د. طالب محمد كريم

يعد الإعلام من الموضوعات ذات التأثير الكبير على حركة الدولة كمؤسسات وبناء الرأي للشعوب في أبعاده المعرفية والسياسية والاقتصادية و المجالات الاخرى التي لا تقل أهمية عن المجالات سالفة الذكر.
تكمن وظيفة الإعلام الرئيسية في نقل المعلومة، مما يلزم المؤسسة الإعلامية والعاملين فيها على ان تتوائم مع المنظومة القيمية والمبادئ الأخلاقية، ذلك انها تحمل أمانة المهنة في توصيل المعلومات الى الناس. ومما لا يخفى على القارئ، ان الإعلام ليس مهنة جديدة على المجتمع، حيث اقترن سابقا عن طريق الحوار، وعن طريق الخطابة السياسية،المقترنة هي الأخرى بالمناقشة والحوار، كما كانت تمارس في اليونان طوال فترة غير قصيرة من تاريخهم القديم.أما في العصور الوسطى كانت وسيلة نقل المعرفة والمعلومات هي التلقين المباشر من رجال الدين لإتباعهم الذين لا يملكون إلا أن يسمعوا ويطيعوا، وكان القادرون على إعلام الآخرين هم فئة قليلة يأتي إليهم الطلاب للمعرفة من كل أرجاء الأرض لكي يتعلموا على أيديهم، ويتشكلوا بطابعها وقالبها.ومن ثم ظهرت الطباعة مما أدى إلى افتتاح عصر جديد في نشر المعلومات، وقد احتلت مساحة اكبر وأوسع في نشر الأفكار والمعلومات، لذلك عدت خطوة هامة في تطوير الإعلام، حتى استمرت في الرقي وسيرورة العلوم التقنية والتكنولوجية،كل ذلك أدى إلى ارتباط الجماهير بالإعلام بالصوت والصورة، وفي الوقت نفسه كانت تلوح في الأفق رؤية ارتباط العالم كله بشبكة من المعلومات التي تصل الى أبعد أطرافه، وهذا ما له صلة مباشرة في اختراع الإذاعة اللاسلكية والإذاعة المرئية، حتى تطور الأمر إلى صناعة الانترنيت والفضائيات التي أدت بدورها الى تسريع نقل المعلومة في زمن تتنافس عليها المسؤولين ،سواء أكانوا على القنوات الفضائية او الأجهزة المعلوماتية الأخرى.
يرى “فؤاد زكريا” كما جاء في كتابه “التفكير العلمي”،ان الغاية الأساسية من الإعلام المسؤول قد عمل على تشكيل عقول الناس وصبها في قوالب واحدة تخدم أغراض نظام معين في الحكم، ومازال الأمر كذلك الى يومنا هذا، وأفهم منه انه لا يعتقد بان هناك إعلام مستقل بمعنى انها آلة وجدت لخدمة البشرية تعمل في الوصول الى الحقيقة، لذلك نجده يقسم العمل الإعلامي والأدائي الى:
إعلام تجاري هدفه الأول والأخير ترويج السلع بين الناس حتى لو لم يكونوا في حاجة اليها. والثاني الذي يسير قي عملية التزييف هذه،فهو طريق سياسي اذ ان نظم الحكم تستعين بأجهزة الإعلام من اجل دعم فكرها الايديولوجي بين قواعدها الجماهيرية،وقد تلجأ الى أساليب تتنافى مع مقومات التفكير السليم، والامر هذا ناتج من فكرة الضرورة السياسية البراغماتية المجردة من القيم الأخلاقية وحقوق الانسان في احترام كيانه الموجود والفاعل المتفاعل مع مؤسسات الدولة،ويعد الامر هذا من العلل الاساسية في الهبوط الشعبي والولائي(الانتماء) للواقع السياسي في شكل الحزب او الفرد المسؤول.
وبما ان الاعلام سلاح ذو حدين،أي تتضمن جنبة ايجابية وجنبة سلبية، يمكن لنا ان نطرح السؤال التالي:
كيف يستطيع المواطن المتلقي ان يميّز بين الاعلام التنويري والاعلام المظل؟
يمكن ان نستعير اجابة “رجاء سلامة” كما جاء في كتابها “نقد الثوابت” ، حيث تتخذ من قناتي الفيحاء العراقية والجزيرة القطرية،أنموذجا على الاعلام بشقيه التنويري والظلامي، لكن ربما هنا من يسأل حول ماهية المعايير التي تتخذ منها سلامة، في خطواتها النقدية والتحليلية، والأسس المهنية الاعلامية، والمرتكزات الفكرية لتشخيص التنوير من الظلاميات؟
ترى ان ما تعرضه قناة الفيحاء من مواطنين عراقيين وقفوا ويقفون امام الكاميرا يستغيثون ويطالبون بحمايتهم من الإرهابيين ويدعون كل العرب الى فتح عيونهم وآذانهم على معاناتهم اليومية جراء ما يسمونه”المقاومة”للمحتل. هي رسالة واضحة الى العالم بإنسانيته ودياناته وقيمه،ان ما يحدث هو قتل الانسان العراقي،وليس من باب الدعاية للنظام العراقي الجديد. وتقول أيضا”، رأيت وسمعت في الفيحاء العراقية رجالا قطع “صدام حسين” وأعوانه آذانهم اليمنى، ورأيت ثكلى فقدوا كل أبنائهم،ومعاقين جرّوا بقايا أجسادهم وجاءوا للإدلاء بشهاداتهم، ولطلب الحق والإنصاف، هؤلاء لا يروجون للدعاية الايديولوجية هم مواطنين عاشوا في بلاد الاستبداد وحاكم جلاد،إنهم يسمون الأسماء بمسمياتها ويوضحون الصورة الى الرأي العام ويؤرخون الأحداث في الواقع التاريخي،هؤلاء يسمون الإرهاب ارهاباً، بحسب تعبيرها، ومن ثم تحاول ان تستعرض الأداء الإعلامي لقناة الجزيرة فتقول:
اما إعلاميو قناة الجزيرة وغيرها من المنابر الاعلامية المحلية والعربية، فإنهم يترددون في تسمية الارهاب إرهابا،لا لأنهم يقدمون محتوى اعلامياً محايدا”، فما أبعدهم عن الحياد، وهم الذين لا يرون من العراق الا ما يريدون ان يروه، بل لانهم قساة غلاظ القلوب، ولان منطق القبيلة والأخذ بالثار أعمى أبصارهم واصم آذانهم، ا

حجي 1, [٢٨.٠٨.١٦ ١١:١٧]
لذين لا يسمون الإرهاب ارهابا، ويبدون تحفظهم بترديد عبارة”ما يسمى بالارهاب”. هم الذين شمتوا في آلاف الضحايا من يوم 11ايلول وهم الذين أغدقوا على ابن لادن لقب “الشيخ” وهم الذين بكوا على سقوط ذلك التمثال الذي نصبه المستبد لنفسه لكي يخلد نفسه ويرتهن عراق المستقبل كما ارتهن عراق عهده. والباكون على التماثيل هم العبيد الخائفون من فقدان العبودية.
اذن المعيار ألقيمي للتميز بين الإعلام الصالح والإعلام الضار، هو الانسان نفسه لأنه انسان، بعيدا عن العقائد الدينية والحزبية والقومية، والتخندق في وحدة الانسانية تجاه الاستبداد بصوره وأشكاله المتنوعة ، لكن ربما هذه المهمة هي سهلة على المفكر والمثقف،الا انها تبقى في درجة من الصعوبة جراء ابتكار فنون الخداع الاعلامي والخطاب السياسي.
– [ ] يعد فؤاد زكريا واحد من المفكرين العرب المعاصرين الذين يسهل عليهم ان يميزوا بين الاعلام التنويري من الظلامي، وسلامة هي الاخرى واحدة مما ذكرناه ويبدو انها داعية الى العلمانية لذلك تستطيع ان تفرز الخطاب الظلامي الارهابي من التنويري الاصلاحي ،بالاضافة الى القراءات والبحوث الأكاديمية، وهم يمثلون الطبقة الارستقراطية للثقافة،لكن المصيبة الأكبر هو العقل الجمعي الاجتماعي الذي في غالبه ضحية الخطاب الازدواجي، نعم ان واحدة من الاهداف السامية للمثقف ان يضئ طريق الناس نحو الحقيقة، ونشعر بهؤلاء المثقفين والمفكرين ونراهم في أحيان أخرى انهم يحاولون ان ينزلوا الى عامة الناس،الا ان المهمة الأصعب في البحث والتدقيق تقع على الفرد المواطن.

المشاركة

اترك تعليق