كتب /   سعد محسن خليل …

كنوز ميديا/ مقالات

على مشارف تلال حمرين وفي اجواء مشحونة بالانتظار والترقب  جلس مقاتل ترتسم على وجهه الاسمر علامات  طيبة أهل الجنوب يتأمل بصمت ما ستسفر عنه الايام القادمة  من مفاجأت بعد تنفيذ القوات العراقية هجومها  المرتقب على  عناصر داعش الارهابية لتحرير مدينة الموصل .. كان اكثر ما يشغل  بال المقاتل الجنوبي احمد  تلك الدمعة التي  انهمرت من عيون والدته  وهي تودعه للالتحاق  بقاطع عمليات وحدته العسكرية  .. كانت دمعة ام احمد رسالة واضحة  تدلل على  القلق من المصير المجهول الذي ينتظر  ولدها وهو متجه  الى  ذات الدرب  الذي سلكه والده  الشهيد  والذي يسميه اهل الجنوب ” درب الصد ما رد ”  لم يكن سكان قريته يطلقون هذا المثل اعتباطا بل جاء نتيجة  المآسي التي لحقت بهم بعد ازدياد عدد  القتلى الذين استقبلتهم المدينة  خلال الهجمات التي نفذها الجيش العراقي في قواطع عمليات صلاح الدين والفلوجة  ..  وتذكر احمد ابن جنوب العراق ابن مدينة الناصرية التاريخية التي  نشأت فيها حضارة سومر تذكر  والده الذي راح ضحية الحرب العراقية الايرانية  و كيف كان يحتضنه  وهو طفل لم يتجاوز عمره الاربع  سنوات والدموع تنهمر من عينية  قبل ان يلتحق الى جبهات القتال لمحاربة ايران  .. ادرك احمد منذ نعومة اضفاره ان الحرب لم تكن في يوم من الايام نزهة او رحلة سياحية يتمتع فيها المسافر بالطبيعة الخلابة ومباهج الحياة   ليتنفس من خلالها هواءا نقيا .. كان يدرك ان  الحرب هي طريق مسدود لايوجد فيه منفذ   وان وجد  فمنفذه  الرحيل مع الصديقين الى عليين ..

كان يدرك ان الحرب ليست حديقة غناء بالزهور ..

و ان الحرب  ساحة جرداء تخيم فيها اعشاش الغربان وهواءها دخان اسود  مملوء عفونة  ينبعث منعوادم الدبابات والعجلات التي تجول ساحات القتال لتلقي بغضبها على العدو المفترض وهي في كل المقاييس  يسعى  من  يقودها الى اثبات وجوده  في تحقيق طموحات الحاكم لتحقيق نصر وهمي على الاعداء .. الحرب  لايوجد فيها غالب ولا مغلوب .. الكل خاسر .. كان احمد يساءل نفسه .. ماذا جنينا من حربنا مع ايران وغزونا للكويت  .. جنينا مزيدا من القتلى ومزيدا من المعوقين والارامل وافواج من الاطفال المحرومين من  حنان الاب .. تذكر احمد مأساة فقدان والده  والدموع تنهمر من عينية  لكنه كان على يقين ان الحروب التي خاضها  النظام السابق مع الجارة ايران والجارة الكويت تختلف عن الحروب التي يخوضها الجيش العراقي اليوم .. فهذه الحرب تأخذ طابعا جديدا  .. انها حرب مصير  لمواجهة قوى تكفيرية  جاءت من خارج الحدود .. انها حرب لها طعم خاص فهي  شئنا ام أبينا صراع ارادات ارادة  الخير المتمثلة  بالنشامى من ابناء قواتنا المسلحة وارادة الشر المتمثلة بعناصر الارهاب التي تسعى جاهدة لاستلاب ارادة الانسان العراقي وتدمير تاريخه وحضارته وتراثه متخذة من الدين  الاسلامي شعارا لتنفيذ ارادتها  الغاشمة.. تأمل احمد  الموقف  الذي يواجهه بعد ان ترك عائلته  الفقيرة  تعاني  الفاقة والحرمان والصراع المرير مع النفس  لتحقيق النصر على عدوا  يحاول ووفق مخطط مدروس خلط الاوراق  من خلال تحريف تعاليم ديننا الحنيف  .. حياة  تحمل كل معاني البؤس والمعاناة  .. لم يكن احمد تاجرا ولا سمسارا يسعى لجني الارباح من وراء التحاقه بجبهات القتال جل ما يتمناه ان  لايرجع الى قريته خائبا  وان يكون له دور في تحقيق  النصر ولو بقدر من  الامكانيات التي سيبذلها .. كان  اكثر ما يشغل فكر احمد  تلك الشخصيات الخرافية التي ظهرت مع دخول العناصر الارهابية العراق  وعمليات التدمير والتقتيل التي تمارسها  باسم الدين ..

وتذكر أيضا الماساة التي حصلت للعديد من العوائل العراقية جراء عمليات القتل غير المبرر التي تمارسها ” داعش ” اضافة الى عمليات اغتصاب حرائر العراق .. كان  يحتضن سلاحه  بعد تهيئته لمواجهة  الاعداء.. وسرح خياله  الى  اليوم الذي سيترك فيه سلاحه جانبا بعد تحقيق  النصر  للامساك بوردة يانعة بيضاء يهديها  لكل من ساهم في  تحقيق ذاته والمشاركة في دحر عصابات الاجرام  ولايهمه ان كان المقاتل شيعيا او سنيا عربيا او كرديا مسلما او مسيحيا او صائبيا او او ..  وتأمل احمد سلاحه وسرح خياله  ليعبر سنين  من الزمن الماضي  ليتذكر والده  وانسكبت دمعه عابرة من عيونه  وسرح خياله  وبدأ يحاكي نفسه  بصمت كصمت القبور .. ترى  هل ستنتهي حرب داعش  لتبدأ حرب  اكثر منها فواحش  .. ربما تكون المواجهة القادمة مع ” ابناء داعش ” انها حرب مستمرة   حتما سيكون وقودها جيل  تعقبه اجيال … فنهض  من سكونه  حاملا سلاحه  بعد ان سمع صوت فرقعة  اصمت اذنيه لتستقر في احشائه طلقة غادرة اوقعت منه مقتلا فسقط على الارض وهو مخضبا بدمه  الطاهر ليلتحق  بركب من سبقه من الصديقين ليروي  بدمه ارضا طالما  عشق نخيلها  الشامخ بشموخ  اهلها الطيبين

 

المشاركة

اترك تعليق