لا موقعَ للفشل في خريطة المشرفين على هدنة الخميس في حلب. وليس بوسع أي قوةٍ ان تزحزح صخرة يقين المشرفين على تنفيذ خطة خروج نحو ألف مسلحٍ من شرق حلب، بنجاح ما خططوا له، الى حدِّ توزيع المواقع التي ستنتشر فيها الكاميرات قرب محور بستان القصر، منذ الأمس، وحجز المواقع للفضائيات، وإصدار التراخيص للصحافيين.

وخلال الأيام الماضية، اجرى الروس والجيش السوري اكثر من ثماني عمليات تحاكي سيناريو الانسحاب، وخططه، وجرى اختبار قوافل انسحابٍ وهمية عبر حلب الغربية، او في شمالها، قامت طائرات الاستطلاع الروسية بتصويرها، وتقديم نسخٍ من الأشرطة الى الأمم المتحدة كبرهانٍ على حسن النية، وقدرة الجيش السوري والروس على تنفيذ عمليات الانسحاب المطلوبة من شرق حلب، وضمان طرق الانسحاب والقوافل، شريطة ان يذهب المسلحون فعلاً بقرار الانسحاب .

وعلى الوثيقة المذيّلة بتوقيعي اللواء زيد علي صالح، قائد اللجنة الأمنية في حلب، والجنرال ديمتري اوستينوف قائد اركان القوات الروسية في سوريا، على ساعات حلب ان تدقَّ الثامنة من صباح الخميس كي يبدأ تنفيذ الخطة المفترضة، على ان يقرعَ جرس الختام عند الرابعة من بعد الظهر. وإذا سار كلُّ شيء على ما يرام، سيُقيضُّ لمسلحي «جبهة النصرة» ان يروا عبر زجاج باصات الانسحاب، الحياة في شوارع حلب الغربية، التي ما انفكوا طيلة اربعة اعوام من الحرب عن محاولة غزوها او اقتحامها.

وستنفتح ثغرتان في الحصار للمرة الأولى منذ أكثر من شهر في خطوط الجيش السوري شمال المدينة في الكاستيلو، وتسلك قافلة المنسحبين تحت اعلام الامم المتحدة دوار الجندول والسكن الشبابي، فحي بني زيد نحو الليرمون، فريف حلب الغربي. وتنبري القافلة الثانية من خلف السواتر في بستان القصر، عابرةً حي المحافظة، فأتوستراد المدينة الجامعية، فالمحلق الغربي، متجهةً نحو خان العسل جنوب غرب حلب. اما عائلات المسلحين التي قد تضمُّ قوافلهم نحو أربعة آلاف مدني، فلها ان تخرج لا فرق، عبر احياء الشيخ مقصود او سيف الدولة او صلاح الدين، او الشيخ سعيد، لتلتحق بالمنسحبين. اما المدنيون من غير أهل «الجهاد» وملّته، فقد خصّهم بيانٌ للجيش السوري بأيام انسحابية ثلاثة عبر المعابر ذاتها، لمن شاء حتى يوم الاحد المقبل.

ولكي تكتسي طرق الانسحاب بالنيات الطيبة، أخلى الروس خلال الساعات الماضية سماء المحاصرين في حلب الشرقية من «السوخوي» للمرة الاولى منذ الثاني عشر من ايلول الماضي. الانسحابُ من الجو تعبيرٌ عن النيات الحسنة الروسية، لكن لا استراحة للمحاصرين في حلب الشرقية، اذ لم تتوقف العمليات البرّية التي يقوم بها الجيش السوري على محاور القتال التي لا تزال تعمل حتى الآن على قضم خطوط التماس والأحياء التي تتقدم فيها وحداته في مجموعات صغيرة متفرقة، خصوصاً في القسم الشمالي من شرق حلب. ولم تشهد العمليات تحولاً نحو هجوم واسع، ورغم ذلك تتداعى الاحياء المحاصرة تدريجياً، وتتحول بعضها، لا سيما في بستان الباشا، الى مناطق اشتباك، فيما تتساقط التخوم والمنبسطات والتلال حول حلب الشرقية، كما في المناشر، والبريج والعويجة، شمال شرق حلب، التي كانت تشكل خطوط الدفاع الاولى عن المدينة بعد سقوط الجرف الصخري الكبير في مخيم حندرات، والذي كان يشكل حصن المدينة شمالاً. واستطاع الجيش السوري نقل القتال الى قلب التجمعات والاحياء الشرقية. الروس لم يجنحوا الى الهدنة، بعد شهر من الغارات المتصلة، الا وقد تم تحطيم البنى التحتية للمجموعات المسلحة، ومخازن الذخيرة، ووسائل النقل، واكثر الاسلحة الثقيلة، وقطع طرق الامداد، والتفاهم مع الاتراك على عدم العودة الى تعويض المجموعات المساحة ما خسرته في عمليات الشهر الماضي .

وبخلاف يقين روسي بالاشراف على انسحاب مئات المسلحين غداً الخميس، يجزم احد المشرفين على التواصل الأهلي والاغاثي، بين الحلبين الشرقية والغربية، ان لا هدنة ولا انسحاب لأي عنصر من عناصر «النصرة» غدا . ويقول الوسيط الحلبي الذي سيكون على رأس المواكبين للعملية، اذا ما وقعت، ان المسلحين في حلب الشرقية لا يزالون يراهنون على مؤازرات خارجية، تخترق الحصار، وتغير مسار الاحداث في المدينة.

لكن انعدام امكانيات مواصلة القتال، وحتى الاستمرار في البقاء داخل جدران حلب الشرقية، تجعل الرجل الذي يلعب دوراً محورياً في تقاسم الخدمات والبنى التحتية من ماء وكهرباء، اميلُ الى وضع بعض الماء في نبيذ تشاؤمه القاتم. اذ يقول إن المجموعات المسلحة فقدت الكثير من قياداتها الكبيرة والتاريخية، من «جبهة النصرة»، فـ «نورالدين الزنكي» او تجمع «استقم كما امرت»، حتى «احرار الشام». إذ ادت الغارات الروسية الى قتل عدد كبير منهم، فيما استنزفت محاولات اختراق الحصار عبر الراموسة افضل العناصر المقاتلة في صفوفهم. وفرّ الكثير من القيادات خلال الاشهر الماضية الى تركيا ، قبل ان تغلق «السوخوي» والوحدات السورية، بأسابيع قليلة، ابواب المدينة شرقاً على «اخوة الجهاد». ويقول إن كثيراً من الاسماء المعروفة في المدينة اختفت فجأة لتظهر في تركيا. واختفت وسائل النقل في الاحياء الشرقية، بعد نفاد الوقود. والأنكى هو انهيار البيئة الحاضنة للمجموعات المسلحة، اذ ان اغلب المدنيين سيختارون الخروج من المدينة، لولا التهديدات بالقتل، والاعدامات التي تنتظر من يحاول عبور خط التماس، او التوجه نحو المعابر التي حددها الجيش السوري، تاركين الاحياء الشرقية ساحة قتال واشتباك بين «النصرة» والجيش السوري. واذا ما تأكد ان قياديين من «استقم كما امرت»، و «الجبهة الشامية»، و «نورالدين الزنكي»، قد اقاموا اياماً في غرب المدينة للتفاوض مع الجيش السوري على انسحاب مقاتليهم من شرقها، فالارجح ان يجد ثلاثة آلاف مقاتل من «جبهة النصرة» انفسهم معزولين من دون حليف شرق المدينة، في مواجهة «الخطة باء» التي يعد لها الروس والسوريون في حال سقوط خطة الانسحاب.

لكن الفصائل المنهمكة بالتفاوض للنجاة بمقاتليها، ورغم ان الأمر ليس مؤكداً، لا تزال تحمي «جبهة النصرة»، وتغطي قرار بقائها في حلب الشرقية، اذا ما قررت البقاء. اذ ان اكثر ما يهدف اليه الروس في القبول بألف منسحب من «النصرة» وليس اكثر، هو القناعة انه لن تكون هناك امدادات لمن تبقّى من المسلحين في حلب من تركيا اولاً. واذا امكن المخاطرة بتصديق ما قاله وزير الخارجية التركي مولود جاويش اوغلو، من انه على «النصرة» ان تخرج من شرق حلب، فإن ذلك قد يعد رسالة الى المجموعات الاخرى التي تدعمها تركيا، بأن الوقت قد حان لفصلهم عن «النصرة» في المدينة، خصوصاً ان الاتراك يطمحون الى سحب ما امكن من المجموعات الاخرى، ودفعها الى «درع الفرات» وزيادة عديدها وتطوير عملياتها في الريف الشمالي لحلب. وليس مبالغة القول إن انسحاب عشرة مسلحين امام الكاميرات، او مئة، او ألف، سيؤدي الى انهيار الجبهة الداخلية بأكملها للمجموعات المسلحة في حلب الشرقية، وأن المجموعات الأخرى لن تكون قادرة على قيادة معركة كبيرة ضد الجيش السوري، وحدها، وهو رهان الروس الاول والاخير، وسبب جنوحهم اخيراً الى قبول عرض الوسيط الدولي ستيفان دي ميستورا، وتقديم بضعة باصات لمن شاء منهم الانسحاب، وتوفير موجة تدمير كبيرة على ما تبقى من حلب الشرقية.

محمد بلوط ـ السفير

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here