كنوز ميديا/ بغداد 

بالتزامن مع الإعلان عن تحرير الجانب الشرقي لمدينة الموصل من براثن جماعة داعش الإرهابية الأسبوع الماضي، تحدثت بعض المصادر عن تراجع دور إيران في عمليات تحرير الموصل، فما هي الحقيقة؟

 

أعلنت القوات العراقية الأسبوع الماضي عن اقتحام قطعاتها منطقة الرشيدية التي كانت تعد آخر معاقل تنظيم داعش الارهابي في الجانب الشرقي للموصل، كما أعلنت وزارة الدفاع العراقية تحرير الساحل الأيسر للموصل بالكامل. وخلال الأشهر الأربعة الماضية، أي منذ انطلاق عمليات تحرير الموصل في أكتوبر عام 2016، كانت الأخبار عن الدور الإيراني في العمليات قليلة بالمقارنة مع العمليات المشابهة السابقة. فهل كان الدور الإيراني في عمليات تحرير الموصل وطرد الإرهابيين منها، أصغر مما كان عليه في العمليات السابقة؟

 

إن الدور الإيراني في عمليات سابقة مثل تحرير تكريت، الفلوجة والرمادي كان حاسما؛ ومن الأمثلة على ذلك الدور الإيراني في اقتحام القوات الأمنية العراقية مدينة الفلوجة بعد أسبوعين من القتال وتحرير حي الشهداء، حيث تحقق هذا التقدم بمساعدة المستشارين الإيرانيين. كما أن الدور الإيراني في عمليات تحرير تكريت كان من الوضوح الى درجة دفعت ريتشارد سبينسر الى كتابة تقرير في صحيفة “ديلي تلغراف” مشيرا الى دور إيران في تحرير المدينة ومؤكدا عدم إمكانية تحرير مدينة الرمادي من براثن تنظيم داعش من دون الدعم الإيراني.

 

بالنظر الى ما مر ذكره، هل يمكننا القول إن دور إيران في الموصل كان أضعف مما كان عليه في العمليات السابقة ضد تنظيم داعش في العراق؟

 

في الحقيقة إن التقليل من قيمة الدور الإيراني في عمليات مكافحة الإرهاب وداعش في العراق وسوريا هو السيناريو الذي يرغب به الغرب وبعض دول المنطقة ومنها تركيا والسعودية، ولكن الصورة على أرض الواقع تختلف عن ذلك، فعلى العكس من التدخل أو في الحقيقة الاحتلال التركي في شمال العراق والذي واجه رفضا من قبل الزعماء العراقيين الذين طالبوا بانسحاب القوات التركية من شمال العراق؛ فإن الدعم الإيراني جاء بطلب عراقي ودعوة من قبل الحكومة العراقية الشرعية.

 

وربما تكون ثقة الزعماء العراقيين بإيران ودعمها للعمليات ضد تنظيم داعش في بلادهم، نتيجة للنجاحات السابقة التى تحققت في ظل هذا الدعم حيث أن إيران تمتلك معرفة كافية بالجماعات الإرهابية. كما أن عمليات تحرير “الفلوجة” تعتبر نموذجا لهذه النجاحات، حيث أن الحشد الشعبي وبدعم من المستشارين الإيرانيين استطاع وخلال عملية سريعة أن يحرر المدينة التي عجزت القوات الأمريكية رغم كل قدراتها العسكرية عن السيطرة عليها خلال احتلالها العراق في عام 2003.

 

في الحقيقة إن العمود الفقري العسكري لجماعة داعش الإرهابية في العراق يتكون من ضباط الجيش العراقي السابق وكوادر حزب البعث العراقي الأمنية والذين تمتلك إيران خبرة في التصدي لهم، وهي الخبرة التي اكتسبتها سابقا خلال ثمانية أعوام من الحرب التي فرضها صدام على إيران. لذلك من الطبيعي أن يكون القادة العسكريون الإيرانيون من أصحاب التجربة في القتال ضد القوات البعثية أفضل خيار لمواجهة القوة العملانية لجماعة داعش الإرهابية في العراق، والتي تتكون بصورة رئيسية من أعضاء حزب البعث السابقين والمقربين من صدام.

 

الى جانب ما أشير إليه أعلاه، فيما يلي نذكر أدلة تؤكد مشاركة قوات الجمهورية الإسلامية الإيرانية الاستشارية في المعركة ضد داعش بالموصل، وتقديمها الاستشارات للقوات العراقية:

 

تعزيز الحشد الشعبي وزيادة قوته بالمقارنة مع العمليات السابقة

 

في عمليات الموصل، شارك الحشد الشعبي العراقي باعتباره قوة أكثر مهنية مما مضى ومما كانت عليه هذه القوات في العمليات السابقة اثر اكتسابه خبرات قتالية مختلفة. ويعد الحشد الشعبي العراقي قوة قتالية حديثة التأسيس متكونة من المتطوعين الشيعة والسنة والمسيحيين العراقيين، حيث تم تشكيلها في شهر حزيران عام 2014 وبعد أيام قلائل من سقوط مدينة الموصل بناء على فتوى المرجعية في العراق بصورة خاصة آية الله السيد علي السيستاني، وبمساعدة من المستشارين الإيرانيين.

 

وفي هذا الصدد صرح المسؤول البارز في الحشد الشعبي العراقي، عقيل الحسيني، أن الحشد الشعبي العراقي بُني على أساس تجربة قوات التعبئة الشعبية في إيران. وقد صرح رئيس الوزراء العراقي آنذاك، نوري المالكي قائلا إن الحكومة العراقية اقتدت بتجربة تشكيل قوات التعبئة الشعبية في إيران. بناء على ذلك تم قطع الخطوات الأولى لتشكيل هذه القوة العسكرية بمساعدة من المستشارين الإيرانيين، ومن طبيعي أن تكون هناك حاجة لحضور إيراني فاعل في المراحل الأولى من أجل التدريب وتقديم الاستشارات، وقد أبرزت هذه الحاجة مشاركة إيران في ميادين القتال ضد تنظيم داعش. وعلى الرغم من استمرار وجود الحاجة الملحة، إلا أن عمليات الموصل جاءت بعد قرابة عامين من الخبرة الميدانية للحشد الشعبي الذي أصبح يستطيع إدارة ساحة العمليات باستقلال أكبر، فاستطاع السيطرة على محور شمال الموصل وقطع طرق الهرب من الموصل نحو سوريا.

 

من هذا المنطلق أدى تنامي قوة الحشد الشعبي العراقي وتصاعد قدراته الى تقليل الحاجة للمشاركة الإيرانية في ميدان المعارك. بالإضافة الى ذلك، فقد استعرضت قوات الحشد الشعبي قوتها في معارك تحرير تلعفر، والآن من المتوقع أن تشارك قوات الحشد الشعبي حديثة التشكيل في عمليات تحرير الموصل متسلحة بالخبرات السابقة والدعم الاستشاري الإيراني وأن يتضاءل حجم الصعاب التي تقف في طريق هذه القوة.

 

مشاركة الجيش العراقي تغطي الاحتياجات الميدانية لعمليات تحرير الموصل

 

بالإضافة الى تعزيز قدرات الحشد الشعبي العراقي وتصاعدها خلال عمليات تحرير الموصل، وارتقاء قدرات هذه القوات على إدارة المشهد الميداني، فإن الجيش العراقي هو الآخر قد اكتسب القدرة اللازمة من أجل إدارة العمليات العسكرية باستقلال. وعلى العكس من العمليات السابقة في الرمادي والفلوجة، أصبح الجيش العراقي حاليا قادرٌ على إدارة الوحدات الأخرى وجعلها تعمل تحت لوائه، ولتحقيق هذا الغرض تم تقسيم محاور عمليات تحرير الموصل ووضعها تحت اشراف قيادة مركزية يتولاها رئيس الوزراء العراقي.

 

النسيج الاجتماعي في الموصل بالمقارنة مع المناطق الأخرى

 

على العكس من باقي المناطق العراقية، لا يعتبر النسيج الاجتماعي في الموصل نسيجا منسجما وموحدا. ويبلغ عدد سكان الموصل قرابة مليون نسمة، الأغلبية هم من أهل السنة، والمكون الثاني فيها هم الشيعة، ويضاف إلى المكونين نسب سكانية لافتة للنظر من الأقوام الأخرى مثل الآشوريين، الأكراد، التركمان والأرمن. إن هذه الفسيفساء القومية في الموصل جعلت من وجود قوات استشارية غير عراقية أمرا قد يثير بعض الأحاسيس والخلافات. وهو الأمر الذي دفع الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى اجهاض تحركات الجماعات الإرهابية الرامية الى بث الفرقة، فلم تبرز دورها في تقديم الدعم الاستشاري لعمليات تحرير الموصل.

 

إيران أكدت دائما على رفض وجود جنود أجانب في العراق

 

وفي هذا السياق لا يمكنني أن نغفل عن التأكيد الإيراني الدائم على أن مشاركتها في الحرب على الإرهاب في العراق تنحصر في تقديم الدعم الاستشاري وتقديم الدعم في غرفة العمليات المشتركة لمكافحة الإرهاب في العراق، فيما تدين بشدة التدخل العسكري الذي تمارسه الدول الأخرى ومنها الولايات المتحدة الأمريكية في ميادين القتال وفي المشهد العسكري.

 

 من هذا المنطلق فإن عدم مشاركة إيران مباشرة أو في ساحة العمليات ضد تنظيم داعش في الموصل، تتوافق مع المقاربة الإيرانية والمواقف السابقة للجمهورية الإسلامية التي أكدت فيها على وجوب عدم تدخل القوات العسكرية الأجنبية في العراق. رغم ذلك لا يمكننا أن نغض النظر عن كون مشاركة إيران في عمليات الموصل تأتي وفقا لسياسات الجمهورية الإسلامية، وهي مشاركة استشارية وليست قتالية وبالتالي فإن تقديم الدعم الاستشاري لا يعني تراجع الدعم الإيراني للحكومة العراقية في عمليات مكافحة الإرهاب والحرب على جماعة داعش الإرهابية.

المصدر / وكالات

المشاركة

اترك تعليق