كنوز ميديا

كشف ضابط المخابرات مزهر الدليمي عن أسرار لا يعرفها أحد عن أسباب قتل وزير الدفاع السابق عدنان خير الله طلفاح فقال: ثمة سببان مباشران للإسراع في تصفية عدنان خير الله بهذا الشكل المأساوي، أولهما سياسي وخلاصته أنه قبيل فترة وجيزة من تنفيذ حادث الطائرة ألقت مخابرات النظام القبض على مجموعة من العسكريين والمدنيين بتهمة الإعداد لمحاولة انقلابية وبعد أن عُذِّب هؤلاء تعذيباً شديداً في أقبية المخابرات ورد ذكر مدير المكتب الخاص لعدنان وهو من “سامراء”، وبعد أن جاء دور هذا للتعذيب اعترف بأنه في حالة نجاح الانقلاب فإن المرشح للرئاسة “أي البديل لصدام” هو عدنان خير الله.

والسبب الثاني اقتصادي: فقد كان عدنان خير الله واحداً من ثلاثة لهم حق سحب مبالغ طائلة من الرصيد السري الذي أودعه صدام في أحد بنوك سويسرا والذي يقوم على اقتطاع 5 في المئة من عائدات البترول العراقي اعتباراً من أواسط السبعينيات.

وكان صدام قد أعدم عدنان الحمداني وهو واحد من الذين يحق لهم سحب الرصيد في العام 1979 وعندما صاهر حسين كامل منحه حق سحب وإيداع المبالغ من الرصيد نفسه، وقد اعترض عدنان خير الله على إشراك حسين كامل في الأرصدة السريّة، كما اعترض على قيام حسين كامل بانتزاع عمولات من صفقات الأسلحة وإيداعها في الرصيد السري.

عدنان : لا أقبل أن يقتل أحد ظلماً

ويقول مزهر الدليمي :بعد سقوط الطائرة بثلاثة أيام زرت اللواء نايف كصب الجنديل في مستشفى الرشيد العسكري، وكان في غاية التأثر لمقتل عدنان خير الله وقال لي:أذكر أن لجنة الإعدامات السيئة الصيت حكمت على أحد قادة الألوية بالإعدام رمياً بالرصاص وكان الحكم مجحفاً، وكانت الأمور بيد ماهر عبدالرشيد واللجنة تتلقى التعليمات من اثنين :صدام حسين وحسين كامل أوفدني الفريق ماهر إلى بغداد وطلب مني إبلاغ وزير الدفاع.

ولأن تنفيذ الحكم الظالم في صباح اليوم التالي وفي موقع مقر اللواء نفسه، وبعد أن شرحت للوزير القضية وقلت له جئتك من الفريق ماهر وأن الضابط المحكوم من خيرة الضباط وله أطفال فقال الوزير :لا أقبل أن يقتل أحد ظلماً ولا أرتضي إعدام ضابط أو قائد نتيجة خطأ أو اجتهاد وعلينا أن نتسامح، وأمر بإلغاء الحكم فوراً والإفراج عنه وإبقائه في منصبه.

وأضاف ان سمعة عدنان جيدة في القوات المسلحة، لقد كان محبوباً وهذا هو السبب الذي جعل حسين كامل يحقد عليه ويقتله، وكان عدنان يقول: حسين كامل طفل ونحن لسنا بحاجة إلى أطفال في القوات المسلحة يتحكمون في مصائر قادة معروفين في الوسط العسكري، وأن الخلاف الذي حصل بين عدنان وحسين يجعلني أقتنع بأن حسين كامل قتل عدنان خير الله.

ويشير ضابط المخابرات الى هذه الحادثة للتدليل على هذه القناعة

عدنان يصف حسين كامل بالناقص

روى اللواء نايف يقول عن تصرفات حسين كامل وخزعبلاته غير المقبولة ومنها أنه جاء إلى الخطوط الأمامية لتنفيذ خطة لعبور نهر صغير يسمى نهر جاسم.. كانت الخطة مستحيلة التحقيق وهي تؤدي إلى خسائر بشرية فوق الطاقة، وهذا أدّى إلى رفضها من قبل القادة العسكريين ذوي الخبرة والممارسة وأدى الرفض إلى أن أصدر حسين كامل أوامر بإعدام كل من: آمر لواء المشاة وتسعة من خيرة الضباط على أن يتم إحراق المعدومين بتفجيرهم في سياراتهم. وعندما تسربت أنباء هذه المجزرة جن جنون قادة (الفيلق الثالث) وصرخ أحد آمري الألوية قائلاً: سأعلن العصيان إذا استمر هذا التافه بأعماله الإجرامية، وسحب حسين كامل مسدسه الشخصي وأطلق النار على هذا الضابط الشجاع فأصابه في كتفه.

اشتد الخلاف فاتصلت أنا شخصياً – الحديث مازال لنايف – بوزير الدفاع، كان عدنان في تلك الساعة في مقر قيادة الفيلق السابع وبالتحديد في المقر الخلفي وشرحت له خطورة الموقف إثر التصرفات الصبيانية التي قام بها حسين كامل وبعد نحو ساعة ونصف الساعة اصطحبنا عدنان خير الله ليطلع بنفسه على المأساة: كانت الجثث المحروقة تثير الشجون وكان صراخ الضباط والجنود الموجودين يبعث على الآلام وتخيل كل منا مناظر أطفال الضحايا وأسرهم.. احتقن وجه عدنان وكان الألم واضحاً على معالم وجهه وسرعان ما تحول إلى غضب حقيقي.. وكان حسين كامل لا يزال موجوداً بعد أن أشرف على إحراق جثث القادة العسكريين الأبرياء وكانت علامات الارتياح تعلو وجهه دون أن يكترث لبكاء من حوله من الضباط أو ضباط الصف والجنود.

ولم يتمالك عدنان نفسه بل توجه إلى حسين كامل قائلاً له: حسين أنا أعرفك منذ صغرك أنت نذل وساقط أخلاقياً وناقص، وطلب منه أن يترك غرفة العمليات. طرده قائلاً: اخرج وإلا أمرت بقتلك هذه اللحظة غسلاً للعار.. إنك عار على العائلة منذ أن كنت صغيراً ويبدو أنك مازلت تشكل عاراً عليها حتى الآن!

غادر حسين الموقع وقبل أن يتركه قال: عدنان سوف يأتي اليوم الذي تدفع فيه الثمن غالياً.

رد عليه عدنان قائلاً: اخرج وافعل ماتشاء فالعمر بيد الله لا بيدك. وعقب حسين قائلاً: سوف ترى!.

وعندما ترك حسين المكان نهائياً استمر عدنان في غضبه قائلاً ما خلاصته: الذي يؤسفني أن يتحكم بالقادة العسكريين العراقيين أشخاص لاقيمة لهم ولا أي وزن خلقي، وسيأتي اليوم الذي ينتقم فيه الله لهؤلاء الأبرياء الذين قتلهم هذا المجرم ظلماً وعدواناً وبطريقة بشعة لا إنسانية.

وعقب ماهر عبد الرشيد قائلا: إنه ساقط خلقياً، لديه شعور بالنقص، لقد أحرق هؤلاء الأبرياء بطريقة شنعاء وجاء إليه الجنود يخبرونه أن الضحايا كانوا يصرخون: الرحمة، الله أكبر.. ارحموا أطفالنا فلم يكترث حسين لتوسلاتهم بل جعلهم يذهبون طعمة للنار.

وأضاف قائلاً :لقد قلت لوزير الدفاع إنني أخشى عليك من هذا المراهق أعني حسين كامل، فضحك وقال: الله موجود والأعمار بيده، والله أفضل للإنسان أن يموت قبل أن يرى ظلم أخيه الإنسان.. إنها أعمال بربرية لم يفعلها عدو من قبل!

حوار ساخن بين عدنان وصدام

ويضيف مزهر الدليمي يقول :وتشاء الصدف أن أكون حاضراً بالقرب من صدام وعدنان وهما يجلسان في مقر صدام الواقع على بحيرة الحبانية بالقرب من المدينة السياحية ولم تكن المسافة بيني وبينهما تتعدى الأمتار عندما سمعت صدام يقول لعدنان :عدنان إني أعتب عليك كثيراً، رد عدنان بهدوء: بأي خصوص ياسيدي؟ فأجاب بخصوص خلافك مع حسين.

قال عدنان :لم أفعل شيئا إلا في محله.. ياسيدي أنا لا أوافق على تصرفات حسين الصبيانية. إنه يتدخل في شؤوني وأنا وزير دفاع مسؤول عن أفراد القوات المسلحة كافة.. لقد أعدم كوكبة من الضباط الأكفاء الأبرياء.. لقد أحرقهم من دون أن يرتكبوا ذنباً وهم جميعاً أفضل منه عملاً وسلوكاً وأخلاقاً.

انفعل صدام وقال: أنا لا أوافق على هذا الكلام وأرفضه جملة وتفصيلاً.. يجب أن يُحترم حسين كامل.. لأنه موضع ثقتي ومن لا يحترم حسين كامل لا يحترم صدام حسين.. إنه عسكري وقيادي. انزعج عدنان من موقف صدام الصريح وأجابه: أبا عدي.. هل تضع حسين كامل وأنت تعرفه وتعرف محدوديته في كف واحدة مع قائد عسكري أفنى عمره في خدمة الجيش والوطن؟

قال صدام بحزم وجدية: حسين كامل أفضل من 90 في المئة من قادتك العسكريين.

لم يجد عدنان سبباً للبقاء بعد إصرار صدام على احتضان حسين فاعتذر مغادراً.

بداية خلافات عدنان وصدام

كانت خلافات عدنان خير الله مع صدام حسين بدأت عندما قام عدي بزيارة هيثم أحمد حسن البكر وهو تزوج من إحدى بنات خير الله طلفاح، أخت ساجدة زوجة صدام، وأمر عدي هيثم أن يطلق زوجته فامتنع الأخير ثم زار صدام منزل هيثم فخرج هيثم من الباب الخلفي وترك المنزل في الوقت الذي كان صدام ينتظره في الصالون، هذا الموقف أدى إلى غضب صدام فأرسل عدي إليه لينقل إليه الأمر غير القابل للنقاش :الطلاق أو القتل.. وفعلا تم الطلاق برغم وجود أطفال لهيثم من زوجته.

بعد طلاق ابنة خير الله من هيثم تزوجها وطبان إبراهيم أخ صدام وهذه الحادثة فجّرت غضب عدنان الذي أكد لصدام وجهاً لوجه أن ذلك العمل مرفوض شرعاً وقانوناً وأخلاقاً فالمرأة تحب زوجها ولديهما أطفال فعلى أي أساس يتم الأمر بتطليقها ؟.

أجاب صدام بأن مصلحة العائلة اقتضت ذلك والمرأة تزوجت فلا حاجة لإثارة المسألة.

الفاو.. والسلاح الكيمياوي

في العام 1986 حصلت مصادمات بين الايرانيين والعراقيين بسبب الفاو، فسبب هذه المصادمات هزيمة مريرة “لبطل القادسية” فأصدر أوامر بتحريرها بأقصى ما يمكن حتى أنه أعد قوات نظامية وغير نظامية هائلة وعمد إلى إطلاق سراح جميع السجناء والمجرمين شرط أن يشاركوا في عملية التحرير وكانت أوامر صدام تقتضي بتحقيق التحرير حتى لو وصلت الخسائر إلى 80 في المئة!! واحتدم النقاش في غرفة العمليات شارك فيه ماهر عبد الرشيد، وقائد القوة الجوية، وقائد قوات الحرس الجمهوري وعدنان خير الله وعدي وقصي.

قال صدام :نحرر الفاو ولو خسرنا 80 في المئة.

ردّ عدنان :وحتى لو خسرنا 100 في المئة فلن نستطيع تحرير الفاو في هذا الوقت.. فلننتظر قليلاً إلى أن يحين الوقت المناسب ونخطط للمعركة لاختزال نسبة الخسائر.

غضب صدام وتشبث برأيه ودارت معركة زج فيها صدام 400 من عناصر حمايته قُتل أغلبهم بينما قتل الآخر بالسلاح الكيمياوي لأن الرياح هبّت في الاتجاه المعاكس نحو القوات العراقية واتسعت شقة الخلاف بين صدام وعدنان.

مجزرة العام 1987

وفي إحدى زيارات عدنان إلى قاطع المنطقة الشمالية تم إعدام 400 ضابط وجندي وذلك في العام 1987.

واضاف مزهر حدثني المقدم طيار سمير الشيخلي الذي كان طياراً خاصاً لعدنان :إنه أصبح منذ فترة يخاف على عدنان من غضب صدام، وقد اكتشف عدنان أنه سيتم إعدام 400 شخص من أفراد الفيلق الأول بالرصاص فتساءل آمر اللواء عن الذنب الذي اقترفوه فأجابه قائد الفيلق نزار الخزرجي :سيدي لقد هربوا من الخطوط الخلفية في أثناء الهجوم الإيراني، فكانت إجابة وزير الدفاع :إن قتلهم خطأ وفيه إضعاف للقوات العراقية وتم تنفيذ الإعدام بـ 400 ضابط وجندي في مجزرة بشعة.

جريمة عدي

ومن الخلافات المهمة التي حدثت بين صدام وعدنان قضية اقتران صدام بالسيدة سميرة الشابندر، فقد عدّ هذه الزيجة بمثابة إهانة لأخته وللأسرة غير أنه وفي الوقت نفسه كان ضد عملية قتل كامل حنا التي تمت على يدي عدي في جزيرة أم الخنازير.

وكان كامل هو المسؤول عن الصلات السريّة النسائية لصدام، وقد تولى عدي قتل كامل بمسدسه الشخصي وأمام شهود معروفين، فطالب عدنان بمعاقبة عدي على جريمة القتل هذه.

تفاصيل قتل عدنان خيرالله

في العام 1989 اتصلت شخصياً بصديقي الطيار الخاص لعدنان خيرالله للاتفاق معه على موعد في العيد فأخبرني أنه سيذهب مع وزير الدفاع في واجب في شمالي القطر ووعدني باللقاء بعد العودة لتمضية فترة عيد الفطر المبارك في بغداد، فأبلغته أنا أيضاً سأذهب مع الرئيس صدام إلى الشمال.

غادرنا جميعاً مطار المثنى في 3 أيار باتجاه الموصل ومن هناك إلى سرسنك والعمادية حيث التقى عدنان بصدام وتولى عدنان قيادة السيارة التي كان يستقلّها الرئيس مع الأسرة.

كان معنا حسين كامل فشعرنا بأن هناك شيئا في الأفق نتيجة نظرات صدام إلى عدنان.. لقد أخبرني الشيخلي (الطيار الخاص لعدنان) أن الوزير عدنان كان متردداً في قرار السفر فوضع رجْلاً على سلم الطائرة ورجلاً على الأرض وبقي على ذلك الوضع عشر دقائق تقريباً من دون أن يتكلم.

وصدق إحساس عدنان فقد وضعت قنبلة موقوتة في طائرته بلغت زنتها كيلوغرام من مادة تي إن تي في شكل أربعة عقود ومن صنع مصانع حسين كامل، وكان طول كل عقد 25 سم وقطره 3 سم وتم وضعها تحت المقعد الخلفي بإشراف حسين كامل الذي حدّد وقت الانفجار.

لقد قام عدنان بقيادة الطائرة وليس طياره الخاص كما ورد في الأخبار، وحسب تسجيل إدارة الأنواء الجوية، كان الطقس جيداً جداً وكذلك الرؤية بينما الرياح خفيفة فمتوسطة السرعة.. وقد سجلت آخر مكالمة مع عدنان الذي كان يقود الطائرة مع برج قاعدة القيادة وهي مكالمة طبيعية.. وعندما أقلعت الطائرة في تمام الثانية وأربع وأربعين دقيقة بعد الظهر متجهة إلى بغداد عن طريق الموصل، وفي الرابعة كانت في أجواء منطقة مخمور بين تكريت وأربيل في الصحراء حيث انفجرت القنبلة ليسقط عدنان قتيلاً هو ومن معه أما من سلم من الحادثة وأصيب بجروح فتم نقله إلى المستشفى حيث جرى التخلص منه بواسطة حقنة سامة من صنع روسي.

المشاركة

1 تعليقك

اترك تعليق