كنوز ميديا / بغداد – لم يعد سراً على الإطلاق انزعاج المملكة العربية السعودية من تقارب حليفتها الكبرى واشنطن مع غريمتها الإقليمية إيران، فهذا التقارب قد يأتي على حسابها وخصوصاً في الساحات التي صادر فيها النفوذ الإيراني مواقع مؤثرة على حساب النفوذ السعودي – العربي، ولا سيما منها سوريا بعد العراق ولبنان واليمن والبحرين، ويصبح احتمال الخسارة أكبر إذا ما فك الارتباط النفطي بين المملكة السعودية والولايات المتحدة.

images (2)

 ومن الطبيعي ان يشعر السعوديون  بالإحباط جراء عدم قدرتهم على حجب ما يرونه عودة إيران إلى الساحة الديبلوماسية والدولية، ونهج واشنطن التوافقي والتصالحي تجاه طهران، كما ينتابهم القلق من بقاء نظام الأسد في سوريا، الأمر الذي يمنح إيران إنتصاراً ستراتيجياً بدلاً من الإنتكاسة التي تحاول الرياض تعزيزها وتحقيقها من خلال دعمها لمقاتلي المعارضة في سورية.

ازاء هذه الضربات المتتالية فقدت الرياض ميزتها الأساسية وهي الهدوء وضبط النفس، ورفعت شعار المقاومة والممانعة، لكن ليس لاسرائيل انما لايران وحلفائها في المنطقة، فوصفت خصوم النظامين في البحرين واليمن بالارهابيين واختلفت في ذلك حتى مع واشنطن التي ترى في هؤلاء مجموعات سياسية يفترض التحاور معها.

images (1)

وأخذت على عاتقها ايضا مقاومة حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي في بغداد، وحزب الله في لبنان، وقطعت الخيوط مع حماس والجهاد في فلسطين.

أما في سوريا فأعلنت الحرب المفتوحة بكل الوسائل لاسقاط نظام صديق طهران بشار الاسد، ولم ترى غيظا في اقامة اي تحالف جديد دولي او اقليمي لإغاظة طهران.

لكن في حقيقة الامر، هل اصابت الرياض في رفضها الاتفاق بين الغرب وطهران؟. في اعتقادي انها اخطأت. اولا لان الاتفاق يجنب المنطقة شر حرب جديدة والحرب معناها عدم الاستقرار في المنطقة، والسعودية تدرك اكثر من غيرها مخاطر اية حرب جديدة في منطقة الخليج.

qq1op1

ثانيا: ان رفضها الاتفاق يجعلها رغما عنها في خندق واحد مع اسرائيل، وهذا ما لا تحبذه المملكة حتما.

ثالثا: ان العالم كله ايد الاتفاق بما في ذلك دول خليجية تدور في الفلك السعودي مثل الامارات التي لديها مصالح كبيرة مع طهران على رغم الخلاف على الجزر وكذلك سلطنة عمان التي ساهمت مساهمة فعالة في الاتفاق، فهل تغامر السعودية بشطر مجلس التعاون وهل يمكنها الاستمرار في الوقوف بوجه المجتمع الدولي الواسع بما في ذلك روسيا والصين حيث الخلاف بين الجانبين في شأن سوريا والتطرف الاسلامي عميق جدا؟، وهل يمكن لفرنسا الضعيفة تعويض المملكة كل هذه الخسائر؟. الاهم من ذلك كله ان عودة ايران الى المجتمع الدولي سيجعلها تتغير من داخلها فهل يمكن لايران ان تتحمل اعباء مثل هذا التغيير الدراماتيكي الكبير؟ ولعل رد فعل المحافظين في ايران على الاتفاق خير دليل على ذلك .

في سوريا، المملكة تريد اسقاط النظام لاسباب عدة ابرزها قطع الجسر الايراني الى قلب المنطقة العربية وخصوصا الى لبنان وفلسطين، وهي تعتبر انها احق من ايران في وراثة النظام السوري الحالي بإقامة نظام جديد متحالف معها، لكن الحرب في سوريا لم تنته بعد والرهانات السعودية لا تزال خاسرة، وفي المقابل ايران تحقق مكاسب.

4418741585686800

اكثر من ذلك فان السعودية باتت الآن على تنافس واضح مع قطر الصاعدة وغير معلن مع تركيا في الشأن السوري في مواجهة حلف آخر شديد التماسك والتفاهم، فأنقرة تحاول أن تلتحق بالتغيرات الإقليمية التي بدأت تتضح معالمها عبر تقارب غربي – إيراني، كي لا تجد نفسها خارج المعادلات السياسية. المؤشرات كلها حتى اللحظة تشير الى صعوبة تحقيق مكسب حاسم لفريق في سوريا على الفريق الآخر، وتاليا أليس الآن هو الوقت المناسب لاتفاق ايراني – سعودي على تسوية في سوريا؟ ايران التي قبلت بنصف انتصار في شأن يعنيها هو الشأن النووي،وهي مضطرة الى اعتماد البراغماتية من اجل انجاح اتفاقها، هل ستعاند اتفاقا في سوريا يضمن لها الحد الادنى من المصالح؟ واذا قرأنا جيدا من يمكن ان يستفيد مستقبلا من اية تسوية نظرا الى الوقائع الديموغرافية والاقتصادية فحتما الحصة الموالية للسعودية ستكون الاكبر في المستقبل. لكن على المملكة ان تقتنع اولا!.

لقد خسرت السعودية محيطاً إقليمياً كان قبل سنوات متصالحاً معها، ولم يبق أمامها سوى دول إما مصنّفة في خانة الخصوم، أو تكاد تنال وصمة الدولة الفاشلة. وعلى الرغم من إطاحتها حكومة الرئيس المعزول محمد مرسي إلا أن مصر الحالية لم تستعد دورها القومي بعد، وفي تكوين الوعي الشعبي لا تبدو السعودية في القائمة المفضّلة المصرّية، فالتاريخ القريب من التنافس على مناطق النفوذ التقليدية حيناً والنزاع غير المباشر أحياناً لا يخدم الأهداف المرسومة سعودياً.. وفي ظل أحاديث عن تسويات كبرى في المنطقة، تجنح السعودية لأن تتحوّل الى أداة تعطيل فاعلة، فلا حل في سوريا، وتالياً لا حكومة في لبنان، ولا حل في البحرين، وتالياً لا حكومة منتخبة، ما يعني بقاء رئيس الوزراء خليفة بن سلمان في منصبه، والأهم من ذلك كله توظيف كل إمكاناتها المالية وشبكة علاقاتها الاقليمية والدولية لمنع التقارب الاميركي الايراني .

وكحاصل نهائي، فإن السعودية تعيش في الوقت الراهن أسوأ مراحلها من حيث خسارتها لأكبر شبكة تحالف صنعتها لعقود طويلة ودفعت فيها مئات المليارات من الدولارات، ولم تحصل على سوى القليل منها في زمن الأزمات، لكن في اية مقارنات ممكنة وعلى اي مستوى كان، فان للمملكة قدرات لاتملكها اية قوة اقليمية اخرى في المنطقة :ماديا، طائفيا، سياسيا، ديبلوماسيا، فلماذا تفرط المملكة بقدرات كبيرة وتواصل الرهان الخاطىء الذي يمكن ان يزيد من خسائرها؟

والمملكة، على الرغم من خلافها الواضح مع واشنطن، الا انها تظل الشريك الاقوى لاميركا في المنطقة على الاقل نظرا الى حاجة واشنطن لراعٍ عربي واسلامي كبير لاية تسوية فلسطينية اسرائيلية تسعى الادارة الاميركية لانجازها في اقرب وقت لتمرير صفقة مجحفة مع الفلسطينيين بغطاء عربي، وتعتبرها انجازا تاريخيا غير مسبوق.

لا تزال واشنطن أقرب الى الرياض في جميع قضايا الشرق الأوسط من أية قوة عالمية أخرى في الوقت الحالي باستثناء فرنسا التي اتخذت موقفاً متشدداً من إيران.

إن إيران اليوم تتجه الى الانفتاح والعرب يتجهون وبعضهم يتسابقون للتقرب إليها، وإنشاء علاقات معها بما فيهم دول الخليج العربي،ومن غير المعقول أن يتجه الجميع لتطوير علاقاتهم بطهران، وأن تبقى السعودية بعيدة عنها. وتاليا لا بد للسعودية من عملية إصلاح واسعة، وتجديد مرتكزاتها ومؤسساتها الفكرية والسياسية، وذلك انطلاقاً من أن تغيّر المجتمعات يفرض على الدول أن تتأقلم مع هذا التغيّر وأن تستجيب له بقوة، وإذا لم تفعل، فإن ذلك سيؤدي الى وجود هوة كبيرة بين المجتمع من جهة، والمجتمع السياسي أو الدولة من جهة أخرى، فالسعوديون يدركون أنهم في حاجة لإعادة هيكلة مؤسستي السياسة الخارجية والأمن القومي، حتى يتحركوا دولياً على نحو يتناسب مع الأهمية والتأثير السياسي والاقتصادي والديني الذي تتمتع به المملكة، ولكن اذا استمر الوضع على هذا المنوال فقد يأتي موعد الحصاد وتكون فيه الديبلوماسية السعودية في حال بائسة.

 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here