كنوز ميديا – بعد عقود من فرض هيمنتها على شؤون الشرق الأوسط وغرب آسيا لازالت أمريكا تواصل هذا النهج باعتباره يمثل أحد أهم أركان سياستها الخارجية، وذلك من خلال إفتعال الكثير من الأزمات وفي مقدمتها إثارة الحروب والنزاعات بين دول المنطقة وتكثيف تواجدها العسكري بحجة محاربة الإرهاب، ومكافحة أسلحة الدمار الشامل، وتحريك ما يسمى مفاوضات التسوية بين السلطة الفلسطينية والكيان الإسرائيلي.

وتسعى أمريكا إلى توظيف هذه الأزمات من خلال تقمص دور المنقذ للبشرية والظهور بمظهر المدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة والعالم.

وعملت أمريكا في البداية على خلق أزمات دائمة من خلال إشعال فتيل العديد من الحروب بين دول المنطقة لتهيئة الأرضية لشركاتها الاقتصادية والمصنعة للسلاح لاستثمار الظروف السيئة التي تتزامن عادة مع هذه الحروب تمهيداً للتدخل العسكري المباشر في شؤون المنطقة بحجة السعي لوقف الاضطرابات التي تنجم عن تلك الأزمات، لتقوم بعدها الإدارة الأمريكية بتغيير بعض الأنظمة في المنطقة تحت عناوين مكافحة الإرهاب أو محاربة الديكتاتورية والرجعية بذريعة تطبيق الديمقراطية وذلك من أجل تعزيز النظام الرأسمالي الذي تعتمده واشنطن إقليمياً ودولياً.

ويمكن تلخيص أهم المجالات التي سعت أمريكا من خلالها إلى فرض هيمنتها على الشرق الأوسط والتدخل الدائم بشؤونه بما يلي:

– دعم الكيان الإسرائيلي الغاصب وتكريس الأزمات المتواصلة منذ عقود سواء كانت داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة أو بين كيان الاحتلال والدول العربية المحيطة به.

– دعم الأنظمة الدكتاتورية في المنطقة كنظام الرئيس العراقي الأسبق “صدام حسين” خلال حربه ضد إيران في ثمانينات القرن الماضي والتي هيأت الأرضية لنشوب أزمات متعددة مكّنت أمريكا فيما بعد من توسيع نفوذها في عموم المنطقة.

بيع أسلحة بمئات المليارات من الدولارات إلى كثير من دول المنطقة لاسيّما دول مجلس التعاون.

– تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية مع العديد من الدول الإقليمية لاسيّما دول مجلس التعاون.

– إشاعة روح العداء للجمهورية الإسلامية في إيران في أوساط العديد من دول المنطقة، تحت مسمى “رهاب إيران” أو ما يعرف بـ “إيران فوبيا”.

– إنشاء قواعد عسكرية في العديد من دول المنطقة بينها تركيا والأردن وبلدان مجلس التعاون.

– تأسيس جماعات إرهابية في المنطقة على غرار تنظيم “القاعدة” الذي دخل أفغانستان عام 1996 بقيادة “أسامة بن لادن” لخلق أزمات دائمة ومتعددة الجوانب في هذا البلد الذي كانت تسيطر عليه حركة “طالبان” في ذلك الوقت.

إستغلت أمريكا أحداث 11 سبتمبر 2001 في نيويورك لإرسال جيوشها إلى المنطقة تحت ذريعة محاربة الإرهاب بعد إتهام تنظيم “القاعدة” بالوقوف وراء هذه الحوادث.

– روّجت إدارة الرئيس الأمريكي السابق “جورج بوش الابن” إلى أن حروبها في المنطقة تهدف إلى إقرار الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان. وأطلق بوش مقولته الشهيرة في بداية الألفية الثالثة “من ليس معنا فهو ضدّنا” وهي مقولة تعكس بوضوح نوايا واشنطن لمدّ نفوذها في المنطقة والعالم تحت ذريعة محاربة الديكتاتورية والإرهاب.

وبعد عام 2001 ونتيجة غزو أفغانستان واصلت القوات الأمريكية والقوات الحليفة لها في “الناتو” إحتلالها لهذا البلد بحجة محاربة الإرهاب ودعم حكومة الوحدة الوطنية برئاسة “أشرف غني أحمد زي” ومن قبلها حكومة “حامد كرزاي”.

– سعت أمريكا من خلال طرح ما يسمى “مواجهة محور الشر” من قبل إدارة “جورج بوش الابن” إلى تكريس تواجدها العسكري في المنطقة الذي إبتدأت حلقاته باحتلال العراق عام 2003 واستمر فيما بعد عبر مشروع “الشرق الأوسط الكبير أو الجديد”.

– إستغلت أمريكا ظروف العراق السياسية والأمنية التي نجمت عن غزوها لهذا البلد لتوسيع نفوذها هناك، بحجة مساعدة الحكومة العراقية في إطار الاتفاقية الأمنية التي وقّعها البلدان عام 2008.

– إستغلت أمريكا الخلافات المستمرة بين حكومة إقليم كردستان العراق والحكومة المركزية للتدخل في شؤون هذا البلد بحجة المصالحة الوطنية، في وقت يعلم الجميع أن الإدارة الأمريكية لازالت تسعى لتنفيذ مشروعها الذي طرحه نائب الرئيس “جو بايدن” عام 2007 والرامي إلى تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق “شيعية وسنيّة وكردية”.

– إستغلت أمريكا وجود الجماعات الإرهابية لاسيّما تنظيم “داعش” في سوريا والعراق لتكثيف تواجدها العسكري في المنطقة بحجة محاربة التطرف، في وقت يعلم الجميع أن الإدارة الأمريكية هي من ساهمت بتشكيل ودعم هذه الجماعات، وهناك إعترافات كثيرة لمسؤولين أمريكيين بهذا الخصوص من بينها إعتراف مرشحة الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة “هيلاري كلينتون”.

ساهمت الإدارة الأمريكية بشكل أو بآخر بتقوية الوجود السلفي المدعوم من قبل الفكر الوهابي الذي تتبناه السعودية لتبرير تواجدها العسكري والأمني في المنطقة بحجة مواجهة هذا الفكر المتطرف.

– تسعى الإدارة الأمريكية بين الحين والآخر لتحريك ملف مفاوضات التسوية بين السلطة الفلسطينية والكيان الإسرائيلي بهدف تكريس تواجدها السياسي في الشرق الأوسط وهي تدرك تماماً أن التوصل إلى إتفاقية بهذا الشأن أمر مستحيل، نظراً لتعنت كيان الاحتلال ورفضه إعادة الحقوق المغتصبة للشعب الفلسطيني، وإصراراه على بناء المستوطنات، ورفضه التفاوض حول القدس وعودة اللاجئين.

من خلال قراءة هذه المعطيات يتبين بوضوح إنّ الإدارة الأمريكية لا تدع فرصة حتى وإن كانت ضئيلة للتدخل في شؤون المنطقة بهدف تمزيق دولها والهيمنة على ثرواتها والتحكم بمصير شعوبها خدمة لمصالحها ومصالح حلفائها لاسيّما الكيان الإسرائيلي. ولكن هناك شبه إجماع لدى الباحثين في شأن الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة أنها تنكمش يوماً بعد آخر خاصة بعد الإجراءات التي إتخذتها تجاه الأزمة السورية والقضية النووية الإيرانية، ما يثبت أن عصر الهيمنة الأحادية ودور شرطي العالم قد إنتهى، وهو ما أكده أيضاً مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق “زبغنيو بريجنسكي” بإعلانه أن “حقبة هيمنة أمريكا على العالم قد إنتهت”.

كما يستفاد من الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط أن واشنطن قررت التخلي عن نظرتها السابقة والتي كانت تقوم على أساس أن المنطقة منقسمة بين معتدلين ومتطرفين، لأن واقع الحال فرض معطيات مختلفة تماماً، حيث إكتشف الجميع أن من كان يصنف سابقاً زعيماً لدول الاعتدال، ويقصد به السعودية، هو عرّاب الإرهاب الدولي والداعم الأبرز له، في حين أن من كانوا يصنفون في خانة التطرف كإيران ومحور المقاومة هم من يحاربون الإرهاب والفكر التكفيري على أرض الواقع.

المشاركة

اترك تعليق