كنوز ميديا – متابعة 

على الرغم من أن التدخل الصيني في سوريا لم يكن بمستوى التدخل الروسي، لكنه كشف عن سياسات دولية جديدة ومتغيرات هامة لم يتم التطرق لها على صعيد الدور الصيني تجاه الشرق الأوسط. فيما يجري الحديث اليوم داخل أروقة الإدارة الأمريكية عن أن هذا الملف هو من الملفات التي تركها الرئيس الحالي لخليفته الذي يبدو أنه سيواجه العديد من الأزمات المقبلة. في حين لن يكون التحدي الروسي التحدي الوحيد أمام الإدارة الجديدة، خصوصاً بعد أن باتت تصريحات المسؤولين الصينيين والروسيين متناغمة لدرجة الحديث عن ضرب حلف الناتو كما أشار رئيس اللجنة الدفاعية في مجلس الدوما الروسي “فلاديمير كمودو” منذ أشهر. وهو الأمر الذي سيُهدد دور المعسكر الغربي الذي ترأسه أمريكا. فماذا في تطور القوة السياسية للأطراف الدوليين؟ وما هي الأسباب التي دفعت الصين للتحرك مؤخراً؟
عالم ما بعد الإتحاد السوفياتي
بعد الحرب العالمية  الثانية انتهى العصر الأوروبي وبدأت صراعات جديدة تمثلت بصراعات الأقطاب وتحديداً بين النظامين الليبرالي ونقيضه الشيوعي. فيما تُدير أمريكا القطب الأول الليبرالي، تتشارك روسيا والصين في إدارة القطب الثاني الشيوعي. حينها كان الإتحاد السوفياتي رأس الحربة ضد السياسة الأمريكية، فيما خرج معسكران عالميان الى الصراع، المعسكر الغربي وحلف “الناتو”، والمعسكر الشرقي وحلف “وارسو”. مع بداية التسعينات، انهار الإتحاد السوفياتي وبقي المعسكر الغربي في واجهة الصراع. فيما شكَّلت قوة النظام الصيني دعامة استمرار الشيوعية ومنعها من الإنهيار. في حين دخلت الصين السوق العالمية بقوة، كتنينٍ إقتصاديٍ هدَّد مصالح الغرب العالمية وعلى كافة الصُعد.
أما اليوم فقد تغيرت المعادلات، خصوصاً مع عودة القوة الروسية، وبروز القوة الإيرانية. وهو ما مكَّن الصين من إعادة نسج استراتيجياته الأمنية في وجه مخاطر أمريكا.
الصين والخطر الأمريكي والتحرك نحو سوريا
من بوابة بحر الصين الجنوبي يأتي الخطر الأمريكي اليوم. فالإستفزازات الأمريكية لم تنتهي. فيما تسعى الصين لبسط نفوذها وبناء منظومات الردع الجيوسياسية والجيوعسكرية. وهو ما يدفعها لمحاربة أي خطرٍ أمريكي أينما كان. لكن الحرب الباردة المرتفعة الوتيرة بين الطرفين الصيني والأمريكي، دفعت الصين للبحث عن أرضٍ تُشكل في معادلاتها تهديداً لمصالح أمريكا. وهو ما جعلها ترد على تحركات واشنطن في بحر الصين الجنوبي، بإعلانها الدعم العسكري واللوجستي للنظام السوري، والتنسيق مع الجيش الروسي أيضاً فيما يخص ذلك. خصوصاً بعد أن باتت تحركات واشنطن، تشكّل تهديداً لأمن الصين في بحرها الذي تمرّ به ثلث الشحنات البحرية العالمية. وهو الأمر الذي يسبّب بحسب الخبراء خسائر استراتيجية كبيرة للصين قد تصل قيمتها إلى ما يقارب 7 ترليون دولار.
فيما هدفت التحركات الصينية لتقويض مصالح أمريكا في منطقة الشرق الأوسط وهو ما يمكن أن يكون ورقة قوة للصين في صراعها مع أمريكا.
التدخل الصيني وخروجه الى العلن
منذ أشهر وتحديداً خلال شهر آب الماضي، أعلنت وكالة “شينغوا” الصينية، على لسان مدير قسم التعاون الدولي في اللجنة العسكرية المركزية الصينية الأميرال “غوان يوفي”، أنه وقع اتفاقاً مع النظام السوري يقضي بتقديم مساعدات عسكرية وإنسانية للحكومة السورية الى جانب توسيع برنامج تدريب الجيش السوري. وهو ما جرى خلال زيارة قام بها الأخير الى دمشق أعلن فيها عن بدء الصين بخطوات لتعزيز دورها في الشرق الأوسط عبر سوريا. وهو الأمر الذي جعل المحللين الامريكيين يكتبون كما عبَّر موقع “فيسكال نيوز” الأمريكي عن أن تقديم الصين للمساعدات الإنسانية الى الشعب السوري وتدريبها للقوات العسكرية السورية قد تتحول الى أزمة جديدة لواشنطن خصوصاً أنها ستكون البداية الصينية.
الحرب السورية: رقعة شطرنجٍ دولية
أصبحت الحرب السورية وكما يبدو واضاحاً مسرحاً للصراع الدولي بين الأقطاب. في حين بدأت الصين تعزيز دورها هناك، حيث أرسلت أحدث قطعها الصينية إلى الساحل السوري الى جانب ارسالها حاملة طائراتها الوحيدة “لياونينغ”. كما طلبت من الجانب السوري تخصيص قاعدة عسكرية بحرية لها في سوريا. وهنا يمكن تبيين دوافع السلوك الصيني لتعزيز الدور في سوريا بالتالي:
أولاً: تسعى الصين لتوجيه ضربة معنوية إلى أمريكا على المستوى الدولي. حيث ستكون هذه الضربة كما يؤكد الخبراء، رداً على استفزازات واشنطن تجاه بكين في بحرها الجنوبي. وهو ما يجعلها تدخل من بوابة الشرق الأوسط، والتي يمكن أن تُكبِّد أمريكا الكثير. فيما كانت سوريا وعملية دعم النظام السبيل الأفضل، لإفهام الطرف الأمريكي أن مشاريعه في الهيمنة، لا يمكن أن تستمر.
ثانياً: السعي لتقوية القطب الشيوعي وأنظمة الإقتصاد المغلق. وهو ما يدفعها لتعزيز تعاونها مع الدول التي تؤمن بالنهج الإقتصادي المتماشي مع النظرية الإشتراكية أو المعارض للرأسمالية. مما يُفعِّل دور الأطراف الدوليين والإقليميين المناهضين لليبرالية الأمريكية. خصوصاً بعد أن باتت الصين هدفاً للعولمة الأمريكية.  الأمر الذي يحتاج لتفعيل الدور الدولي مع كلٍ من روسيا وإيران خصوصاً أن إيران تؤمن بمحاربة أمريكا على كافة الصعد ومنها الإقتصادية، مع الأخذ بعين الإعتبار تفرُّد طهران بنظامها الإقتصادي الإسلامي المنشأ.
ثالثاً: لم يعد خفياً مشاركة جماعات “الإيغوز” الصينيين في القتال الى جانب تنظيم داعش الإرهابي. وهو الأمر الذي يُشكل خطراً على الصين داخلياً. مما يدفعها للقيام بمبادرة القضاء على هذه الجماعات في سوريا. ومنعهم من مغادرتها نحو الصين لنشر التطرف فيها.
أدركت الصين أن الضغط على واشنطن في مناطق أخرى من العالم سيكون موجعاً. وهو ما دفعها للتدخل في سوريا. الأمر الذي بات مشكلة يتحدث عنها الأمريكيون اليوم، متسائلين عن سبب تحييدها مع يقين وجودها كواقعٍ يمكن إضافته الى واقع التحدي الروسي. في حين ينشغل الأمريكيون بالإنتخابات التي ستجري، يتطلع مراقبون الى أن عهد القوة الأمريكية ذهب من دون رجعة. حيث باتت تهديدات أمريكا للعديد من الدول وجودية. وهو ما يمكن أن يُفسر ارتفاع وتيرة الصراع الصيني الأمريكي. فيما سيكون من أهم التحديات التي ستواجه الإدارة الأمريكية المقبلة هو دور الصين في الشرق الأوسط.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here