كتب / د. باسل عباس خضير ..

لا يزال العالم يشهد تطورات اقتصادية ناتجة عن الانخفاض المستمر في أسعار النفط ، في مقدمتها انخفاض إيرادات الموازنات الاتحادية أحادية التمويل ، وفي الدول المتقدمة المنتجة للنفط انعكس انخفاض سعر النفط إيجابيا على حياة مواطنيها ويعود ذلك لكون هذه الدول لا تعول على النفط وإنما تعتمد في تمويلها على تنوع الإيرادات ومنها الضرائب والرسوم ، وبالتالي فان انخفاض الإيرادات المتحققة من إنتاج النفط تقابلها زيادة في الإيرادات المتحصلة من النشاطات الأخرى وانخفاض تكاليف الخدمات العامة التي تقدمها هذه الدول ، أما في الدول ( الشمولية ) التي تمتلك حكوماتها النفط مثل روسيا وفنزويلا ودوّل الخليج والعراق فقد أصابها الضرر بدرجات متفاوتة حسب ظروفها واحتياطياتها وأرصدتها ومقدرتها الإنتاجية ، والعراق من أكثر الدول تضررا اقتصاديا بسبب وضعه الأمني  وقلة خياراته وأرصدته الاحتياطية والضعف الشديد في قدراته الإنتاجية المحلية , وقد جاءت الموازنة الاتحادية لهذا العام بنفس أخطاء الموازنات السابقة ، من حيث رهن اقتصاد البلد بالإيرادات النفطية ودولرة الموازنة والإنفاق ، وفي الوقت الذي نسمع الأحاديث المتواصلة والشعارات البراقة عن تطوير قطاعات الإنتاج المحلي العاطل  عن العمل في حقيقته ، فان المناقشات التي تدور في الأروقة المعنية تميل نحو تخفيض الإنفاق العام وإقرار ضرائب وأعباء إضافية على الشعب ، وهي إجراءات من شانها أن تزداد التكاليف وتتلاشى فرص التنافس الضئيلة المتبقية لقطاعات الإنتاج المحلي أمام الطوفان المتوقع للسلع المستوردة منخفضة الأسعار , وبالتأكيد إن الحكومة ومجلس النواب لديهم الكثير من الخبرات التي تعرف بان تنويع الاقتصاد الريعي يتطلب تفعيل قطاعات الإنتاج المحلي الحكومية والخاص وهذا التفعيل يتطلب إجراء تحولات كثيرة لإحداث الإصلاح الحقيقي وعدم الإبقاء عليه كشعار وفي مقدمتها:

– التحول من سياسة الدولرة النقدية باتجاه سياسة العرقنة (استخدام العملة العراقية للإنفاق المحلي بدلا من الدولار ) .

– التحول من سياسة الاستيراد إلى استخدام المنتج المحلي من خلال دعم المنتج المحلي .

– التوقف عن التدخل في سعر صرف الدولار والتحول إلى سياسة ترشيد استخدام الدولار وزيادة الأرصدة الاحتياطية من خلال إعادة النظر بسياسة مزاد الدولار .

– التحول من سياسة التصدق على العاطلين والفقراء إلى تفعيل المشاريع المحلية التي توفر فرص العمل  لتوفير الخل من خلال الناتج المحلي لكي يكون الإنسان منتجا للدخل بالفعل .

– التحول من سياسة تجاهل الإنتاج المحلي إلى سياسة الدعم الواسع بالمنح والقروض الميسرة لزيادة معدل دوران الدينار وزيادة المعولية على العملة الوطنية .

– التحول إلى سياسة الخصخصة وتقليل حجم الملكية الحكومية لتشجيع الاستثمار المحلي .

– تحديد صلاحيات الوزارات من الاستيراد وتوفير احتياجاتها محليا وحصر الاستيراد بجهة عليا واحدة وللمواد التي يستحيل توفيرها محليا والعمل على انتاجها في المستقبل القريب .

– إلغاء أية فكرة للاقتراض لعدم إعادة التجربة المريرة في مديونية العراق ولعدم فسح مجال إضافي للفساد وجعل الاقتراض مقترنا بمصادقة مجلس النواب او الاستفتاء العام .

وهذه التحولات تتطلب بالتأكيد زيادة الإنفاق العام وليس تقليصه ، ولا نعرف السبب الحقيقي لإصرار الجهات المعنية على تجاهل جميع الدعوات المخلصة بتغيير منهج تصميم الموازنة الشمولي الموروث إلى منهج علمي يعتمد على احتياجات البلد وقدراته الحقيقية ، والغريب في الموضوع إن جميع هذه الجهات والمؤسسات الإعلامية تكرر وتكرر الدعوات المملة الداعية إلى تخفيض الموازنة والإجراءات التقشفية ، في الوقت الذي يعلم فيه ابسط المتخصصين إن البلد يمر بحالة انكماش حادة وان تجاوز هذه الحالة يتطلب دعم المنتج المحلي وهذا يحتاج إلى زيادة الإنفاق وليس الشعارات أو التمنيات ، فالمطلوب هو توظيف الإمكانيات المحلية لمعالجة أزمات البلد بما في ذلك الخبرات التي تمتلكها الجامعات والعاملين فيها وطاقات الشباب ، والتعليم العالي والتقني هما الأقرب لحل المشكلات كونهما الأقرب للواقع ويمتلكان أفكارا متفتحة ورغبات وطنية بهذا الخصوص على أن يترك هامش المرونة المطلوبة لتبني الأعمال المتقدة والابتكار والإبداع ، وهو ما يتطلب استخدام أساليب مرنة   بدلا من التعبد بالتعليمات الموروثة والقيود التي يضعها الفاسدون لكي تستمر سياسات الاستيراد وبقاء البلد طاردا للثروات والاستثمارات ، فتفعيل الأفكار الإبداعية من قبل الوطنيين والمخلصين وتحويلها إلى قطاعات التطبيق يتطلب تخليصها من القيود بهدف بلوغ الأهداف الايجابية بعيدا عن التشكيك والتخوين ، وقبل كل هذا لابد من تحرير البلد من الفاسدين والحيتان لأنهم أكثر خطرا على السيادة والسياسة والاقتصاد وجميع مفردات الحياة فهم استعمار حقيقي يجيد لعبة الاختفاء والادعاء .

المشاركة

اترك تعليق