بقلم :محمد شريف أبو ميسم 

يحاول البعض اثارة حالة من القلق والخوف مما سمي بمرحلة مابعد تحرير الموصل عبر اطلاق سلسلة من التصريحات أعادت انتاج السلوك القائم على سياسة لي الأذرع ومن ثم فرض الأمر الواقع بهدف تحقيق المزيد من المكاسب على حساب الكم الهائل من الجروح التي ملأت جسد البلاد، ما خلق حالة من التشاؤم لدى العديد من الجمهور بشأن التعايش السلمي الذي يحلم به عموم أبناء العراق بشكل عام وأبناء نينوى بشكل خاص، فضلا عما أفرزته تحركات قوات البيشمركة خارج اطار السياقات والأوامر المركزية التي تدير دفة المعركة مع الارهاب في عموم البلاد ما زاد من حالة القلق خصوصا وان كل مناشدات القيادة العامة للقوات المسلحة لم تجد آذانا صاغية للاحتكام للأوامر المركزية.

من جانب آخر راحت بعض القوى تعيد انتاج الخطاب الطائفي وتسوق ذات الشعارات لخلق المزيد من حالة الشقاق والفرقة بين أبناء هذا البلد بهدف تحقيق بعض الأوهام المريضة والمكاسب السياسية، حتى لكأننا ازاء مستنقع من النزاعات التي تعتاش عليها طفيليات السياسة وما من سبيل لنا سوى ردم هذا المستنقع لوضع حد لروائح العفن السياسي والاخلاقي الذي أصاب جمال بلادنا بالقبح وصفاء أرواحنا بضجيج الفتن القائمة على الشعوبية والعنصرية .

ليس أمامنا الا اعادة النظر بالدستور من خلال رأي عام ضاغط تتصدره النخب من الأكاديميين والجامعيين والفنانين وعموم المثقفين بهدف وضع نهاية لأساليب التسويق السياسي على مطية الطائفية والعرقية ، ليس أمامنا الا المطالبة بنص دستوري وآخر في متن قانون الأحزاب يمنعان ممارسة السياسة من منطلقات دينية أو عرقية أو فئوية ويحرمان قيام الأحزاب على وفق هذه المنطلقات ويجرمان الخطاب السياسي الطائفي ويضعانه موضع التحريض على الارهاب.

المؤسف حقا أن توضع البلاد موضع الفريسة التي يغتنهما أبناءها من دعاة الحرب والسياسة الذين تصدروا المشهد تحت رداء الديموقراطية «قسرا» في وقت يتصدى فيه النجباء من أبناء هذه البلاد للظلاميين ويقدمون أرواحهم قرابين في معبد الانتماء لهذه الأرض ، فهذا يريد أن يقتطع أجزاء من نينوى لصالح أوهامه المريضة وذاك لا يتوانى عن فعل أي شيء مقابل الزعامة على أبناء عمومته وآخر يبحث عن امارة يشتريها ببيع الأرض ، وجميعهم صغار أمام الارادات الخارجية عندما تسيّر الأحداث أمام أعينهم ، وكأنهم نعامات نهبن الأرض لكن على أبناء جلدتهم أسود .

كل المعطيات تشير الى أن معركة الموصل هي الصفحة الأخيرة في ملف تواجد داعش على أرض العراق بعد أن حققت أهدافها في تعطيل الحياة وتدمير الاقتصاد ومن ثم أعاقة البلاد عن النمو المبكر في نظر من جاء بداعش وهو يعد العدة لمشروع شرق أوسطي كبير، فهل لهؤلاء الطائفيين والشعوبيين من ارادة قادرة على تغيير مسار الأحداث لصالحهم ازاء الارادات الخارجية التي تتقاطع في بعض مفاصلها مع أطماعهم ، الموصل ستتحرر وسيثار مشروع اقليم الموصل بعد أن تدخل المدينة في طور اعادة البناء والاعمار مثلما ستثار قضية انفصال اقليم كردستان من قبل دعاة الانفصال الذين يحاولون اليوم وضع أيديهم على المزيد من أراضي الموصل بهدف توظيفها في مرحلة مفاوضات الانفصال على الأراضي المتنازع عليها التي لم تحسم بعد وفق ما جاء بالمادة 140 من الدستور، والذين يتربصون بالبلاد متأملين المزيد من الضعف بهدف تحقيق مطامعهم المريضة سيكونون كالأصنام أمام الارادات الخارجية التي ربما ترفض مشروع الأقلمة حاليا ومشروع الدولة الكردية كاجراء تكتيكي وفق ستراتيجية طويلة يراد بها زرع المزيد من الثقة مع القوى النافذة حاليا وهي تسعى لعراق متماسك في الشكل وممزق في وحدة الارادة الوطنية عراق ضعيف تقوده المجاميع الطائفية والشعوبية ويحكمه رأس المال ، وخصوصا رأس المال الأجنبي الذي ما زال مكانه شاغرا في ساحة الاستثمار الاقتصادي في الداخل العراقي جراء تعطل الحياة وتقهقر الفعاليات الاقتصادية الحقيقية في البلاد ، هذا الرأسمال الأجنبي هو الذي سيصنع شكل المشهد السياسي في العراق ما بعد العام 2016 ومن المهم الآن في نظر الارادات الخارجية التي صنعت لنا المزيد من الأزمات على مدار سنوات ما بعد التغيير أن تشهد البلاد مرحلة من الاستقرار الأمني والهدوء السياسي لفتح أبواب الاستثمار بهدف قدوم رأس المال الذي سيدير المشهد السياسي من الحديقة الخلفية للفعاليات الاقتصادية بعد أن شرعت الحكومة الحالية ببرنامجها الاصلاحي في نقل القطاع العام الى القطاع الخاص وانهاء مرحلة الدولة الموازية «التي شكلتها نشاطات اقتصاد الظل» للدولة الأم عبر اكمال التشريعات التي تنظم علاقات السوق وفق المصالح الرأسمالية.  

ازاء ذلك ستبقى الأصوات النشاز متعالية وسط ضجيج النزاعات والبعض يدعي المعرفة بداعش ويدين عهرها في وقت يعيش كالطفيلي تحت ظلها.

أحدهم يقول: نحن نعرف داعش ومن أي رحم ولدت ومن أية أموال رضعت وبرعاية منّ ترعرعت وكبرت ، لكنه سرعان ما يتاجر بالمأساة الداعشية في سوق النخاسة الطائفية ، وكل ذلك لأننا أجزنا للشعوبيين والعنصريين والطائفيين أن يكونوا في الصدارة.  

المشاركة

اترك تعليق