كنوز ميديا – مقالات 

طالعتنا وسائل الإعلام السعودية هذا الأسبوع بخبر إصدار المحكمة الجزائية المتخصصة في الرياض حكمها الابتدائي بإعدام 15 متهماً مما يُعرف بـ “خلية التجسس” التي تضم 32 شخصاً، والحكم على 15 آخرين بالسجن لفترات متفاوتة تصل إلى 25 عاماً، فما تهم هؤلاء؟ وأين السعودية من ممارسات مشابهة لجماعات في سوريا وليبيا وغيرهما؟ 

بات يمر خبر الإعدامات في السعودية على مسامعنا وكأنه أمر معتاد في دولة لا يزال يُعتمد فيها حكم الإعدام ضمن قانون العقوبات الذي تتبعه، إلا أن اللافت في القضية هو عندما نقرأ تفصيلاً يخص سبب هذه الأحكام والقضايا التي حكم بسببها هؤلاء المُدانين!

“الخيانة العظمى، والتجسس لصالح إيران، واللقاء بالسيد علي الخامنئي، إضافة إلى تسريب معلومات غاية في السرية والخطورة في المجال العسكري، وإفشاء أسرار دفاعية والسعي لارتكاب أعمال تخريبية”، عندما نقرأ هذه التهم الخطيرة لا بد أن نعتبر أنه من حق أي دولة أن تعاقب مواطنيها في حال ارتكابهم هكذا أمور باعتبار أن السعودية تعتبر إيران والسيد الخامنئي أعداء لها، هذا دون دخولنا في إمكانية أو واقعية حصول هذه التهم، فقط نكتفي بالإشارة إلى أن معظم المتهمين كوادر أكاديميين في المجتمع السعودي بعيدين كل البعد عن الحقل العسكري والأمني ولا إحتكاك لهم به يمكِّنهم من الوصول لمعلومات عسكرية غاية في السرية كما ذُكر، كما أن الإعترافات بهذه الإقدامات جاءت بعد التعذيب والإحتجاز الطويل مع منع رؤية عائلاتهم أو حتى المحامين من الدفاع عنهم كما ذكرت هيومن رايتس، إلا أن للدول وأجهزتها الأمنية إعتبارات ومعطيات أخرى فدعونا لا نتسرع في الحكم.

ولكن إليكم باقي التهم التي استدعت صدور حكم الإعدام لبعض هؤلاء المواطنين السعوديين: “تأييد المظاهرات”، و”تشويه سمعة المملكة” ومحاولة “نشر ومد المذهب الشيعي” و”إنشاء مؤسسة تجارية لدعم حسينية في جدة من مردودها المالي” هذه تهم إضافية نقلتها هيومن رايتس ووتش كسبب للحكم بالإعدام على بعض المحكومين في خلية التجسس المزعومة، فهل تخيلت يوماً أنك بدعم حسينية ما سيحكم عليك بالإعدام؟ أو مثلاً اذا حاورت صديقك في موضوع عقائدي مختلف عليه بين السنة والشيعة ستعتبر ناشراً للمذهب الشيعي (المسلم) وسيحكم عليك بالإعدام؟ أو إذا أبديت رأيك بالتأييد لمظاهرة ما في القسيم أو أي منطقة في السعودية ستكون أيضاً خائناً وستموت بفعل إبدائك مجرد رأي!.

سيظن البعض بأننا نحاول إثارة نعرات طائفية ونحث البعض على إعتبار أن من حُكموا من لون أو طائفة ودين واحد وأنهم مضطهدون في السعودية، إلا أن الأمر أبعد من ذلك بكثير، فالإعدامات في السعودية والتي كان آخر “إنجازاتها” إعدام الشيخ النمر بسبب رأيه السياسي، شملت العشرات من طوائف مختلفة بين سنة وشيعة، فالمحكمة آنذاك لم تفرق بينهم من حيث الطائفة أو الدين إلا أن إعداماتهم جاءت بتهم غريبة آنذاك أيضاً، هذا يدفعنا للتساؤل عن السبب الذي يدفع السعودية لهكذا أمر؟ ومن وراء هذه الأحكام؟

هنا لا بد أن نستذكر أين يمكن أن نكون قد رأينا هكذا مشهد من قبل، فندرك سريعاً الشبه الواضح في هذه التهم وطريقتها عند تنظيم داعش الإرهابي الذي ينفذ عشرات الإعدامات يومياً بتهم واهية وأقل ما يمكن القول عنها إنها سخيفة كالتي ذكرناها أعلاه.

والسبب في هذا الشبه يدفعنا لنلتفت أن القاسم المشترك الوحيد بينهم هو الفكر الراديكالي المتشدد والمتطرف الذي يلغي الغير ويستسهل سفك دمه ويتيح ويجيز بفتاوى وأحكام دموية القتل لكل من يختلف معه أو يقدم على أمر لا يستسيغه، فهذا الفكر “الوهابي” لم يصدّر نفسه للعالم ويكون العامود الفقري لداعش من تلقاء نفسه بل عمل على تصديره وتقويته ونشر مدارسه وتمويلها من قبل القيمين في السعودية، هذا من جهة، من جهة أخرى يخرج علينا البعض ليقول لنا إن حكام السعودية ليسوا على هذا المستوى العالي من الإلتزام الديني وذلك جلي من خلال أشكالهم وممارساتهم لا بل إنهم يهادنون الغرب ولهم علاقات طيبة معهم وهذا خلاف الفكر المتشدد لدى داعش، هذا ربما صحيح شكلياً، لكن الجلي أن القضية تكمن في علاقة المصلحة والشراكة التي عقدت منذ تأسيس السعودية بين العائلة الحاكمة والمدرسة الوهابية صاحبة هذا الفكر المتشدد لتكون أحكامها المستسهلة للإلغاء والقتل والتكفير مطية بيد حكام ومؤسسات السعودية لتنفيذ أحكام إعدام بتهم سخيفة لا ترتقي لتكون مجرد إبداء للرأي أو حرية تعبير أو ممارسة دينية، للحفاظ على حكمهم وتأمين إستمراره بشرط رعايته للوهابية.

ولا يتعدى الأمر كونه إجراءات تعسفية مغطاة بقشرة مسرحية المحاكم الصورية التي تُعقد في السعودية وتُؤخذ فيها الإعترافات تحت التعذيب والقهر النفسي والجسدي ويُمنع فيها المحامون من مقابلة المتهمين! هدفها حماية هذا الكرسي وهذه العائلة الحاكمة، والخطير هنا أن هذه العائلة لم يعد ينحصر فكرها وتعسفها ضمن حدود السعودية بل تعدى ذلك ليُصَدر للعالم بأشكال متعددة كداعش والنصرة وغيرهما أو كصواريخ وقصف وقهر وقمع فوق رؤوس المدنيين حول العالم في اليمن والبحرين ونيجيريا وليبيا وغيرها…

يبقى السؤال هنا، متى سنرى صوتاً أو إقداماً رادعاً لهذه الممارسات وهذا الفكر المشوه؟ وإلى متى سيبقى العالم عامة والشعب السعودي خاصة صامت أمام هذا القهر والقمع المزين ببراميل نفط وأموال مسلوبة من شعب ومجتمع يحتضر فقراً وأزمات؟ ومتى سيكتفي الغرب من مداهنته للسعودية ويتعالى على البترودولار الملوث بالدماء فيقطع السلاح عنها وينهي الغطاء الدولي لديكتاتورية لم يشهد العالم لها مثيلاً؟

بقلم محمد حسن قاسم

المشاركة

اترك تعليق