إننا نتجمد سياسياً

0
92

 كنوز ميديا – مقالات 

 نوزاد حسن

 في واحدة من رباعاياته الشعرية تساءل الجواهري: متى سينجح الطب في زراعة ضمير داخل قلب الانسان؟ هذه الامنية تعود الى عام 1931 اي حين كتب الشاعر ابياته, وشكا من قلة الضمائر في زمنه. وقد يكون ما قاله الجواهري 

   في واحدة من رباعاياته الشعرية تساءل الجواهري: متى سينجح الطب في زراعة ضمير داخل قلب الانسان؟ هذه الامنية تعود الى عام 1931 اي حين كتب الشاعر ابياته, وشكا من قلة الضمائر في زمنه. وقد يكون ما قاله الجواهري مجرد مبالغة شعرية لاننا ننظر الى العهد الملكي كجنة سياسية بكل معنى الكلمة، فهل يعقل ان تكون ايام الجنة بائسة الى الحد الذي يتمنى فيه الجواهري مثل هذه الامنية الغريبة؟. وقد نتساءل عن رد فعله لو انه عاش في هذه الايام, وسمع ورأى كل ما نراه ونسمعه من قضايا تتعلق بالفساد وسرقة المال العام.

  بلا شك سيصدم الجواهري وربما يعتذر للعهد الملكي عما قاله. لكن في اشارة ثانية شعرية ايضا يلمح الى ان العهد الملكي يعاني من قحط رجال على حد تعبيره. هو يقول:

واشد من قحط السنين بأمة

مشلولة الاعمال قحط رجال

  هنا ايضا نحن امام مشكلة صعبة الفهم، فالنظام الملكي مصاب بمرض نادر هو قلة وجود الرجال الحقيقيين. وها نحن مرة ثانية امام شاعر يبحث عن حكام مثاليين جدا وهذا ما لا يمكن ان يوجد.

  من الجائز ان يقول قائل ان الجواهري يستنكف من وجوده في زمن نوري السعيد وجعفر العسكري وعبد الاله وصالح جبر ورشيد عالي الكيلاني. نعم انه يرى عيوب زمنه بمنظاره الشخصي الذي لا يكاد يختلف عن منظار الرصافي وهو ينتقد الملكية نقدا قويا.

 ومرة اخرى اقول: ترى ما الذي سيقوله الجواهري لو انه عاش في ايام الديمقراطية التي اتلفت اعصابنا, واصابتنا بضرر كبير على المستوى النفسي؟.

  واتساءل: كيف كان سيواجه اصول اللعبة السياسية التي نشاهدها منذ اعوام دون ان نستطيع تغييرها؟.  يوم الجمعة الماضي سمعت عجوزين في «الحيدرخانه» يتحدثان عن خطأ اسقاط الملكية, ويتحسران على ايام الملك, وايام نوري السعيد. هذان العجوزان احبا دفء الملكية وفضلاه على شتاء الجمهوريات المثلج دوما. لكن هل يمكن ان اسمي هذه الديمقراطية بايام الزمهرير الذي لا يرحم..؟، هل اكون متجنيا لو قلت ان الدم يتجمد في عروقنا واننا صرنا نبحث عن دفء حقيقي يشعرنا بسعادة الانسان الذي ينتظر غدا بلا خوف ويشعر ان بامكانه ان يبدل وجها مألوفا وفاشلا بوجه اكثر وطنية وصدقا؟. الزمهرير اذن هو شعورنا ان القادمين في الانتخابات القادمة هم الجالسين الآن على كراسي المسؤوليات المختلفة.

  الزمهرير بمعنى آخر هو شعورنا بعدم الامان, والخوف من شيء سيظهر فجأة. شيء غامض يراقبنا من بعد لينقض علينا دون ان نشعر. وهذه الحياة المتجمدة البعيدة عن المستقبل الواضح ستكون عبئا على الجميع. لذا يمكنني ان اوجه الى الجواهري تساؤلي الشخصي, واقول له: هل جرب مثل هذا الاحساس الغريب الذي يسيطر على الانسان, ويجعله يعيش وحيدا بلا فكرة صادقة ولا انفعال انساني يشعل فيه نار التغيير نحو الافضل؟

  اننا نعاني من برد سياسي رهيب. اننا نتجمد سياسيا.

المشاركة

اترك تعليق