كتب / د.باسل عباس خضير …

عشرات المقالات نشرت بخصوص أسباب انخفاض أسعار صرف الدينار أمام الدولار في ظل قيام البنك المركزي العراقي ببيع مليارات الدولارات كل عام ، والبعض منها أشارت إلى وجوب إجراء تحقيقات محلية ودولية حول شبهات الفساد التي تحيط بعمليات التداول بالدولار والتي أثبتت بعضها وجود أعمال لغسيل الأموال وتهريب ثروات البلد إلى جهات خارجية والبعض منها لتمويل الإرهاب ، وكل ما قيل عن الموضوع ذهب في أدراج الرياح لان البنك المركزي العراقي يسير بالاتجاه نفسه ببيع المزيد من الدولارات بأسعار تختلف كثيرا عن الأسعار السائدة في الأسواق ، فمن الناحية الفعلية فان الدولار الذي يبيعه البنك هو 1184 دينار أو 1190 دينار في حين إن أسعار الصرف في ( الدكاكين ) تجاوزت ال1300 دينار مقابل الدولار ، والسعر السائد في الأسواق يمثل خروجا عن تعليمات مزاد العملة حيث حدد البنك المركزي سعر الدولار في الأسواق المحلية 1200 دينار لكل دولار كحد أقصى ومن المفترض أن تتخذ الإجراءات بخصوص المخالفين ، والمشكلة الحقيقية هي إن المخالفات بخصوص  الأسعار من قبل المكاتب والشركات والمصارف مستمرة منذ ولادة المزاد الذي كلف مئات المليارات منذ 2004 ولحد اليوم دون محاسبة أحدا عدا بعض الحالات التي لا تتناسب مع الحجم الكبير للخالفات ، وهذه المخالفات تجري علنا في الليل والنهار فأسواق الدولار ظاهرة للعيان ولا تعمل في الخفاء.

إن انخفاض أسعار صرف الدينار العراقي أمام الدولار ليست قضية عابرة وإنما هي مأساة حقيقية ينبغي تكريس الاهتمام المناسب لها لأنها تتعلق بمعيشة الناس سيما الفقراء ومحدودي الدخل منهم ، فاغلب ما نستهلكه يتم استيراده من الخارج والتجار يرفعون الأسعار كلما انخفض سعر الدينار رغم إن الاستيرادات يتم تمويلها من مزاد العملة في البنك المركزي العراقي ، ومن الناحية العملية فان الدولرة تسود في اغلب التعاملات رغم إن الدولة ترفض الدولرة لان العملة المحلية هي الدينار ، فأسعار تذاكر طيران الخطوط الجوية العراقية يتم تحديدها وبيعها بالدولار كما إن مختلف السلع والخدمات يتم احتساب أسعارها بالدولار ثم يتم تحويلها إلى الدولار ، وهذه الازدواجية في التعامل تجعل الطلب على الدولار عاليا لان التجار المحليين بحاجة إلى الدولار ، كما إن بعض المواطنين يضطرون للاحتفاظ بالدولار لغرض الدفع أو التسديد ، والمشكلة الحقيقية إن أسعار الصرف عندنا لا تخضع إلى آليات العرض والطلب وإنما لأسباب أخرى ليست لها علاقة بالمفاهيم والتطبيقات الاقتصادية ، فقد تنخفض مبيعات المركزي من الدولار ولكن سعر صرف الدينار يرتفع  في وقت يحصل فيه العكس تماما ، ويشير ذلك إلى إن أسعار الصرف خارج سيطرة البنك المركزي العراقي والدليل على ذلك إن الهدف الأساس من إنشاء مزاد العملة هو استقرار أسعار الصرف لكي لا تتأثر القدرات الشرائية للمواطنين بتذبذب الأسعار ، وواقع الحال ( أمس ) يؤشر ان سعر صرف الدينار هو 1320 دينار لكل دولار والمشكلة إن البائع يشتري الدولار بالسعر المنخفض ويبيع السلعة بالسعر العالي للدولار بسبب عدم ثبات أسعار الصرف كما هو الحال في بعض الدول مثل الأردن ولبنان .

وان وجود فروقات كبيرة بين سعر البيع في البنك المركزي ( 1190 ) والسعر في الأسواق ( 1320 ) أي بفارق 130 دينار يعني إن هناك ملايين أو مليارات الدنانير تخرج كل يوم من جيوب المواطنين لتذهب إلى جيوب المتحكمين بأسعار الدولار ، فكل دينار يزيد عن أسعار الصرف يسبب زيادة في أسعار السلع والخدمات التي يحتاجها المواطن لان أكثر من 95% من الاحتياجات المعيشية للمواطن يتم استيرادها من الخارج وهي مغطاة من قبل البنك المركزي الذي يبيع الدولارات للتجار لغرض استيرادها ، وبشكل يحقق ربحين للتجار أولها من بيع السلع بأسعار الدولار السائدة في الأسواق وثانيها عن أرباح تجارته المغطاة بالدولار ، وفي الوقت نفسه فان المواطن يتكبد مجموعة من الخسائر الأولى من شراء احتياجاته بأسعار مرتفعة وفقدان عملاته الوطنية لأنها تذهب لمصلحة امن يستغل مزاد العملة ، الذين يفترض أن يجلبوا احتياجات المواطن بأسعار الصرف السائدة في البنك المركزي وليس السائدة في الأسواق المحلية لأنهم يشترون الدولار من المركزي وبالأسعار الرسمية وليس من الأسواق بالأسعار التضاربية ، والجزء المفقود في المعادلة يمكن تلخيصه بسؤال مفاده : إذا كان التاجر يستورد السلع من الخارج بالدولارات التي اشتراها من البنك المركزي ويقوم ببيعها إلى التجار العراقيين بالدولار فمن أين يأتون بالدينار العراقي الذي يشترون به الدولار من مزاد العملة ؟؟ ، كما إن السؤال المرتبط ذلك هو إذا كانت استيراد العراق بقدر الدولار المباع فأين الضرائب المتأتية للموازنة عن هذه الاستيرادات ؟! .

ويعتقد البعض بان سبب انخفاض أسعار الدينار مقابل الدولار هو تقليل مبيعات المركزي من الدولار ، وهو اعتقاد غير صحيح لان البنك المركزي العراقي لم يتوقف عن بيع الدولار أو يغير أسعار البيع حتى عند انخفاض أسعار برميل النفط إلى 20 دولار ، فقد بلغت مبيعات الدولار ليوم أمس ( الاثنين 13 / 12 / 2016 ) بمقدار 154 مليون دولار وتم بيعها بواقع 148 مليون دولار إلى 32 مصرفا و6 ملايين دولار إلى 10 شركات للصيرفة ، علما إن مبيعات البنك المركزي العراقي من الدولار قد بلغت 31 مليار دولار للمدة من بداية العام الحالي لغاية يوم أمس ، وان الكميات المباعة شملت الأحياء والأموات لان مصرف الوركاء الأهلي ( مثلا ) الذي توقف عن العمل منذ 2010 وأغلق فروعه ولا يمارس أية أعمال فيها أو في مقره الرئيسي الكائن في ساحة الخلاني يدخل مزاد البنك المركزي العراقي ويشتري بحدود 5 ملايين دولار يوميا ، أما المصارف والشركات ومكاتب الصيرفة التي تتشارك في عمليات شراء الدولار يوميا ، فإنها نفسها التي تتكرر أسمائها ونشاطاتها منذ 2004 ولغاية اليوم وجميعها تبيع الدولار خارج الأسعار المحددة من قبل المركزي العراقي ، فقد وصل السعر أمس أكثر من 1300 دينار لكل دولار رغم أن السعر المحدد يجب أن لا يزيد عن 1200 دينار لكل دولار بموجب تعليمات المركزي ، ويأتي ارتفاع أسعار الدولار رغم الارتفاع الحالي في أسعار النفط عالميا بعد أن وصل خام برنت إلى أكثر من 50 دولار للبرميل وقيام شركة تسويق النفط ( سومو ) بتنفيذ العقود الآجلة لنفط لشهر كانون الثاني القادم 2017 بأسعار تقترب من 50 دولار .

وهناك من يسأل ، إذا كانت مبيعات الدولار مستمرة وأسعار النفط في حالة ارتفاع فلماذا ترتفع أسعار الدولار وتنخفض أسعار الدينار ، ورغم إننا اجبنا عن جانب مهم من هذا السؤال في نشوء ( طبقة ) تتحكم بالدولار إلا إن هناك سببا آخرا ويتعلق باعتقاد البعض بان العراق سيلجأ وبسبب انخفاض احتياطياته من الدولار إلى تعويم عملته على غرار ما حصل في مصر وسوريا ، فتعويم العملة يحقق العديد من المردودات لمدخري الدولار بعد أن شهدت أسعار صرف الجنيه المصري انخفاضا بلغ  أكثر من 18 جنيه مقابل الدولار بعد أن كان قرابة 6 جنيه لكل دولار ، كما انخفضت الليرة السورية إلى 52 ليرة مقابل الدولار بعد أن كانت 5 مقابل الدولار ، وهذه التوقعات ( تعويم الدينار العراقي ) ليس له أية مصداقية إطلاقا ولا يمكن أن يتم ذلك خلال السنوات الحالية ( رغم فوائده الاقتصادية ) ، وأسباب عدم تعويم العملة تعود إلى طبيعة الاقتصاد المحلي كونه ريعي أي انه يعتمد على صادرات النفط ، كما إن ذلك يرتبط بعوامل نقدية ومنها حجم الكتلة النقدية الكبيرة الصادرة وأسباب أخرى لا نريد الخوض في تفاصيلها الآن ، وان الأمر شبه المؤكد إن تعويم العملة بعيد كل البعد عن التوجهات ، مما يعني إن ضبط أسعار الصرف وإعادتها إلى مساراتها الطبيعية وبما يتناسب مع تعليمات البنك المركزي العراقي ، تحتاج إلى فرض رقابة حقيقية على شركات ومكاتب الصيرفة على أن يقترن ذلك بإجراءات رادعة للمخالفين ، مع ضرورة توسيع وتسهيل منافذ تصريف الدولار للمواطنين لتغطية احتياجاتهم وهذا من حقوقهم المشروعة وعدم جعلها مرتعا خصبا للفساد والدلالين والدلالات .


 
المشاركة

اترك تعليق