أتت الخطوة العسكرية الروسية الإيرانية المُنسَّقة بإستخدام قاعدة عسكرية في منطقة همدان الإيرانية، في ظل واقعٍ من التحوُّل تشهده المنطقة برمتها. في حين يمكن القول أنها لم تؤثِّر فقط على الواقع السياسي، بل انسحبت للتأثير على الواقع الجيوسياسي والجيوعسكري على الصعيدين الحالي والإستراتيجي، لا سيما في صراع محور المقاومة مع قوى الإستكبار العالمي. وهو ما يحتاج لوقفة تحليلية. في حين لا يمكن التغاضي عن موقف الطرف الإسرائيلي، والذي يُعتبر طرفاً أساسياً إقليمياً في صراع محور المقاومة. لذلك سنحاول في هذا المقال، تسليط الضوء على الأثر الإستراتيجي للخطوة الروسية الإيرانية. وسنُجيب على الأسئلة التالية: كيف عكست تل أبيب حالة القلق من الخطوة الروسية الإيرانية؟ وما هو التحليل الدقيق لردة الفعل الإسرائيلية؟ وأين تكمن نقاط القوة التي سيستفيد منها محور المقاومة في صراعه مع قوى الإستكبار العالمي لا سيما الكيان الإسرائيلي؟

الصحف الإسرائيلية تعكس حالة القلق

نقلت الصحف المعنية بمتابعة المواضيع الأكثر تداولاً في الكيان الإسرائيلي، عن صحيفة “إسرائيل اليوم”، حالة القلق التي سادت المسؤوليين السياسيين والعسكريين، من ارتفاع منسوب التعاون الروسي الإيراني. وهو ما عبَّرت عنه بإعتبارها أن هذا التعاون، لن يقف عند إقامة روسيا لقاعدة عسكرية في إيران، بل ستلحق به العديد من الخطوات والتي تنتظر أعداء محور المقاومة في المنطقة. مُشيرةً الى أن هذه الخطوة، تُعزِّز موقف طهران المعادي لأمريكا، وكافة حلفاء واشنطن الإقليميين لا سيما تل أبيب. حيث ستدفع تل أبيب ثمن هذه الخطوة عبر تعزيز وتحصين مكانة إيران في المنطقة، مقابل أي تحركٍ يمكن أن يحصل ضدها من قبل الكيان الإسرائيلي أو أمريكا. فيما يُعتبر الرابح الخفي من الخطوة، هو حزب الله.

من جهته أشار محلل الشؤون العربية في التلفزيون الإسرائيلي “عوديد غرانون”، بحسب ما نقلت صحيفة الديار اللبنانية، الى أن الخطوة الروسية الإيرانية أدت الى مرحلة من التحول وأنتجت وضعاً غير مسبوق على مستوى الشرق الأوسط.

تحليل ردة الفعل الإسرائيلية: أسباب ودلائل

عدة أسباب قد تُفسِّر القلق الإسرائيلي. والذي يمكن اعتباره عينة عن القلق الذي يسود محور الإستكبار العالمي. فيما لهذه الأسباب عدة دلالات. نُشير للأسباب والدلالات بالتالي:

– على الصعيد الإقليمي الإسرائيلي يُعتبر غرق القيادة الإسرائيلية بتسوية أوضاعها ومشكلاتها الداخلية، على الصعيدين العسكري والسياسي، هو من الأمور التي تمنع تل أبيب من القيام بأي ردة فعل مؤثرة في موازين القوة التي أنتجتها الخطوة. حيث تُعتبر الجبهة الشمالية، والتي تشغل القيادة العسكرية الإسرائيلية، ومحاولتها ترقب الوضع في جنوب لبنان والجولان السوري واحدة من هذه المشكلات، خصوصاً بعد تهديدات السيد حسن نصر الله ووضعه معادلاتٍ بات الصهاينة في حيرة من أمرهم أمامها.

على الصعيد الدولي، يُدرك الطرف الإسرائيلي خطورة اللعب مع موسكو والتي تتعاطى وتنطلق من كونها طرفاً دولياً. الى جانب حذر تل أبيب من العبث مع طهران الحازمة في مواقفها، والقادرة على التأثير إقليمياً ودولياً.

جاءت الخطوة في ظل عجزٍ أمريكي واضح، لأسبابٍ تعود لإنشغاله في ملف الإنتخابات الداخلية، الى جانب فشل حلفاء واشنطن في المنطقة في التأثير في المشهد الإقليمي، في ظل تراجعٍ للرهانات على الملف السوري نتجية تغيُّر قواعد الميدان، بالإضافة الى الغرق في مستنقع اليمن، وخروج العراق من الحاجة لأمريكا.

لم تنجح محاولات تل أبيب في إقامة حلفٍ مع بعض الأنظمة، في إيجاد أي أثرٍ من الناحية العملية. حيث إنحصرت نتائج هذه التحالفات على أطرافها، فيما فشلت في حصار محور المقاومة.

ماذا يعني إقامة القاعدة العسكرية وكيف يرفع من نقاط القوة لدى محور المقاومة؟

يمكن تفسير نتائج وأثر إقامة القاعدة العسكرية الروسية الإيرانية على مجريات الصراع بين محور المقاومة ضد الكيان الإسرائيلي وقوى الإستكبار بالتالي:

أولاً: تعزيز النفوذ الروسي الإيراني وتفعيل دور الطرفين على الصعيدين الإقليمي والدولي. حيث نقلت الخطوة التعاون الإيراني الروسي، من التعاون السياسي والعسكري المؤثر إقليمياً الى المؤثر دولياً. وهو ما نتج عن التنسيق فيما يخص الأزمة السورية. فيما تخطت جغرافيا التعاون والتنسيق، حدود الأرض السورية، مما يعني الكثير من الناحية الجيوسياسية والجيوعسكرية. حيث تُعتبر الخطوة العسكرية، تقدُّماً في الميدان الإقليمي والدولي، على حساب التراجع الأمريكي الراضخ للتوازنات الجديدة. وهو ما ستستفيد منه الصين حتماً، في صراعها مع الطرف الأمريكي الساعي دوماً لإستفزازها.

ثانياً: إقامة واقع جديد يفرض معادلات جديدة، لا تتعلق فقط بأطراف الخطوة أي إيران وروسيا، بل تتعلق بكافة الأطراف التي تنتمي الى محور المقاومة الذي تترأسه طهران. حيث أن الخطوة بآثارها، لن تنحصر فقط على الصعيد المتعلق بالدول إيران وروسيا، أو بالأزمة السورية، بل ستنعكس إيجاباً على حزب الله الذي سيستفيد من الإعتراف الضمني الروسي بدور إيران الدولي، وستنظر المقاومة الفلسطينية الى تعاظم قدرة الدور الإيراني مما سينعكس على روحية الإنتفاضة. بالإضافة الى أن العراق سيستفيد من الخطوة لا سيما بعد خروجه من الحاجة لأمريكا، كما أن اليمن سيزداد حشداً للمطالبة بحقوقه، في ظل فشل العدوان الأمريكي السعودي على شعبه.

ثالثاً: تأكيد تراجع الهيبة الأمريكية وضرب حلفاء واشنطن في المنطقة، وهو ما أثبتته الخطوة. حيث أن الواقع اليوم، يُبرز إمكانية القيام بخطوات عملية على الصعيدين العسكري والسياسي من قبل أطراف كإيران وروسيا، بعيداً عن الرضا أو الحسابات الأمريكية، وهو ما لم يكن بالإمكان القيام به سابقاً، نتيجة قدرة الطرف الأمريكي على فرض التوازنات التي يريد في السياسة الدولية. وهنا لا نعني بأن الطرفين كانا في الماضي بعيدين عن مقارعة واشنطن، حيث أن موقف روسيا من الخصومة السياسية مع أمريكا معروف، وكذلك الموقف الإيراني من العداء لواشنطن واضح. بل نقول أن السياسة الدولية تحكمها دوماً توازنات، تحتاج لحسابات دقيقة. مما يعني بالنتيجة، تراجع هيبة أمريكا وزعزعة وضع حلفائها الإقليميين، ودخول كافة أتباع السياسة الأمريكية في مرحلة الإنعزال. حيث أن الواقع يفرض الترقُّب، بإنتظار ما سينتج عن واشنطن، الغارقة في إنتخاباتها الداخلية.

إذن، جاءت الخطوة الروسية الإيرانية، لتكون نقطة قوةٍ جديدة، تُضاف الى نقاط محور المقاومة. فالهيبة السياسية والعسكرية للمحور الدولي المعادي لأمريكا، باتت تحكم المشهد الإقليمي والدولي. في حين سينعكس ذلك، على محور المقاومة، والذي باتت إيران، عرَّابة سياساته، الهادفة لرفعه نحو منسوب التأثير الإقليمي والدولي. لنقول أن النتيجة، هي تثبيت واقعٍ من القوة وفق معادلاتٍ جديدة.

المصدر /الوقت

AH

 

 

المشاركة

اترك تعليق