محمد حسن قاسم –
في كل عام و مع حلول ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر تعود بنا الأيام لوجع و مشاعر حزينة على فقدان رجل إستثنائي كبير و أكبر من أي حدود و أي وطن، فتعود قضيته قضية الأمة التي لم تقتصر يوماً على جماعة او طائفة ما لتحيا معنا و بنا من جديد، و تحيا بها التساؤلات و التكهنات عن مصير هذا السيد العظيم الذي لا يمكن ان ينسى أبداً.

فمنذ سنين و مع سقوط القذافي على أثر الربيع العربي لم يحلّ لغز إختفاء الإمام، و كل ما حصل أن بعض المسؤولين الليبيين إدّعوا أنهم سمعوا أن الإمام قد قتل و رمي جثمانه في البحر، و طبعاً هذا الأمر لاقى نفياً و عدم قبول من أسرة الإمام، و لكن لماذا لا يتقبل المقربون و أسرة الإمام فكرة وفاته أو استشهاده؟ و هل هذا الإعتقاد بحياة الإمام نابع من أحاسيس و مشاعر عاطفية ام أنه وفق إعتقادات منطقية و عقلانية؟

“مهدي فيروزان” و بسبب نشاطاته الثقافية المستمرة و المتنوعة يعتبر شخصية معروفة و من المرتبطين بالإمام موسى الصدر و من الذين لا يقبلون بفكرة أن الإمام قد قتل، و في مذكرة نشرتها المؤسسة الثقافية للإمام موسى الصدر ذكر هذه الأدلة العشرة التي تدحض فرضية موت الإمام الصدر ننقلها إليكم:

1- سفر الإمام موسى الصدر و رفيقيه إلى ليبيا قطعي ففي (25 أغسطس 1987) وصل الإمام موسى الصدر على متن الخطوط الجوية اللبنانية إلى طرابلس الغرب سليماً و بصحة جيدة و بملئ إرادته و استقبل هناك إستقبالاً رسمياً.

2- سفر الإمام كان تلبية لدعوة رسمية من الدولة الليبية و هذه أيضاً حقيقة مؤكدة و حتمية. لذا كان الإمام و مرافقيه ضيوفاً رسميين لدى الدولة الليبية العضو في الأمم المتحدة و التي تعرف القوانين الدولية جيداً و أهمية الإلتزلم بها.

3- الحقيقة الأخرى المؤكدة هي أن إدعاء دولة القذافي المبنية على خروج الإمام موسى الصدر من ليبيا على متن الرحلة الإيطالية رقم 881 في 31-8-1978 كاذب، والحقيقة هي أنه وفقاً لبيان رسمي من النائب العام الإيطالي في 19-5-1979، الإمام ورفيقيه لم يتركوا الأراضي الليبية لا في التاريخ و لا على متن الطائرة المذكورة في إدعاءات الدولة الليبية.

4- حقيقة أخرى لا يمكن إنكارها و التي أتت وفقا لتصريحات القذافي في عام 2002 و العديد من المسؤولين بعد الثورة الليبية هي أن الإمام موسى الصدر و مرافقيه تم إحتجازهم في ليبيا و لم يخرجوا منها أبداً.

5- حقيقة أخرى هي أن كل المعلومات السرّية التي نشرت بعد نجاح الإنقلاب في ليبيا و سقوط القذافي لا تذكر أو تدل على شهادة الإمام الصدر.

6- نحن نتحدث عن معلومات لا تحليل وتفسير للمعلومات. ففي حالة الأمور القانونية و حياة إنسان على وجه الخصوص لا يمكن الاعتماد على التحاليل و التفسيرات والوثوق بها، الدلائل التي يجب أن نحكم على أساسها يجب أن تكون معلومات و أخبار موثوقة و من مصادر موثوقة لأن التحليل و الإستدلال و المقارنة و ما إلى ذلك لا يمكن الجزم على أساسها بحياة إنسان من عدمها.

7- بعد سقوط القذافي، أصدرت حكومة الثورة الليبية نبأ عن استشهاد الإمام موسى الصدر في مناسبة واحدة فقط، و كان الإعلان مبني على أن أحد الأجساد الـ12 المدفونة في منطقة “تاجورا” يعود للإمام الصدر، و لكن عائلة الإمام رفضت هذه الإدعاءت وفقاً لمعلومات و أخبار كانت في حوزتهم.
و حتماً بعد توافق جرى بين الحكومة اللبنانية و تلك الليبية أجريت فحوص الـ DNA للأجساد الـ12 في مختبرات أوروبية متطورة الأمر الذي كذّب الإداعاءات الليبية حول وجود جثمان الإمام الصدر بينهم، و منذ ذلك الحين و حتى قبل ذلك لم يعلن أو يذكر أي تصريح رسمي ليبي أو من شخصيات ليبية يذكر أو يظهر أي مستندات أو شواهد تدل على إحتمالية شهادة الإمام الصدر.

8- طوال هذه الفترة التي أعتقد فيها البعض أن الإمام ميتاً كان ذلك مجرد تكهنات لأن لا معلومات أو شواهد على ذلك، بل على أساس تحليلهم الشخصي و تفسيرات غير مدعومة، أما الأشخاص الذين اعتقدوا بأن الإمام لا زال حياً فقد كان ذلك وفقاً للمعلومات و المستندات المتواجد حتى الآن، و يمكن القول إن كل هذا الأخذ و العطاء كان بسبب هذين السببين أي التحليل و المعلومات الموّثقة و الجدير بالذكر أن موضوعاً حساساً كهذا لا يجب أن يحكم فيه على أساس التحليل و التخمين.

9- التحليل و التفكير ليس مصان من الخطأ أما المعلوممات و الشواهد هي كالمعادلة الرياضية عينية و ثابتة. و إذا ما أردنا بحث قضية تغييب الإمام و مصيره الحالي بطريقة منطقية و بإتباع منهجية رياضية تؤدي لحقائق ثابتة بدون إدخال التحليل و الظن و التوصل لنتيجة من جرّاء ذلك يجب إتباع الأسلوب و الطريقة التي تعتمد على البنية و المعادلة التي ترتكز على الحقائق و الثوابت التالية:

10- الطرف الأول من المعادلة يجب أن يبنى على المعلومات القطعية؛ الإمام الصدر وصل إلى ليبيا حياً و سالماً و بملئ إرادته إلى ليبيا، الإمام كان ضيف الدولة الليبية التي حافظت عليهم. الإمام و من رافقه ملزمون بقبول جدول و مقررات و برنامج الإستقبال الذي أعده المضيفون. لم يخرج الإمام من ليبيا حتى الآن، لا يتم الحصول على أي خبر أو مستند موثوق و يبعض على الإطمئنان يدل على شهادة أو وفاة الإمام الصدر.
ما هو الطرف الآخر للمعادلة أو النتيجة و حاصل ما ذكر من معلومات؟ هل يمكن الجزم او حتى القول بوفاة و مصير الإمام؟ هل هناك أي إحتمال منطقي و عاقل و منصف آخر غير الإعتقاد بحياة الإمام؟ الجواب طبعاً منفي.

11- من وجهة النظر الفقهية في مثل هكذا حادثة و بغياب معلومات و حقائق منطقية و قوية كالحقائق الموجودة (وصول الإمام إلى ليبيا سالماً و حراً و بملئ إرادته) لا يمكن الحكم يغير الإعتقاد بحيات الإمام و لا إعتبار لغير ذلك لأنه يخالف الشرع، لأن قبول الوفاة او الموت يترتب عليه تبعات حقوقية و شرعية مختلفة و كثيرة و تقع على كل من يحكم و كل من يتبع هذا الحكم.

و بعيداً عن الدلائل و الحقائق التي ذكرت أعلاه يسأل البعض كيف يمكن أن نستبعد موته الطبيعي بسبب الشيخوخة و كبر السن فهو يبلغ الآن 86 عاماً تقريبا فمع مرور الزمان و هذه المدة الطويلة من غياب الإمام و الظروف المجهولة التي يعيش فيها و ذلك حتى لو سلمنا بقبول فرضية حياة الإمام و عدم قتله؟

يبقى الغياب و تبقى التساؤلات و التكهنات و يبقى مصير المغيب بيد الله و الأيام التي ستكشف و لو بعد حين مصير هذا السيد الجليل و القدير و تثلج قلوب محبيه و المقربين منه.

 

المشاركة

اترك تعليق