كنوز ميديا  – تقارير
آوائل خريف هذا العام 1973 ظهر على مسرح الأحداث في بغداد شبحُ جزّارٍ قاتل يفتك بالناس نياماً. لقد رُوِّعتْ بغداد بظاهرة (أبو طبر) الذي كان يقتل الناس بتهشيم رؤوسهم بآلة حادة تُسمّى في العراق ( طُبَرْ ) كذاك الذي يستخدمه القصّابون في تكسير عظام جزورهم. هل من عَلاقة تربط ناظم كزار بأبي طبر ؟؟ الجواب نعم ولكنْ في حالة واحدة.
إذا كان ( أبو طبر ) عميلاً أو متعاوناً أو أحد عناصر الأمن خاصةً وإنه مولود في مسقط رأس مدير الأمن العام ناظم كزار : قرية ( أبو الجاسم ) التابعة إلى قضاء المسيب جنوب بغداد. ثم إنه كان مفوض شرطةٍ في مدينة الحلة حتى عام 1953 حيث فُصِل من وظيفته لأسباب تتعلق بالأمانة والنزاهة ونظافة اليد. كان يحمل نجمة واحدة في رقبته فقط. أجهزة الأمن البعثي ومخابراته تلتقط العناصر المشرّدة والمفصولة والعاطلة عن العمل ولا سيما أولئك الذين تتوفر فيهم شروط خاصة.
فأبو طبر ( وإسمه الحقيقي دحّام كاظم الهضم / ثم أبدل إسمه الأول فأصبح حاتم ) من المحسوبين على الشرطة أولاً ثم إنه كان رياضياً طويل القامة مفتول العضل. ميزتان كبيرتان كان ناظم كزار وأجهزته الضاربة بأمس الحاجة إليهما. ثم إنه كان بحكم المشرّد والضائع في الحياة. بعد فصله من وظيفته لم يغادر مدينة الحلة إذ وفّر له صديقه الرياضي حساني كاظم الموسوي السكن والإقامة في داره مع الطعام والشراب. لم يدعْ وقته يمر سُدىً، فسجّل في ثانوية الحلة للبنين طالباً خارجياً ونجح في إمتحانات بكالوريا عام 1954.
صغّر بطرقه الخاصة عمره ودخل كلية الطيران وإبتسمت الحياة له لكنه من طينة بعض البشر الذين لا يرتاحون للنعيم ولا ينسجمون مع الطبع السوي. في سنته الثانية في كلية الطيران خالف الآوامر فقاد طائرة التدريب خارج حدود مدينة بغداد حتى وصل بها قريته ( أبو الجاسم ) وشرع بالدوران والهبوط إلى مستويات منخفضة فإصطدمت الطائرة برؤوس النخيل وإستقرت هناك ولم يُصب بإذى. معجزة. فُصِل من الكلية ( عام 1956 ) فضاعت أخباره عني. كنت أعرفه منذ عام 1951
وكان يأتي بمعية أخي قحطان إلى بيتنا في الحلة حين كان مفوضَ شرطة. كان أخي كذلك رياضياً وكان وقتها ما زال طالباً في الكلية العسكرية. بعد إلقاء القبض عليه عام 1974 تم عرض لقاء مسجّل معه على شاشة التلفزيون العراقي. حين سُئل عن إسمه ووظيفته أو عمله ذكر إسمه المصحح ( حاتم كاظم ) ثم قال إنه كان مفوض شرطة ولم يقل مفصولاً. ثم أفاد كَذِباً إنه كان ضابطاً طياراً في سلاح الجو العراقي ولم يقلْ طالباً مفصولاً من كلية الطيران.
كيف دخل دحّام كاظم الهضم مدرسة المفوظين ؟ تلكم قصة طريفة سمعتها منه. أكمل دراسته المتوسطة في متوسطة المسيب عام 1950 فقرر المجازفة بالتقديم لمدرسة المفوظين. حدثت المعجزة في ساعة المقابلة. نوديَ على إسمه فدخل على لجنة المقابلة بقميص عتيق مفتوح الصدر يحتذي نعلاً. سألته لجنة المقابلة بعض الأسئلة التقليدية ثم سأله أحد أعضائها سؤالاً حيّر هذا الطالب البائس : سأله من هو واسطتك ( كعادة ذلك الزمان، لا بد من الوساطة والتوسيط لدخول مدرسة وكلية الشرطة فقد كانت حِكراً على طلبة راوة وعنه وسامراء والموصل ). لم يُكلّف وسيطاً وما كان يعرف وسيطاً أصلاً. فكّر بالأمر مليّاً ثم قال رافعاً ذراعه إلى الأعلى : واسطتي الله وأنتم. غرق أعضاء اللجنة بضحك هستيري طويل. أعادوا عليه السؤال فأعاد نفس الجواب. واصلوا الضحك ففقدَ صاحبُنا الأمل. متى كان اللهُ واسطةً للفقراء والمعدمين ؟!
ما كانوا يصدقون ما يرون : شابٌ شاهق القامة قوي العضل، قروي فقير بائس من قرية أبي الجاسم الشيعية يأتي المقابلةَ بقميص مهتريء ونعلين أجربين يروم الدخول بدون ظهير أو نصير أو وساطة في مدرسة مخصصة أصلاً لفئات معينة من الشعب العراقي. جاءت المفاجأة الكبرى إذ سمع من جهاز الراديو نبأ قبوله في مدرسة المفوظين. هكذا أصبح ( دحّام كاظم الهضم / أبو طبر لاحقاً ) الفقير والطالب اليساري مفوضاً في سلك الشرطة العراقية. من مفارقات وغرابة طبيعة وسلوك هذا الرجل إنه كان أثناء خدمته في شرطة الحلة يقضي ساعات خفاراته الليلية يأكل ويسكر مجاناً في دار سرية مخصصة للقمار. حاميها حراميها.
دخل مدرسةً لمفوضي الشرطة لم يدخلها قبله شخص مثله أبداً. أساء إلى وظيفته في خدمته كمفوض شرطة ففُصِل. خالف تعليمات سلاح الجو العراقي فطُرِد ليجدَ نفسه مشرداً ضائعاً. قُبيل إلقاء القبض عليه، رأيته أوائل عام 1974 في شارع السعدون في قلب بغداد. وبعد السلام والتحيات وتبادل الأشواق سألته عن وضعه وماذا يعمل وأين. جاءني جوابه حرفياً : على حطّة إيدك… أتاجر بالسيارات بين ألمانيا والكويت. سألني عن أخي قحطان ( صديقه القديم ) وأين يسكن ؟
أعطيته بعض المعلومات العامة غير الدقيقة من قبيل إنه ما زال ضابطاً في الجيش ويسكن وعائلته في منطقة الكرادة الشرقية من بغداد. رأيته صباح اليوم التالي وفي المكان نفسه فلم أشأ أن ألتقيه فضيّعت نفسي وتواريت عنه ظناً مني إنه ـ وهو العاطل عن العمل ـ قد يطلب مني مساعدة نقدية ما كنت قادراً ولا مستعداً لتقديمها. بعد ذلك بفترة قصيرة تم إكتشافه وإلقاء القبض عليه. يا لغرائب المصادفات !! أنا ألتقي ( أبا طبر ) في قلب بغداد دون أن يخطر في بال بشرٍ إنه هو هذا الإنسان أبو طبر بعينه.
عندذاك أدركت سر إهتمامه بمعرفة عنوان سكن أخي قحطان. لربما وضعه في قائمة ضحاياه. أما أنا فقد كنتُ يومها بعيداً عنه وعن بغداد، جئتها من السليمانية لأقضّي عطلة نصف السنة. في المقابلة التلفزيونية التي أُجريت معه قال إنه بسبب ما عانى في الحياة من فشل ومصائب مستعدٌ لشرب دماء البشر. قال ذلك بالحرف الواحد. بعد محاكمته أُعدِم مع زوجه وشقيقيه.

وكالات

المشاركة

اترك تعليق