بقلم :صائب خليل

من يريد الحقائق عن خالد العبيدي، يمكنه ان يجدها هنا(1) وهنا(2)
أما الآن فسوف نتجاهل تلك الحقائق التي تمنعنا من التمتع ببطل وهمي مريح، مثلما يفعل 99% من الشعب العراقي، ونركز على الحملة الإعلامية التي تسعى لتصنع ذلك البطل ولننظر ما هي اساليبها، ولنبدأ بأحد اعمدتها: هاشم العقابي وخطابه “التاريخي” الى العبيدي: (3)
.
رغم ما قد يبدو فيها من عفوية ولهجة عامية، فإن خطاب هاشم العقابي منظم تماما، ويبدو كجزء من خطة هادفة بشكل كبير، تتضمن:
.
1- إظهار العبيدي كـ “مظلوم”. وهذه النقطة تعرف بظاهرة الـ “الكلب الأسفل” (The Under Dog) ومفادها أنه إذا تعاركت الكلاب، فأن الناس تتعاطف مع الكلب الذي يسقط وتتكالب فوقه الكلاب الأخرى.
.
2- استغلال فساد البرلمان المعروف، لإظهار العبيدي كنقيض له، وبالتالي فهو “نزيه لأن إدانتك أتت واقالتك أتت من فاسدين” (مقتطف من خطاب العقابي)
.
3- استغلال المشاعر الطائفية لكسب الطائفتين معا: فأعطيت الطائفة الأولى “علي وياك علي”، التي يؤكد العقابي انها تعني ان الرجل “عراقي” (يعني انه يكفي إيجار بضعة مأجورين لكي يظهر الشخص “عراقي”)، كما قام بتشبيه العبيدي بالحسين، وكأن من لقن المحشش الذي كان يهفت لمقتدى، قد لقن العقابي! والإشارة إلى الحسين تزيد في تركيز فكرة “المظلوم” طبعاً.
اما كسب السنة فيفترض انه تحصيل حاصل، باعتبار الرجل سني، لكن أيضا بالتركيز على ان الذين يعادونه إنما يعادونه لسبب طائفي، كما ذكر العقابي.
.
4- استثارة الشعور الوطني، وكمية الكره والخوف التي قام الإعلام بإثارتها خلال السنوات الماضية ضد إيران. ويقوم من صمم خطاب الهاشمي بتصوير الأمر على ان الهجوم على العبيدي يتم من قبل إيران ضد العراق! أما دليله على ذلك فهو فقط ان الجبوري قد زار إيران! فيقول: ” اليوم إيران دارت على العراق! سليم الجبوري وين راح؟ راح لإيران!”
ويذكرنا ذلك بإحدى أسلحة اللوبي الأمريكي في الاعلام العراقي اثناء فترة الصراع حول إقرار الاتفاقية الأميركية العراقية، فقد قال هؤلاء ان رفض الاتفاقية يأتي من إيران، وكأن الشعب لا يمكن ان يرفض بنفسه اتفاقية مهينة، وهي إهانة ضمنية للشعب. مثلما يفعل هاشم العقابي هنا، وكأن الشعب لا يمكن ان يطالب بالتحقيق مع المشتبه بهم بالفساد وطردهم، إلا إذا أمرتهم إيران.
.
5- الابتزاز المسبق والترهيب لكل من “قد تسول له نفسه” ان يختلف مع خطاب تبجيل العبيدي. العقابي: ” لكني اقول.. لعن الله امة او ملة التفت عليك!” … “وأقول أيضا لعن الله كل مثقف سمع اليوم بظلمك، سكت أو رضي عنه”.
الابتزاز والترهيب لم يقتصر على خطاب العقابي، بل ينتشر الكثيرون على صفحات الفيسبوك لشتم كل من قد يفتح فمه حتى بسؤال او من يتجرأ على إعطاء خصوم العبيدي فرصة ليدافعوا عن أنفسهم على صفحته. يمكن للقارئ ان يرى التعليقات على هذا المنشور(4)، والتي تشعر المرء بأنه في مصحة عقلية، أو هذا المنشور الذي لم اجد في 125 تعليقا تصفق، تعليق واحد يتساءل أين صارت التهم الموجهة للعبيدي. (5)
.
6- في نهاية خطاب العقابي محاولة واضحة لتنظيم عصيان يساعد على توجيه البلاد كما يريد الأمريكان كما تعلمهم تجاربهم الكثيرة في “الثورات الملونة” في مختلف انحاء العالم، وثورات “الربيع العربي”. إنه يطالب ان يرفع الناس علما عراقيا منكسا او راية سوداء.. ولعل منظم الفكرة أراد الاستفادة من الرايات السود المنتشرة بكثرة في العراق، وقد يتم تصويرها وتقديمها إعلاميا على انها تضامن مع العبيدي. كذلك طلب العقابي رفع شعارات الدعم للعبيدي على صفحات الإنترنت وعلى السيارات، وأن يستمر ذلك لمدة أسبوع!
.
ومثلما ركزت الحملة الإعلامية على تصوير الأمر على انه معركة بين العبيدي والبرلمان الفاسد، ركزت أيضاً على الاستفادة من خزين الكراهية والحقد الذي تشكل أو تم بناءه خلال السنين الماضية ضد النائب حنان الفتلاوي، وإظهار الأمر وكأنه مباراة بينهما، رغم ان النائب عالية نصيف هي التي قدمت الاستجواب الذي أفقد العبيدي ثقة البرلمان، لكن التركيز الإعلامي كان موجها ليمحو ذاكرة الناس ويخفي عالية نصيف تماما عن الأضواء ويقدم الفتلاوي كأنها هي التي اسقطت العبيدي. إنه أمر يثير الكثير من الريبة، خاصة عندما يمارسه الإعلام كله بانسجام، وكأنما تم الاتفاق عليه، فمن الذي نسق بين وسائل الإعلام؟
.
لماذا استبدل الإعلام عالية نصيف بحنان الفتلاوي؟ هناك سببان في تقديري لهذا الاختيار هما 1- أن الكراهية التي تمت إثارتها ضد الفتلاوي خلال السنين الماضية، المحقة منها والمفتعلة، أكبر بما لا يقاس من تلك التي أثيرت ضد عالية نصيف، رغم ان هذه حصلت على حصتها من التشهير البشع أحيانا. ولكن الأهم من هذا هو 2- أنه لكي نظهر العبيدي بصورة المظلوم، والاستفادة من مشاعر التعاطف الجماهيري مع “الكلب الأسفل”، فإننا بحاجة إلى شخص مناسب ومقنع لدور “الظالم”. “عالية نصيف” التي كانت تبكي بعد الاستجواب، لم تكن مقنعة تماما لهذا الدور. بينما النائب حنان الفتلاوي التي عرفت بشدتها وهجومية خطابها، أنسب كثيرا لدور “الظالم” في المسرحية، وأكثر إقناعاً للاوعي الجمهور.
وقد كان الهجوم على الفتلاوي من القوة والبشاعة وانعدام الضمير، أن الفيسبوك امتلأ بصور متعددة مدبلجة لها وهي تؤشر مبتسمة إلى ضحايا الإرهاب وكأنها مجنونة تتشفى بهم.
.
العقابي الذي لم يذكر حنان الفتلاوي في خطابه، كان قد خاض قبل أيام معركة كسر عظم معها، ابتدأها بهجوم غريب ملخصه بأن خطابها “يفتقد للأنوثة”، فترد عليه بان الأنوثة تليق بـ (ملك التلون والنفاق) باعتباره كان قد قال عنها: “عندما اراك تتحدثين كأني أرى زينب تدافع عن الحسين”، عندما كان يأمل بمنصب من المالكي، ونشرت صورة اطروحته للماجستير في كلية التربية وعنوانها “القيم السائدة في أحاديث الرئيس القائد صدام حسين”.(6)
وسواء اتفقنا مع الفتلاوي أم لا، فمن الواضح ان العقابي، شخص متلون عديم المبادئ. لذلك تثير الابتسام عبارته: “أشهد بضميري وقلبي وصوتي وصورتي واشهد اهل الأرض والسماء بأنك نزيه”. فمثلما يبرهن نزاهة العبيدي لأن من اقاله فاسد لا تصح إقالته، يكون العبيدي فاسداً لأن من نزهه، شخص يعرض ضميره للإيجار المرة تلو الأخرى. لقد أشرنا إلى رابط بالحقائق التي مثلت التهم الموجهة للوزير، وهي متوفرة بل مازالت طرية في الذاكرة، لكننا لن نجد أمثال العقابي، أو المتحمسين لـ “البطل”، يطالبونه بإجابات عنها، بل الويل لمن يفعل ذلك امامهم، فهم يثقون به، علمانيون وغير علمانيين، كما يثق بسطاء الصدريين بمقتدى!
.
تصوري انه يتم الإعداد للعبيدي لدور خطير جدا لعراق ما بعد تحرير الموصل. فالمحتال الذي لا يجد ما يمنعه من القيام بتمثيلية الجلوس في كرسي مدرب الطيار الذي ليس فيه حتى زر لإطلاق الصواريخ، ثم يدعي أنه وجه “ضربة ناجحة” لداعش، يهديها للشعب، الشخص الذي لديه استعداد ان يوافق على تغيير عقد لبنادق إلى اخرى فاسدة، ويقوم بتمريرها بتغيير لجنة الفحص عدة مرات إلى أن تمر، ثم يوجهها بكتاب إلى الحشد الشعبي دون غيره. هذا الشخص مستعد لكل شيء! إنه الشخص الأمثل والأهم للاحتلال! والدليل على أهميته هو هول الحملة الإعلامية عالية التقنية التي أحاطت وتحيط به حتى قبل استجوابه في البرلمان، والتي لم يحظ بمثلها أي عراقي بعد 2003 على الإطلاق!
.
ورغم أن الكثير ممن كتب دفاعا عن العبيدي قد فعل ذلك عن “قناعة”، وأكثر منهم من تبرع بالمساهمة في تحويل الهجوم عليه، نحو فاسدي البرلمان او حنان الفتلاوي، قد فعل ذلك انسيابا مع التيار وتناسقا مع مشاعره السابقة تجاههما، إلا ان الأدوات الرئيسة للهجوم ومنها هاشم العقابي، لا يمكن ان تكون بريئةً.
.
من يقف وراء كل هذا؟ التركيز على شيطنة إيران وحشر الميليشيات (الحشد) “التي ستجعل الدم يسيل في العراق”، بدون مناسبة، ورغم ان هادي العامري، الأقرب إلى إيران و “الميليشيات” قد صوت لصالح الوزير، ربما يفضح حقيقة من يكتب خطابات العقابي وقد يكشف لنا من وراء القضية كلها.
.
لكن لعل الأغرب والأكثر دلالةً في خطاب العقابي هو إشارته العابرة في موضوع الدفاع عن المظلومين. فلم يشر إلى “جيفارا” مثلاً باعتباره الرمز الذي يعرفه الجميع للدفاع عن المظلوم في كل العالم، أو شخصية كبيرة من التاريخ الإسلامي، مثل الإمام علي، او عمر، بل وقع اختياره “ضابطا يهودياً” في فرنسا في القرن التاسع عشر، لم يسمع به إلا القليل، واحتجت ان ابحث طويلا لأعرف من هو المقصود! فهل أن حشر “مظلوم يهودي” غير معروف وبدون أية مناسبة، هي مجرد صدفة؟ لا أؤمن بالصدف في مثل هذا…. بل اعتقد ان السادة يحرجون جماعتهم أحيانا بطلبات أكثر من اللازم.
.
لماذا إذن صوت البعض من بيادق الأمريكان المعروفين في البرلمان، لصالح إقالة الوزير؟ تقديري ان الخطة الأمركية للعبيدي ربما تتطلب خروجه من وزارة الدفاع للعب دور هام في الموصل بعد “تحريرها”. أما الوزارة فربما يتم تسليمها لأحد الذين ربتهم اميركا تربية مباشرة، حيث تدور الإشاعات عن ضابط محدد له مثل هذه الصفاة، وهكذا تكسب اميركا بيدقا آخر وتحتفظ بالدفاع!
.
في كل الأحوال فإننا نعيش من اليوم جديد جواً مرعباً من التملق والتعظيم لشخص مدان بالفساد، ويتم الدفاع عنه بشراسة وتجاهل تام للحقائق، وكأن الشارع يمتلئ بالمجانين والإعلام يصرخ بالمترددين: هيا.. “دع القلق وابدأ النفاق”! 

المشاركة

اترك تعليق