كنوز ميديا/ تقارير

تتزايد مؤشرات استغلال ملف استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا سياسياً بالنظر إلى توقيت إعادة طرحه بعد تعطل التفاهم الروسي الأميركي حول حلب، والتقدم الميداني للجيش السوري بغطاء جوي روسي في المدينة. حيث يبدو الغرب ساعياً إلى تعويض اختلال الموازين الميدانية باستخدام القانون الدولي.
الملف يتجه نحو مزيد من التسييس

الملف يتجه نحو مزيد من التسييس
سلمت سوريا مخزونها من الأسلحة الكيميائية في حزيران/يونيو من عام 2014، ولكن ذلك لم يوقف استغلال هذا الملف في سياق التنافس السياسي بين القوى الكبرى. واستمرت الادعاءات بمسؤولية الحكومة السورية عن أحداث قيل أنه جرى فيها استخدام مواد سامة. ففي مراحل المفاوضات بين الروس والأميركيين كان بيدق الملف الكيميائي يُحرّك عند وصول النقاش إلى نقطة مسدودة، فإما يعيد فتحها، وإما تُفتح صفحة جديدة من صفحات الحرب، وتحفر قنوات لدماء السوريين وغيرهم ممن جاء ليدافع عن مبدأ أو مصلحة أو فرصة..وبعد المحطات التي ذكرناها في الجزء الأول من هذا الملف، عاد التهديد بفتح محاكمات حول استخدام الكيميائي في الأشهر الماضية إلى الواجهة. ثلاثة ادعاءات جديدة برزت في نيسان/ابريل وآب/أغسطس وأيلول/سبتمبر من العام الحالي. الأول في حي الشيخ مقصود بحلب في 27 نيسان/ابريل، والثاني في سراقب بريف إدلب في الثاني من آب/أغسطس. أما الثالث فهو الذي تحدث عنهرئيس منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أحمد أوزومجو يوم 9 أيلول/سبتمبر، حين عبّر عن انزعاجه مما قال إنه “هجوم محتمل بغاز الكلور يشتبه في أن مروحيات تابعة للجيش السوري شنته على مناطق المعارضة في مدينة حلب”. مؤكداً أن المنظمة ستجري تحقيقاً في هذه الادعاءات الثلاثة.

المسؤولية عن هذه الأحداث لم تحسم بعد، ولا يمكن تأكيد هوية مرتكبيها خصوصاً في ظل الاتهامات المتبادلة بين الحكومة السورية والجماعات المسلحة بالمسؤولية عنها. ولكن اللافت هنا أن هذه الاتهامات جاءت بعد تعطّل التفاهم الروسي-الأميركي حول وقف النار في حلب. سياقٌ جديد من الضغط على روسيا وحليفتها بدء بعد ذلك. ولم يوقف ذلك استعداد الخارجية السورية للتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والذي عبرت عنه في بيانها الذي أصدرته يوم 8 أيلول/سبتمبر الماضي.

هذا الاستعداد أثبتته الحكومة السورية من خلال مئات الرسائل التي وجهتها للمنظمة الدولية حول ارتكابات فصائل المعارضة والتنظيمات الإرهابية والدول الداعمة لهؤلاء على الأراضي السورية. 25 منها كانت مخصصة لاستخدام أسلحة كيميائية ضد الجيش السوري والمواطنين، سلّمها مندوب سوريا لدى المنظمة بشار الجعفري، الذي انتقد مراراً التقاعس عن قراءة الرسائل. وطلب من الأعضاء خلال جلسة مجلس الأمن للتصويت على القرار الفرنسي بشأن حلب في 8 تشرين الأوّل/نوفمبر إيلاءها الأهمية اللازمة. رسائل مهملة لم تتعامل معها المنظمة بالجدية المطلوبة وفق رؤية الحكومة السورية. في المقابل، ادعاءات معدودة ركّزت عليها الدول الكبرى في هذا الشأن، واللافت فيها أنها بأكملها موجهة ضد الحكومة السورية، أو ضد داعش.

وعاد الجعفري ليؤكد في بيان ألقاه أمام اللجنة الأولى المعنية بنزع السلاح والأمن الدولي على هامش الدورة الحادية والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الأربعاء 11 تشرين الأوّل/نوفمبر، أن سوريا انضمت إلى معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية، انطلاقاً من إيمانها بالسعي نحو إخلاء منطقة الشرق الأوسط من كل أسلحة الدمار الشامل. وأنها قامت بالوفاء بالتزاماتها الناتجة عن الانضمام للاتفاقية وأنجزت هذه الالتزامات رغم الظروف القاسية والصعبة التي تمر بها.

ورفض الجعفري الاتهامات الموجهة لبلاده في التقرير الثالث وغير النهائي الصادر عن آلية التحقيق المشتركة بخصوص “استخدام الكلور في تلمنس وسرمين” (2014 و2015 توالياً)، واعتبر انه “مملوء بالكثير من الثغرات الهيكلية والتباينات التي تؤدي حكماً للطعن جملةً وتفصيلاً في الاستنتاجات التي توصل إليها”.

حديث الجعفري عن الثغرات في التقرير الأخير لا تنفيه اللجنة المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية التي تشير في بداية وختام كل تقرير إلى صعوبة وصول فرق التحقيق إلى العديد من المناطق المذكور أنها تعرضت لهجمات كيميائية، وبالتالي استنادها في تحديد هوية المرتكب على هوية الطرف المسيطر على المنطقة المتعرضة للهجوم. فإذا تعرضت منطقة تسيطر عليها المعارضة لهجوم بسلاح كيميائي، تنحو المنظمة باتجاه تحميل الحكومة المسؤولية. وإذا تعرضت منطقة تسيطر عليها الحكومة لهجوم، تذهب إلى تحميل “داعش” المسؤولية.

وبكل الاحوال، فإن التحقيق بهذه الارتكابات لا تتوفر له الظروف الموضوعية الضرورية للوصول إلى الحقيقة. فإمكانية وصول فرق التحقيق إلى غالبية المناطق المصابة غير متوفرة بحسب تقارير المنظمة نفسها. ومسرح الأحداث يتم تبدّل القوى المسيطرة عليه بصورةٍ دائمة. ودفاع الطرف الحكومي والمعطيات التي يقدمها لا تؤخذ بعين الاعتبار. ثم إن التقارير الثلاثة تتشابه لناحية عدم تقديمها أي جديد، وهي تبدو كنسخٍ هدفها إعادة إحياء الوقائع نفسها، والاتهامات ذاتها، والتذكير بالمتهم عينه. بالإضافة إلى أن توقيت صدور هذه التقارير الثلاثة تغلفه الريبة، فهي تأتي في فترات وصول المفاوضات الروسية الأميركية إلى عنق الزجاجة. والحال كذلك بالنسبة للتقرير الرابع المرتقب بعد تعطّل التفاهم الروسي الأميركي، والذي يتوقع صدوره في الأيام العشرة الأخيرة من تشرين الأول/نوفمبر الحالي. والجديد في هذا التقرير يمكن اختصاره بالتحفّز لمحاكمة الحكومة السورية وفرض عقوبات عليها على خلفية استخدام أسلحة كيميائية في أكثر من مناسبة.

وفي سياق ردّه على اتهام التقرير الثالث لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية والأمم المتحدة الحكومة السورية بإستخدام السلاح الكيميائي، أكد الرئيس السوري بشار الأسد في مقابلة أجراها مع التلفزيون السويسري SRF1 في 19 تشرين الأول/نوفمبر الحاليّ، أن القضية الكيميائية “قضية زائفة ورواية خيالية”، مشيراً إلى عدم وجود دليل واحد يثبت أنّ الجيش السوري يستخدم الأسلحة الكيميائية.

وأكدّ الأسد أنّ تقرير الأمم المتحدة لم يكن ذا مصداقية واستند إلى مزاعم وإلى تقارير أخرى مزوّرة،  وقال “لو أردت استخدام أسلحة دمار شامل كتلك فإنك ستقتل آلاف الأشخاص في حادث واحد، ولم تقع لدينا مثل تلك الحوادث، إضافةً إلى ذلك، فنحن ما كنا لنستخدمها لأننا كنا سنقتل شعبنا، وهذا يتعارض مع مصلحتنا، وبالتالي، فإن هذا اتهام زائف ولا ينبغي أن نضيّع وقتنا عليه، أنت موجود في سوريا، وهناك حرب تقليدية، وليس هناك أي شيء له علاقة بأسلحة الدمار الشامل”.

واتهم الأسد في مقابلته الجماعات المسلحة بإستخدام أسلحة كيميائية ضد الجيش السوري في مدينة حلب عام 2013 (خان العسل والغوطة)، مشيراً إلى أنّ الولايات المتحدة الأميركية عارضت حينها إرسال وفد للتحقيق في هذه الحادثة لأنها “كانت تعرف مسبقاً أن هذا التحقيق إذا كان حيادياً سيثبت أن أولئك الإرهابيين هم الذين استخدموا الأسلحة الكيميائية ضد الجيش السوري”.

 

وبدورها ردّت الحكومة السورية عبر الجعفري على الاتهامات التي طالتها بهذا الخصوص. وكان خطاب الجعفري في نيويورك يوم 11 تشرين الأول/نوفمبر الحالي يرد الاتهامات إلى المعارضة السورية بنيتها استخدام مواد كيميائية واتهام الجيش السوري بها. وجاء كلام الجعفري مستنداً إلى المؤتمر الصحفي لوزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو الذي أشار إلى المعلومات نفسها، وأكد أن جماعات المعارضة في حلب كانت تخطط لتوريط الجيش السوري بأحداث كيميائية جديدة. كما أشارت السلطات السورية إلى حصولها على معلومات بتاريخ الثلاثين من أيلول/سبتمبر الماضي تفيد بأن مواداً كيميائية وصلت إلى حلب ثم تم نقلها وتخزينها تحت الأرض بعمق 6 أمتار في مدينة سراقب بمحافظة إدلب. وتحدثت المعلومات السورية عن مشاهدة مواطنتان أميركيتان متخصصتان في الكيمياء في السادس من أيلول/سبتمبر الماضي تعودان إلى تركيا بعد إتمام تجهيز المواد الكيميائية، وأن خبيراً آخر يدعى محمود حسين عبد الله بقي في سوريا، وقد خضع لدورات خاصة لاستخدام الأسلحة الكيميائية تحت مراقبة كل من الولايات المتحدة وإسرائيل للإشراف على عملية تعبئة المقذوفات الصاروخية.

واتهمت سوريا من خلال كلام الجعفري تركيا بمساعدة تنظيم “داعش” للحصول على مواد كيميائية من ثمانية شركاتٍ تركية. ولكن الأكثر خطورةً في كلام الجعفري كان إشارته إلى ما كشفه معهد “رون بول” الأميركي للسلام والازدهار بأن البنتاغون دفع مؤخراً مبلغ 540 مليون دولار لشركة علاقات عامة بريطانية اسمها “بل بوتينغهر” (وهي شركة قدمت سابقاً خدمات للسعودية وتشيلي) بهدف “خلق بروباغندا معادية للحكومة السورية، أي فبركة صور وأفلام حول الكيميائي وغير الكيميائي”، على حد قوله.

 


الكيميائي في الميدان

استمرار الاتهامات المتبادلة باستخدام مواد كيميائية

استمرار الاتهامات المتبادلة باستخدام مواد كيميائية
أما في الميدان، فالمزاعم باستخدام الكيميائي مستمرة. في الأول من أغسطس/آب 2016، زعمت فصائل المعارضة أن اثنين من البراميل المتفجرة يحويان غاز الكلور سقطا على اثنين من الأحياء السكنية في مدينة سراقب بريف إدلب، مما أسفر عن إصابة ما لا يقل عن 28 مدنياً، حسبما ورد.بالمقابل، اتهمت قوات الدفاع الوطني التي تقاتل إلى جانب الجيش السوري، فصائل المعارضة المتواجدة في حي بستان الباشا بقصف حي الشيخ مقصود بحلب بقذائف تحتوي على غاز سام، وذلك في نيسان/أبريل الماضي.

وكانت إحدى الدلائل التي استند إليها هذا الاتهام قيام فصيل “جيش الإسلام” بمحاكمة أحد قيادييه بسبب استخدامه “أسلحة غير مصرّح بها في هذا النوع من المواجهات”، بحسب ما أعلن الناطق باسم الفصيل محمد علوش. لكن الأخير نفى مسؤولية “جيش الإسلام” عن استخدام هذه الأسلحة واعتبر أن توجيه الاتهام إليه هو “محض افتراء”.

وفي 11 آب/أغسطس الفائت، قالت منظمة العفو الدولية إن مدينة حلب السورية تعرضت لهجوم بمادة يُشتبه أنها غاز الكلور، أسفر عن مقتل أربعة أشخاص. واتهمت نائبة مدير قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المنظمة ماغدالينا مغربي القوات الحكومية السورية بالمسؤولية عن الهجوم. وأتى هذا الإعلان في الوقت الذي صرّحت فيه روسيا عن وقف إطلاق النار في المدينة لمدة ثلاث ساعات يومياً، لاتاحة المجال أمام دخول المساعدات الإنسانية، وفي ظل توتر بين الأميركيين والروس بعد إكمال الجيش السوري الطوق على المسلحين في المدينة. وانتقدت المسؤولة في منظمة العفو الجانب الروسي بحجة أن ثلاث ساعات يومياً غير كافية لإدخال المساعدات الإنسانية. وشكل ذلك ضغطاً على الروس استفاد منه الأميركيون وقوات المعارضة الموجودة في المدينة.

لكن غاب عن تقرير منظمة العفو وعن كلام مغربي ما كشفه لاحقاً مسؤول حزب “الاتحاد الوطني الكردستاني” في مدينة الموصل هياس سورجي يوم 3 تشرين الأوّل/نوفمبر الحالي حول امتلاك “داعش” لأسلحة كيميائية. فقد قال سورجي إن التنظيم نقل جزءًا من الغازات الكيميائية التي استولى عليها إلى مركز الموصل. وأنه يجري استعدادت دفاعية كبيرة لمنع الهجمات المحتملة في إطار العملية العسكرية لتحرير الموصل.

 


الضغط الغربي على سوريا

وزير خارجية بريطانيا بوريس جونسون

وزير خارجية بريطانيا بوريس جونسون
يعتبر وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون (25 آب) أن التقرير الثالث للجنة التحقيق المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية كافٍ لتأكيد مزاعم بلاده بمسؤولية الحكومة السورية عن استخدام أسلحة كيميائية في مناسبتين (تلمنس 2014 وسرمين 2015)، على الرغم من كل الثغرات التي لا يمكن تجاهلها في التقرير. ويعبّر الوزير البريطاني عن رغبة بلاده بالعمل مع شركائها الدوليين لاستصدار قرار من مجلس يدين سوريا بجرائم حرب.وفي السياق نفسه تواكب فرنسا المساعي البريطانية. حملة في سياق واحد تدور، فوزير الخارجية الفرنسي جان مارك ايرلوت وفي كلمة له أمام مجلس الأمن يوم 21 أيلول/سبتمبر سعى إلى إقناع الأعضاء بما فيهم روسيا بإصدار قرار يدين دمشق. سعي يؤكده نظيره الألماني فرانك فالتر شتاينماير بتشديده على ضرورة “معاقبة” مرتكبي الجرائم الكيميائية في سوريا.

الدول الأوروبية الثلاث الكبرى هذه تجاهلت اتهام التقرير (الثالث) تنظيم “داعش” باستخدام غاز الخردل. كما غضّت الطرف أيضاً عن بقاء العديد من الحالات المزعوم أنه استخدم فيها السلاح الكيميائيّ بلا مرتكب واضح. الأمر الوحيد الذي يصرّ عليه الأوروبيون هو تصويب عين المجتمع الدولي على الاتهامات ضد الحكومة السورية.

ويمكن فهم هذه الحماسة الأوروبية في سياق الموقف الأميركي الذي عبّرت عنه المتحدثة باسم الخارجية اليزابيت ترودو يوم 12 آب/أغسطس حين قالت إنه في حال تم تأكيد استخدام الجيش السوري للسلاح الكيميائي، فإن هذا يشكل انتهاكاً لقرار مجلس الأمن الدولي. إذاً هي عودة إلى تهديد دمشق بفتح المحاكمات الجنائية أمام مسؤوليها.

في المقابل تبث روسيا معلومات في الاتجاه المعاكس. النائب الأول لقائد إدارة العمليات العامة بهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية فيكتور بوزنيخير كشف يوم 29 ايلول/سبتمبر أنّ “المجموعات الإرهابية” تحضر لضربات استفزازية باستخدام قذائف كيميائية على الأحياء السكنية شرق حلب لاتهام القوات الحكومية بها.

مركز الأبحاث الكندي Global research أصدر تقريراً في 9 أيلول يؤكد أن محققي الأمم المتحدة عثروا على أدلة تشير إلى “أنّ الهجمات بالأسلحة الكيميائية التي كان يعتقد بأنها نفذت من قبل الجيش السوري، هي في الحقيقة من “صنع” و”تمثيل” المتمردين الجهاديين وأنصارهم”. ولكن المركز حمّل الحكومة مسؤولية هجومين باستخدام غاز الكلور، وهي النغمة الجديدة المفضّلة لجون كيري هذه الأيام.

 


تصعيد الضغط بالكيميائي لإيقاف معركة حلب

من المعارك في حلب

من المعارك في حلب
تركز الولايات المتحدة بعد تعطل تفاهمها مع روسيا على عزف نغمة استخدام الكلور. فواشنطن تحضر مشروع قرار يلزم دمشق بإتلاف ما لديها من مادة الكلورين التي تستخدم في صناعة المنظفات والمواد الكيميائية السامة الصناعية الأخرى. المادة الموجودة في المطابخ تريد واشنطن التزاماً سورياً بسحبها من المنازل السورية ربما.وذكرت مجلة “فورين بوليسي” في عددها الصادر يوم 14 أكتوبر/تشرين الأول أن الوثيقة الأميركية ستصدر بالتزامن مع نشر التقرير النهائي للآلية المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية حول التحقيق في الهجمات الكيميائية في سوريا نهاية الشهر الجاري. وبعد صدور القرار سيتوجب على الحكومة السورية وخلال 30 يوماً أن تعلن عن كميات الكلور والبراميل المتفجرة الموجودة لديها وأماكن تخزينها. كما يمنح مشروع القرار الأميركي المفتشين الدوليين إمكانيات واسعة في مجال الوصول إلى المواقع حيث يحتمل وجود مواد كيميائية بما في ذلك القواعد الجوية السورية. ويعلق مشروع القرار إذا تم اعتماده حق سوريا في التصويت داخل المنظمة، ويبعد الموظفين السوريين عن المناصب القيادية فيها، ويحظر على المواطنين السوريين العمل بمقرها في لاهاي. إضافة إلى خفض صفة سوريا في المنظمة إلى مستوى مراقب. وتقول المجلة إن واشنطن ترغب بتمرير القرار عبر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لأنها تخشى الاصطدام بالفيتو الروسي في الأمم المتحدة، وتؤكد أيضاً أن الوثيقة نالت حتى الآن دعم وتأييد بريطانيا وفرنسا وألمانيا.

وفي الوقت الذي أعلنت فيه وزيرة خارجية الإتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني أن وزراء خارجية الإتحاد لا ينوون فرض عقوبات على روسيا، لم تستبعد مناقشة عقوبات جديدة تستهدف الحكومة السورية، إضافة إلى العقوبات المفروضة عليها حالياً. لكن وزير الخارجية الفرنسي جان مارك آيرولت يبدو مصرّاً على “معاقبة” سوريا وحلفائها، فأكّد منذ أيام إلى أنّه “سيدرس كل الخيارات التي تسمح بالضغط بشكل أكبر بكثير على نظام بشار الأسد، إنما كذلك على حلفائه”.

الضغط الغربي لا يقتصر على دمشق، موسكو أيضاً مستهدفة، بل إنها هدف أول لحبكة التجريم الغربية في الملف الكيميائي السوري. ذهاب روسيا بقوة باتجاه معركة حلب وضع الأميركيين أمام خياراتٍ صعبة. لا قوات يعتمدون عليها على الأرض، وبالمقابل لا يستطيعون تحمّل انتصاراً روسياً – سورياً في حلب، كونه سيحسم الحرب لمصلحة الحكومة السورية وحلفائها، وسيحسم المعركة الروسية الأميركية على النفوذ والطاقة في المنطقة.

وفي محاولة لإفشال التقدم الروسيّ-السوريّ في حلب، يبحث الأمركييون والأوروبيون حالياً إمكانية فرض عقوبات على أهداف إقتصادية روسية وسورية بعد “استنفاذ جميع الخيارات الدبلوماسية”، حسب تعبير وزير الخارجية الأميركي جون كيري يوم 16 تشرين الأول/نوفمبر الحالي.

ويبدو أنّ لا تردد بعد اليوم في قرار إستعداء موسكو، خاصةً بعد تعليق إتفاقها مع الولايات المتحدة الأميركية. إذ يتحضر وزراء خارجية الإتحاد الأوروبي بحسب مجلة فورين بوليسي، إلى توجيه اللوم بشكل رسميّ إلى روسيا لدعمها الحكومة السورية في معركتها في مدينة حلب، باعتبار أنّ الهجوم الحاصل “يرقى إلى مستوى جرائم حرب”، بالإضافة إلى تأييد قرار فرض عقوبات على أكثر من عشرين مسؤولاً في الحكومة السورية متّهمين بالضلوع بشكل أساسيّ في القصف العنيف الذي تشهده مدينة حلب.

وفي الوقت الذي عارض فيه عدد من دول الإتحاد الأوروبي كاليونان وإسبانيا والنمسا والتشيك وقبرص، وهي دول تربطها علاقة اقتصادية أو سياسية بموسكو، توجيه اللوم المباشر لها، ونجحت جهود دول أوروبا الوسطى والجنوبية في إبطاء محاولة بريطانية وفرنسية وألمانية تهدف إلى فرض عقوبات على 13 مسؤولاً روسياً، إلّا أنّ إصرار الدول الكبرى الثلاثة على مواقفها، بحسب مجلة فاينانشيل تايمز أدّى إلى توجيه اللوم إلى روسيا بحجة إرتكابها “جرائم حرب” في حلب.

واليوم مع انطلاق المرحلة الحاسمة من معركة السيطرة التامة على حلب، يضع الغرب من ناحية أولى جهوده القانونية الدولية في سبيل إحراج سوريا وروسيا لدفعهما إلى إيقاف المعركة. ومن ناحية ثانية، تستمر المساعي التركية إلى تثبيت أمر واقع في الشمال السوري حول مدينة الباب وغرب الأحياء الغربية لحلب، وذلك لتحضير الأرض لدور تركي فاعل ميدانياً، يفضي إلى دخول أنقرة كمفاوضٍ رئيس في الحل النهائي حول المدينة، كونها ستكون قد حاصرت الجيش السوري في الأحياء الغربية.

 


إلى أين يتجه الملف؟

كاريكاتير حول الاستخدام السياسي للملف الكيميائي

كاريكاتير حول الاستخدام السياسي للملف الكيميائي
إذن إلى أين تؤخذ الأمور؟ الظروف الميدانية والسياسية والنشاط القانوني الغربي المستجد، أو المزخّم، كلها مؤشرات تشير إلى محاولة غربية لتعويض الضعف الميداني بقوة قانونية تؤدي إلى ملاحقة مسؤولين سوريين وروس، ودفع حكومتيهما إلى تقديم تنازلات حيال حسابات نهاية المطاف. 

خصوصاً وأن التحفز الأميركي تجاه سحب مادة الكلور من سوريا لا يبدو منطقياً، لصعوبة ذلك تقنياً. بينما يتوقع الجميع صدور التقرير الرابع للأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية وأن يحمل هذا التقرير اتهامات جديدة للحكومة السورية. في ظل استمرار تجاهل الرسائل السورية التي تتضمن معلومات عن أماكن وظروف استخدام مواد كيميائية من قبل فصائل المعارضة والفصائل الإرهابية، والتي قال الجعفري في 8 تشرين الأول الجاري أمام مجلس الأمن إن الدول الأعضاء لا ولم تقرأ كل رسائل بلاده بخصوص إستخدام الكيميائيّ. هذا التجاهل، مضافاً إلى الصمت حيال استعمال غاز الخردل من قبل داعش، وعدم موثوقية المعلومات التي تتسلح بها أميركا حول الاتهامات للحكومة السورية، وعدم وجود أدلة ومتخصصين بالتحقيق على الأرض، واعتماد هذه الاتهامات على مصادر المعارضة ومشاهدات لأشخاص عاديين. كلها أمور تضعف من مصداقية الادعاءات في المحاكم الدولية وعلى المستوى السياسي، وتؤدي إلى ضياع المسؤولية عن المرتكب الحقيقي لجرائم الحرب باستخدام مواد كيميائية. وربما كانت النقطة الأخيرة في آخر اهتمامات الولايات المتحدة، فتتقدم عليها مصلحة الضغط على روسيا، ونقل المعركة معها من الميدان الذي انتصرت فيه الأخيرة أو باتت قريبة من ذلك، إلى ميدان القانون الدولي. 

في الجزء الثالث من هذا الملف، نعالج معطيات التقرير الرابع الذي يتوقع صدوره في الأيام المقبلة، إضافة إلى معطيات أخرى مستجدة في هذا الملف، أبرزها حتى الآن ضغط فرنسي متصاعد على الحكومة السورية. والقرار الأميركي في السياق نفسه والمتوقع صدوره بعد التقرير الرابع. 

 المصدر .. الميادين
ar
المشاركة

اترك تعليق