كنوز ميديا – متابعة 

حلّت رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي ضيفة الشرف في القمة السابعة والثلاثين لمجلس التعاون، لتكون بذلك أول رئيس وزراء لبريطانيا وأول امرأة تحضر قمة خليجية، وثاني زعيم أوروبي يحضر قمة خليجية، وذلك بعد فرانسوا أولاند، الذي سبق أن حلّ ضيف شرف على القمة التشاورية بالرياض، في مايو/أيار 2015. 

الانسحاب الخليجي، بقيادة السعودية، نحو أوروبا، وتحديداً بريطانياً وفرنسا، تنغصه العديد من التخوّفات، سواءً لناحيّة تخلّي الإدارة الأمريكيّة الجديدة عنها، أو أوضاعها الاقتصادية الصعبة بسبب أسعار النفط، أو بقيّة التخوّفات الإقليمية.

السؤال الأبرز الذي يطرح نفسه اليوم بعد هذا الانسحاب نحو بريطانيا، يتعلّق بمصالح هذه الدول وشعوبها، فهل نحن اليوم أمام هجره خليجية، سعودية بشكل خاص، نحو المربّع الأوّل الذي تركته بعد اللقاء الذي حصل على متن طراد يوأس أس كوينسي (CA-71)، بين الملك عبد العزيز آل سعود مؤسس الدولة السعودية والرئيس الأمريكي فرانكلينروزفلت العائد من مؤتمر يالطا؟

لم يكن الخروج السعودية من العباءة البريطانيّة، إلا بعد تراجع دور الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية عالميا لصالح أمريكا والاتحاد السوفياتي، حيث انتقلت بريطانيا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي إلى تصفية وجودها في شبه الجزيرة العربية لتنسحب من الكويت عام 1965 ومن محمية عدن عام 1967، وتلتها ترتيبات مماثلة في مسقط وعمان (1970) وقطر والإمارات والبحرين (1971).

عوداً على بدء، يحق للسعوديّة الانسحاب نحو أي دولة تريد، عدا الكيان الإسرائيلي، شرط الحفاظ على مصالح شعبها، إلا أنّنا نرى أن التقارب الخليجي البريطاني، لا يخدم المصالح العربية، ولا حتّى الخليجيّة منها، لأسباب تاريخية سنذكرها في ثنايا هذه السطور.

أولاً: في حين تُسمع رئيسة الوزراء البريطانية في البحرين الأعضاء ما يحبّونه عن الشراكة والعلاقة التاريخيّة، اتهم خارجيتها بوريس جونسون في تصريح لافت أن السعودية تخوض حروبا في اليمن. نقصد هنا أن كلام رئيسة الوزراء لا يعدّ موقفاً استراتيجياً، بل يأتي في سبيل تحقيق مصالح بريطانيا، سواء الاقتصادية منها أو السياسيّة. ماي نفسها أوضحت قبل القمّة أن “هناك فرصا تقدر قيمتها بـ 30 مليار جنيه إسترليني للشركات البريطانية في 15 مجالا مختلفا في المنطقة خلال السنوات الخمس المقبلة”.

ثانياً: رغم سهوة كثير من المحللين، على ما يسمّى بـ “وثيقة كامبل”، التي تعود إلى العام 1905 ـ1907، إلاّ أنّها تؤسس فعلياً إلى صورة المشهد الاستعماري حيث دعا السير هنري كامبل بنرمان خلال فترة ترؤسه للحكومة البريطانية، دعا سرّاً حزب المحافظين البريطاني عام 1905 م، إلى مؤتمر يهدف إلى إيجاد آلية تحافظ على تفوق ومكاسب الدول الاستعمارية إلى أطول فترة ممكنة، متبنياً فكرة مشروع لحزب الأحرار الحاكم آنذاك.

ثالثاً: أكثر من مئة عام مضت على اتفاقيّة “حجر الأساس” في تقسيم منطقة الشرق الأوسط. أقصد هنا اتفاقيّة “سايكس بيكو” الموقّعة في 16 أيار 1916 بين كل من بريطانيا وفرنسا بغية تقسيم إرث الدولة العثمانيّة التي كانت توصف بالرجل المريض، ومع نهاية الحرب العالمية الأولى لم يبق من “سايكس بيكو” عملياً سوى الترسيم المبدئي لحدود لبنان والعراق والأردن وفلسطين. وهنا نسأل: ألا تعدّ هذه الاتفاقية أحد أبرز الرزايا التي حلّت في المنطقة العربية خلال القرن الماضي؟

رابعاً: بعد اتفاقيّة “سايكس بيكو”، هيّئت بريطانيا الأرضّية لوعد بلفور الذي منح فلسطين لليهود، وتدرك الدول الخليجية، التي عانت أغلبها من ويلات الاحتلال البريطاني، أن ما نعيشه اليوم من أزمات تعود لهذا الوعد الذي زرع غدّة سرطانيّة في خاصرتنا العربيّة. الوثاق التي سمح بنشرها من الأرشيف البريطاني في العام 2005، أي بعد أكثر من 70 عام، تكشف حجم المؤامرات البريطانيّة، منها الوثيقة التي تحمل الرقم “330 FO1093، تحت عنوان “فلسطين: المنظمات اليهودية غير النظامية”، لكن بريطانيا تختلف عن مثيلاتها من الدول الاستعمارية حيث لا تكتفي فقط بالحروب المباشرة والقوة العسكرية طريقاً ووسيلة للسيطرة على البلدان واحتلالها، بل ترسم الخطط وتضع الاستراتيجيات الناعمة.

خامساً: لا تقتصر ألاعيب بريطانياً على ما أسلفناه، فإضافةً إلى إسقاط حكومة ثورة مايو 1941 بزعامة رشيد عالي الكيلاني في العراق، والعدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، ارتكبت بريطايناً مئات وربّما ألاف، الجرائم السياسيّة في منطقتنا العربية مستفيدةً من سلطة الانتداب الممنوحة لها من قبل عصبة الأمم في مؤتمر لندن عام 1922 مع استثناءات في اليمن والسعودية والأردن.

تدرك الدول الخليجية حجم المكر البريطاني واللعب على كافّة الحبال، إلا أن فشل الاستراتيجيّة السعودية في المنطقة وتخلّي أمريكا الجزئي عنها، دفعها للسير بركب بريطانياً، الأمر الذي يعدّ خيانةً للقضيّة الفلسطينية، فضلاً عن كونه خيانةً للشعوب الخليجية قبلها، لأننا لا نعتقد بأن بريطانيا تقيم علاقاتها على أساس الإحترام المتبادل ورعاية حدودها السياسيّة، وهذا هو أبرز سبب لانسحاب عبد العزيز نحو أمريكا، بسبب احتقار رئيس الوزراء البريطاني، ونستون تشرشل له، فتشرشل عنصري حتى النخاع، ويحتقر العرب.

أشاطر الكاتب الفلسطيني القدير جهاد الخازن الحلم نفسه، فقد كتب في مقاله الأخير في صحيفة “الحياة” السعودية “كنت يوماً أحلم بتعاون عربي – إيراني ضد إسرائيل”، لكنني أختلف معه في الجهة التي تحول دون هذا التعاون، فهل من يلجأ إلى أمريكا بسبب احتقار بريطانيا له (الملك عبد العزيز)، ولاحقاً إلى بريطانيا بسبب تهديد ترامب له (الملك سلمان) قادر على مواجهة الكيان الإسرائيلي؟ لو أعادت دولنا العربية بوصلتها إلى فلسطين، لكان الرئيس روحاني هو ضيف الشرف في القمّة الخليجية، بل القمّة العربية المنعقدة في القدس!

المشاركة

اترك تعليق