كتب / د. دياري صالح مجيد…
تصاعدت في الايام الماضية حدة التصريحات بين بغداد و أربيل حول طبيعة العمليات الجارية في المحاور التي ينشط فيها كلا الطرفين حول الموصل . بدت هذه المدينة و كانها حلبة تنافس عسكري يسعى فيها كل من الطرفين الى الاسراع من اجل فرض السيطرة على اوسع نطاقات ممكنة , من اجل المساومة السياسية لاحقا بعد ان تتم عمليات التحرير الكلية , التي يبدو بانها باتت تشهد بشكل متزامن عقبات سياسية ستسهم لاحقا في تأخير عمليات ازاحة داعش من مشهد الاحداث . الموصل – المدينة الصغيرة على خريطة العالم , باتت اليوم تشكل مصدرا للاستقطاب الدولي الحاد و الخطر بذات الوقت .
من جهتها تسعى القوات الكردية الى العمل على تحرير ما تسميه بالمناطق الكردستانية , لانها تشكل النطاق الاهم بالنسبة لها . هنا يسعى الاقليم الى القيام بدور المدافع عن الاكراد حيثما وجدوا , و الهدف في حقيقته ابعد من مسالة الدفاع حيث له ارتباطات جيوبولتيكية واسعة و معقدة بذات الوقت . الدليل على ذلك ان الاكراد في بغداد لا يعنون الكثير في خطاب الاقليم , الا في موسم الانتخابات . هنا تسهم الجغرافيا و الموارد في لعب الدور الاعمق في تفسير ما يجري .
بالمقابل قامت بغداد بالتاكيد على بيان موقفها الرافض لسياسة الامر الواقع التي يسعى لها الاقليم . التحذيرات التي جاءت بلغة دبلوماسية بحتة كانت بالاساس تنطلق من قناعة ذات علاقة بالدور الامريكي في الملف الشائك الذي تمثله عملية تحرير الموصل . تعتقد بغداد بان تمرير الاتفاق الامني الاخير بين واشنطن – اربيل بمباركتها غير المعلنة رسميا , يمكن لها ان تشكل الزاما ما بالنهاية لقيادات الاقليم تجاه الخطوات التي يجب اتخاذها بهذا الخصوص . احد البنود المسربة لهذا الاتفاق توصي بعدم بقاء القوات الكردية في المناطق التي يتم تحريرها , كما توصي بضرورة التعاون الوثيق مع بغداد في مجال الخطط العسكرية الخاصة بتحرير الموصل , بما يضمن القيام بعمليات عسكرية من اراضي الاقليم ذاته حينما تقتضي الضرورة .
الموافقة التي صدرت من بغداد على طبيعة هذه الاتفاقية التي يتم فيها من قبل واشنطن دفع مرتبات القوات الكردية يعني ضمنيا ان هذه القوات باتت هي الاقرب الى ذهنية صانع القرار الامريكي حين يتعلق الامر بالعمليات العسكرية , سواء اكان اليوم لمحاربة الارهاب او غدا لمواجهة قوات غير مرغوبة امريكا مثلما يمكن ان يحصل مع الحشد الشعبي مثلا . حيث يبقى السعي الامريكي الى تشكيل ولاءات خاصة بها داخل المنظومة العسكرية امرا لافتا للنظر , من قبيل التاكيد مرارا على افتخارها بان العلميات الناجحة لتحرير الفلوجة مثلا كانت قد تمت من قبل قوات نخبة خاصة هي التي تولت تاسيسها و تدريبها في السنوات السابقة . وهو ما يشير الى قناعة ما لا زالت راسخة لدى واشنطن باهمية العسكر في صناعة المشاهد المستقبلية للعراق , انطلاقا من تجارب سابقة لها مكانتها في الذاكرة الامريكية – البريطانية تحديدا . لذا في ظل هذا التصور ليس من المستغرب ان نعلم اليوم بان اغلب المقاتلين الاجانب الذي ياتون لمحاربة داعش ينضمون لقوات البيشمركة و ليس لاي طرف اخر في المعادلة العسكرية العراقية .
اعتقد بالنهاية ان هنالك توجه امريكي لخلق لغة توازنات حادة في الميدان عبر السلاح و السياسة . لن يسمح لبغداد بفرض الارادة المطلقة او حتى بتحديد مستقبل ادارة الموصل بطريقة مريحة . اصرار بغداد على مشاركة الحشد الشعبي , في تحول جذري عن الموقف الذي اتخذ قبل اشهر , يدلل على ان هنالك محاولة لاستخدام هذه الورقة بشكل اضطراري بالتزامن مع صعود سيناريوهات خطرة تتعلق تارة بمشروع الربط بين تحرير الموصل و اقامة الاقليم السني , و اخرى بامكانية انفراط عقد الموصل ذاتها التي يمكن ان تقسم الى محافظات عدة .
بالنهاية لا اميل الى فكرة الامر الواقع التي لا يملك اي طرف القدرة على فرضها . النتائج ستكون كارثية للجميع , و لن يخاطر اي طرف اقليمي بالدخول الى هذه التجربة التي يمكن لها ان تشعل حرائق من الصعب جدا التحكم بامتداداتها القادمة . من يرغب بالوقوف ضد تيار الحكمة في التعاطي مع هذا الملف , سواء في بغداد او اربيل , عليه ان يهيء نفسه لعقوبة تاريخية كبيرة . اللعنة الابدية لمن ينفخ في نار الاحتراب من اجل رقعة جغرافية مضافة او سطوة مركزية لم يعد لها اهمية في عراقنا الممزق سياسيا و مجتمعيا . خساراتنا الحالية لن تكون سوى ذكرى عابرة في مقابل خساراتنا القادمة اذا ما خرجت الامور عن سياق الاتزان في تحديد مستقبل الموصل .
الجانب الامريكي بالنهاية يفكر بفرض رؤيته العسكرية لتحرير الموصل , لذا سيتم استغلال هذا المُناخ المتشنج لتشكيل غرفة عمليات عسكرية جديدة باشراف مباشر من قبلها يتم فيه جمع الطرفين و توجيههما عسكريا .
اشنطن تفكر ببراغماتية عالية للتحكم بهذا السيناريو الذي تسعى من خلاله الى تحقيق كثير من الايجابيات التي تخدم مصالحها الاستراتيجية . الحديث لاحقا في الاعلام المسيطر عليه امريكيا سيتركز حول اثر واشنطن في الحفاظ على وحدة العراق عبر الموصل . و هو ما يعني بان واشنطن لا زالت بعد تتعاطى مع الشان العراقي من منظار تاريخي له ارتباط بالتجربة البريطانية في هذا البلد . في هذا الصدد يقو حنا بطاطو ” ان استمرار وحدة كل ولاية الموصل بالعراق قد ربطت بمنح حقوق نفطية لما سمي بشركة النفط العراقية , كما انها اصبحت مشروطة بتمديد المعاهدة الانكلو – عراقية و الاتفاقات المالية و العسكرية الملحقة بها …” .
ليس سهلا بالنهاية حتى على واشنطن ان تفرض رؤاها بحرية فيما يتعلق بالموصل ما بعد داعش . لغة التقريب بين بغداد و اربيل هي الاستراتيجية الوحيدة التي سيتم الركون اليها , بشرط ان تكون بعيدة عن صراع المحاور و الاملاءات ذات النتائج الجيوبولتيكية . واشنطن هنا باتت اكثر ادراكا لحجم المأزق الذي يشترك فيه الجميع , خاصة بعد التسريبات التي تحدثت عن تواصل عراقي مع الروس باتجاه فتح الاجواء العراقية بشروط , و باتجاه التمهيد لمشاركة ما في الملف العراقي . وهو ما دفع وزارة الخارجية الامريكية مؤخرا الى الاعلان عن ضرورة تعزيز التعاون العسكري بين بغداد و اربيل عبر الدعوة لوضع البيشمركة تحت امرة وزارة الدفاع العراقية , في خطوة يبدو انها تهدف الى ثني بغداد عن التفكير بما يمكن لموسكو ان تقوم به في هذا الملف الشائك .

 

المشاركة

اترك تعليق