كنوز ميديا / تقارير

منذ أن ضجّ العالم بوجود أثار لاستخدام مواد كيميائية في الغوطتين الشرقية والغربية في العام 2013، لم تغب قضيّة استخدام السلاح الكيميائي في سوريا عن التداول السياسيّ والإعلاميّ والإنسانيّ. ولكن تزامن إعادة طرحها بقوّة في الآونة الأخيرة يبدو مرتبطاً أكثر بتعليق التفاهم الروسيّ-الأميركيّ، لتتضح صورة سقوط هذا التفاهم وتعطّل جهود التوصل إلى حل سلمي للأزمة.
ملف الكيميائي السوري يتأرجح بين الاعتبارات الإنسانية والسياسية

ملف الكيميائي السوري يتأرجح بين الاعتبارات الإنسانية والسياسية
قلق المجتمع الدولي على الإنسانية ومنع استخدام أسلحة الدمار الشامل ومنها الأسلحة الكيميائية يرتفع ويهبط بحسب المسار السياسي الذي تخوضه القوى المؤثرة هنا وهناك. هو في لحظة ما يكون محموماً لا يطيق الانتظار، وفي سنواتٍ أخرى يكون بارداً برود هيئة الأمم المتحدة إزاء جرائم إسرائيل مثلاً.وخلال مسار الأزمة السورية المفتوح على خمس سنوات إلى الوراء، وما يعلم الله منها إلى الأمام، تحركت إنسانية القائمين على دوران السياسة في نيويورك كثيراً من جراء الادعاءات باستخدام أسلحة كيميائية في الحرب السورية. بين الجيش السوري و”داعش” وجبهة النصرة وفصائل الجيش الحر والمعارضات الأخرى، تاهت المسؤولية عن الأرواح التي أزهقت بفعل المواد الكيميائية التي أثبت وجودها في مناسبات محددة، بينما بقيت الادعاءات الأخرى غير قابلة للتثبت منها.

وبعيداً عن عدد المرات التي تقاذفت أطراف الحرب فيها الاتهامات باستخدام السلاح الكيميائي، فإن المراقب لمنسوب الاهتمام الدولي بهذا الملف يجد أنه يرتبط باضطراد مع المسارين السياسي والعسكري للأزمة السورية. والحقيقة أن الوصول إلى هوية مستخدمي هذه الأسلحة مهمة شبه مستحيلة في ظل عدم تمكن فرق التحقيق المتخصصة من الكشف عن كل المواقع التي اشتُبه باستخدام الكيميائي فيها. فوجود عوائق أمام هؤلاء للوصول إلى أماكن وقوع جرائم الكيميائي يحجب الحقيقة حتماً. إذ أن التحقيق الجدي في هذه المسائل لا يمكن أن يتم عن بُعد، والنتائج الحاسمة لهذه الاتهامات تثبت على الأرض مباشرةً وليس في نيويورك أو لاهاي. والأكيد أنها لا يجوز أن تبنى على تكهناتٍ تسير وراء المصلحة السياسية.

ومنذ أن ضجّ العالم بوجود أثار لاستخدام مواد كيميائية في الغوطتين الشرقية والغربية في العام 2013، لم تغب قضيّة استخدام السلاح الكيميائي في سوريا عن التداول السياسيّ والإعلاميّ والإنسانيّ. ولكن لا يمكن اعتبار تزامن إعادة طرحها بقوّة في الآونة الأخيرة مرتبطاً بتقارير الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائيّة، اللتان تقومان بالتحقيق حول احتمال وقوع عشرات الحوادث المشابهة في سوريا ما بين العامين 2014 و2016، بل إنه يبدو مرتبطاً أكثر بتعليق التفاهم الروسيّ-الأميركيّ، لتتضح صورة سقوط هذا التفاهم وتعطّل جهود التوصل إلى حل سلمي للأزمة.

بدا وزير الخارجية الأميركي جون كيري واثقاً جداً من حديثه حين أكّد منذ أيام أنّ النظام السوري “لا يتردد في إستخدام السلاح الكيميائي ضد مواطنيه”. ولم يكن الرد الروسيّ السريع أقل ثقة عندما استخف نائب وزير الخارجية أوليغ سيرومولوتوف بالاتهامات الموجهة ضد الحكومة السورية بإعتبار أنّ “الجميع يعرف بأنّه لم يعد هناك وجود لأسلحة كيميائية لدى الجيش السوري”. كما أن سيرومولوتوف حذّر من احتمال وقوع استفزاز قريب عن طريق استخدام المجموعات المسلّحة للسلاح الكيميائي بهدف اتهام الجيش السوري.

من جهتها، تتحضّر الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في أواخر تشرين الأوّل/اكتوبر الحاليّ لتقديم تقريرها الرابع والأخير حول إستخدام السلاح الكيميائيّ في سوريا. في ظل ترويج إشارات كثيرة توحي بحسب منظمة “هيومن رايتس ووتش” ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى استخدام القوات الرسمية السورية خلال شهر أيلول/سبتمبر الماضي لأكثر من مرة أسلحةً كيميائية في قصف على مناطق تقع تحت سيطرة المسلحين المناوئين لها في مدينة حلب. وذلك إلى جانب معلومات جديدة تظهر استخدام تنظيم “داعش” لمواد كيميائية كسلاحٍ في الآونة الأخيرة. بالمقابل تصرّ الحكومة السورية على تأكيد استعدادها للتعاون في أي تحقيقٍ جديد سيفتح على خلفية هذه الاتهامات، وهي التي تعاونت منذ عام 2013 لتسليم كل مخزوها من الأسلحة الكيميائية، وتلقت إشادات أميركية وروسيا وأممية في أكثر من مناسبة.

احداث استخدام الكيميائي في سوريا، المفترض منها والمثبت، لا يبدو لها من مرتكبٍ واضحٍ حتى اليوم. التقرير الثالث للجنة المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية حول استخدام السلاح الكيميائي في سوريا في الفترة ما بين 11 نيسان/أبريل 2014 و21 آب/أغسطس 2015، أكد أنّ الجيش السوري شنّ هجومين بغاز الكلور، المرة الأولى كانت في تلمنس/إدلب في 21 نيسان 2014 والثانية في سرمين/إدلب في 16 آذار 2015. ولكن المريب في هذا الادعاء هو أن تاريخ هذا الاستخدام جاء بعد اعتراف الأمم المتحدة وإشادة القوى الكبرى بأن سوريا سلّمت مخزونها من الكيميائي. بالمقابل يقول التقرير نفسه إن تنظيم “داعش” استخدم غاز الخردل في مارع/حلب في 21 آب 2015. إلى جانب ثبوت استخدام مواد كيميائية في مدينة بنّش/إدلب في 24 آذار/مارس 2015، من دون اتهام أيّ طرف بها.

هذه الأحداث الأربعة تشير بإصبع الاتهام إلى الحكومة السورية وداعش وطرف غير محدد، واللافت بشأن الطرفين المحددين على الأقل أنهما خصوم للتحالف الغربي ولفصائل المعارضة السورية الكثيرة على الأرض. بينما بقي 19 ادعاءً آخرين باستخدام مواد كيميائية من دون تحديد الفاعل، وقع أغلبها في محافظة إدلب قالت اللجنة إنها حققت بها مؤخراً، بحسب تقريريها الأوّل والثاني. علماً أن مئات الشكاوى التي سلمها مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري للمنظمة الدولية بقيت من دون اهتمامٍ يذكر، وبين هذه الشكاوى ما يتعلق باستخدام موادٍ كيميائية ضد قوات الجيش السوري والمدنيين.

 


مسلسل الادعاءات باستخدام الكميائي في سوريا

من مشاهد الدمار في سوريا

من مشاهد الدمار في سوريا
وكانت أوّل حادثة استخدام للسلاح الكيميائيّ في سوريا سجلت في منطقة خان العسل قرب حلب، وبالرغم من خطورة ذلك، إلّا أنّ حدث غوطة دمشق كان وقعه أقوى على العالم، بسبب انتشار مشاهد مصوّرة قيل إنها للمكان وللضحايا الذين تخطى عددهم الألف إنسان، من دون أن يتم التوصل إلى الفاعل على الرغم من تحرك المجتمع الدوليّ سريعاً بدوله الكبرى ومجلس أمنه ومؤسساته الإنسانية، وقول الحكومة السورية إنها قدمت دلائل على مسؤولية المعارضة عن الحدث، فبقيت التحقيقات التي أجريت مبهمة، وتم تجهيل الفاعل.خان العسل (19 آذار/مارس 2013)، والغوطة (21 آب/أغسطس 2013)، تاريخان كادا يؤديان إلى حرب كبرى على سوريا. ولكنهما بعد استنفار الديبلوماسية الروسية قادا واشنطن وموسكو إلى تفاهم على نزع مخزون دمشق من الأسلحة الكيميائية، وهذا ما حصل لاحقاً. وقد رجّح تقرير المفتشين الدوليين الصادر بتاريخ  13 كانون الأوّل/ديسمبر 2013 مسؤولية الحكومة عن الحادثتين، لكن الإدارة السورية بشخص رئيسها بشار الأسد نفت ذلك سريعاً، بينما وصفت روسيا التقرير بـ”المنحاز، وغير المكتمل”، ليوجه الطرفان الاتهام إلى المعارضة السوريّة، التي استمرّت كل من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا وألمانيا بالدفاع عنها، وبالمطالبة بمعاقبة الحكومة السوريّة على “ارتكاب مجازر بحق الإنسانيّة”.

لقد استغلّت الولايات المتحدة الحادثتين ليهدّد الرئيس باراك أوباما بشنّ ضربة عسكريّة على سوريا في أيلول/سبتمبر من العام 2013. ومع تسارع المواقف الروسية والإيرانية والصينية المنددة والمهددة بالرد في حال تعرّض سوريا لضربة عسكريّة أميركية، نجحت روسيا وأميركا سريعاً في التوصل إلى اتفاق ينصّ على النزع الكامل لجميع الأسلحة الكيميائية ومعداتها من سوريا خلال مدة أقصاها النصف الأول من العام 2014. وتزامن الاتفاق مع صدور قرار مجلس الأمن رقم 2118 الذي ينصّ على تدمير مخزون سوريا من السلاح الكيميائيّ وانضمام سوريا إلى اتفاقية حظر استحداث وإنتاج وتخزين واستعمال الأسلحة الكيميائية.

وبالفعل التزمت سوريا بالقرار وقامت خلال شهريّ أيار/مايو وحزيران/يونيو 2014 بتسليم كامل سلاحها الكيميائيّ ونقله إلى خارج البلاد، وبذلك تكون مهمّة القضاء على برنامج سوريا للأسلحة الكيميائية قد انتهت بالكامل بحسب تقارير اللجنة المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة خظر الأسلحة الكيميائية.

في الجزء الثاني من هذا الملف نتطرق إلى البعد السياسي الكامن وراء إعادة طرح قضية استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا بعد فشل التفاهم الروسي-الأميركي، وكيف أن صعود وهبوط الحديث عن الأسلحة الكيميائية يرتبط بالتنافس العسكري على الأرض بين حلفاء الطرفين، والتنافس السياسي بينهما على سوريا.

المصدر .. الميادين

ar

المشاركة

اترك تعليق