كنوز ميديا

 

 

أرادوها معركة كبرى، وبالفعل كانت كذلك. أرادوها معركة كسر عظم فكانت. أردوها إنهاء معركة إنهاء وجود فكانت. أرادوها برداً وسلاماً، لكنّها أبت إلا أن تكون ناراً وشنّاراً على رؤوس المسلّحين.. إنها حلب العروس المحرّرة.

عادت حلب إلى أحضان أهلها وجيشها، لتمحي من الذاكرة مأساة 19 تموز 2012، عندما اقتحم آلاف المسلحين الأحياء الشرقية، وتضرب موعداً جديداً مع تاريخها ينفض غبار4 سنوات و5 أشهر من مدينة مقسومة تشكّل خطراً على كل البلاد.

بين حلب وتمّوز

أعادني انتصار حلب أكثر من عشرة سنوات إلى الوراء، وتحديداً إلى تموز العام 2006، حيث سطّر المقاومون انتصاراً مشابهاً ضد إرهابيين مماثلين، ليتحطّم مشروع الشرق الأوسط الكبير على صخرة الجنوب، تماماً كما تحطّم مشروع إسقاط سوريا على أرض حلب وفي أحيائها.

كثيرة هي التشابهات ما بين كانون حلب وتموز الجنوب الذي لا زال اللبنانيون يتلمّسون دفئه وحرارته، وهي حرارةُ شاهدناها وسمعنا زغاريدها بالأمس عند أبناء حلب الذين داسوا على جراحهم وملأوا شوارع أحيائهم احتفالاً بالانتصار.

تلك الزغاريد أيضاً أعادتني إلى جنوب لبنان حيث احتفل اللبنانيون بنصرهم المؤزّر على الكيان الإسرائيلي في أعتى حرب كونية، أُريد لها أن تكون نهاية الحزب، إلا أن المقاومين كان لهم كلام آخر. كلام لا زالت تتكرّر مفرداته في حلب.

وأما عند الدخول في تفاصيل المعارك، يكاد المشهد الحلبي يختلط مع مشهد تمّوز لوفرة التشابهات التي تعزّز فرضية العدوّ الوحد، وإن كان بعضهم بصبغة إسلاميّة. فشرق حلب الذي تحرّر بالكامل، وكان المحطّة التي قصمت ظهر المسلّحين، أعادني إلى معركة وادي الحجير اللبناني التي كانت المنعطف الأبرز في حرب تموز. بعد الحجير كرّت سبّحة الانتصارات التي جعلت من حزب الله لاعباً إقليمياً نافذاً، وهو ما ننتظره اليوم في مرحلة ما بعد حلب.

لسنا هنا في وارد التبخيس من أي انتصارات أخرى سواءً في سوريا، كالقصير “عيتا الشعب” اللبنانية، والقلمون “مارون الرأس” وغيرها من المناطق، ولكن كما كان للانتصار في وادي الحجير فصل الخطاب في تموز، فإن لشرق حلب فصل الخطاب في المعركة الكونيّة ضدّ سوريا.

لا تقتصر التشابهات على المشهد الميداني، فعند متابعة المشهد السياسي تخلُص إلى نتيجة الميدان. ففي بداية حرب تمّوز فشلت كل المحاولات السياسيّة، لتزور وزيرة الخارجيّة الأمريكية حينها كونداليزا رايس لبنان وتجتمع مع بعض اللبنانيين في سفارة عوكر، وتؤكد لهم أبقاء حزب الله خط أحمر في الشرق الأوسط الجديد، ولكن كان للميدان الكلمة الفصل حيث استجدى الكيان الإسرائيلي السلطات الأمريكية، لوقف الحرب التي انتهت بناءً على قرار 1701 الذي صدر في مجلس الأمن. في حلب مشهد مماثل، وكما حصل في تموز، بعد رفض المسلحين للوقوف عند خطوطهم العسكريّة مصرّين على كسر الجيش في خاصرة سوريا الاقتصادية، وثاني أكبر مدنها بعد العاصمة دمشق، حاولت أمريكا إنهاء المعارك في حلب عبر مجلس الأمن، كان لها ذلك أكثر من مرّة، ولكن عندما اتخذ الجيش وحلفاؤه قرار الحسم سقطت المشاريع الأمريكية والفرنسية في مجلس الأمن عبر الفيتو الروسي، تماماً كما سقط المسلّحون أمام الجيش وحلفاءه وبالضرب القاضية.

ما بعد الانتصار

لا شكّ في أن انتصار حلب سيعيد رسم خريطة المعركة القائمة منذ أكثر من 53 شهراً ، ليس في حلب فحسب، بل في كافّة المدن السورية، وكما جعلت حرب تمّوز من حزب الله لاعباً إقليمياً أقوى مما كان عليه قبل الحرب، سيجعل انتصار حلب من سوريا لاعباً إقليمياً ودولياً أقوى مما كانت عليه قبل الحرب. عسكرياً أيضاً، سنكون أمام قوّة عسكرية سوريا تضاهي أغلب جيوش العالم بعد أن ينفض جيشها غبار الحرب عن ثيابه، ليشكّل تهديداً استراتيجياً يقضّ مضاجع الكيان الإسرائيلي، تماما كما هو حال حزب الله اليوم بعد حوالي العشر سنوات على ذكر مجد تموز 2006.

وكما في تموز، سارع العديد من العرب المتخاذلين إلى التنافس على إعادة الإعمار للضاحية المدمّرة وكافّة المدن، علّهم يكسبون شيئاً من شرف الانتصار، هذا ما قد سنشاهده في حلب المدمّرة وكافّة مدن سوريا، وهذا بالفعل ما سمعنا مؤخراً من قبل بعض الدول العربية.

قد لا يتّفق البعض معي في العديد من التشابهات المذكور أعلاه، فتمّوز معركة كبرى، وحلب فصل في المعركة الكبرى، إلا أن ما لا يمكن إنكاره أن معركة حلب التي تعدّ الأبرز من الناحية الاستراتيجية والمعنوية مقارنةً مع كلّ المعارك السابقة، كما تموز، هي انتصار لمحور المقاومة بكافّة أطيافه، فالصورايخ التي كانت تُضرب في تموز كانت من صناعة معامل الجيش السوري في حلب، وفق ما أعلن قائد الأركان الإيرانية اللواء باقري قبل فترة، واليوم، ومن يقاتل إلى جانب الجيش السوري هم بعض من رماة هذه الصواريخ.  jh 

المشاركة

اترك تعليق