرة من الأموال البرلمانية، ومارين لوبين الزعيم اليميني المتطرف، المتهم بسوء استخدام أموال الاتحاد الأوروبي،  لكن ما يثير الدهشة هو أن الناخبين الغاضبين لا يكادون يميزون بين المرشحين: فالطبقة السياسية بأكملها مشغولة بشراء بذلات جميلة، وفي الوقت نفسه، هناك مواطنون فرنسيون ينامون في سيارتهم لأنهم لا يستطيعون العثور على عمل أو سكن بأسعار معقولة.

وتابعت الصحيفة: لقد أثر الكذب والفساد على السياسة الفرنسية من قبل، ففي الثمانينيات من القرن الماضي، كانت رئاسة فرانسوا ميتران مشوشة بسبب الخلاف حول تمويل الحزب، كما اندلعت فضائح حول جاك شيراك ونيكولا ساركوزي، فمنذ الثمانينات لم ينخفض معدل البطالة أبداً عن 7 بالمئة  بينما يبلغ اليوم 10 في المئة، فالأغلبية تقول إن الحياة اليومية أصبحت من سيء إلى أسوأ.

وقالت الغارديان: إن تاريخ فرنسا الاستعماري في العالم العربي يميزها عن غيرها من البلدان الأوروبية التي كانت في زمن الإمبراطوريات، وهذا يعني أنها تحب الفوضى في الشرق الأوسط ولو بطريقة مختلفة، فالحكومة الاشتراكية أعلنت في عام 2015 أن البلاد “في حالة حرب” بعد سلسلة من الهجمات الإرهابية، التي كان معظم مرتكبيها ممن ولدوا وتربوا في فرنسا، وكانت أول هذه الاعتداءات في عام 2012، عندما قتل شاب فرنسي جزائري جنوداً في منتوبان، ثم أطفال يهوديون في تولوز، وبعدها أصبح السكان المسلمون محور اهتمام الشرطة المكثف، وتعزو السلطات المحلية هذا إلى تغلغل الإسلام السلفي الراديكالي بين أقلية ضيقة من الفرنسيين.

 واختتمت الغارديان: هذه هي الانتخابات الرئاسية العاشرة في فرنسا منذ الاقتراع العام المباشر الذي تم إدخاله في عام 1962، ولم يحدث أي تصويت على هذا النحو  والذي شكك بعمق تعريف الدولة المعقد، فالناس لا تعرف بماذا تفكر في فرنسا وكثير منهم لا يعرفون كيفية التصويت.

المصدر / الغارديان

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here