دخلت الأزمات الإقليمية مرحلة ضبابية مع بروز شبه محاور جديدة، كرّستها تطورات ميدانية عدّة بدءاً من سوريا، وليس انتهاءً بالعراق، وفي مقدّمة هذه التطورات “عقدة العقد” الأزمة الكردية.

 

حاول جزء كبير من الأكراد انتهاز فرصة الجماعات التكفيرية في سوريا والعراق، لتحقيق أحلامهم في بناء دولةكردستان الكبرى، وقد جسّدت المعارك التي خاضتها القوات  الكردية هذه الحقيقة مع سيطرتها على العديد من المناطق في سوريا والعراق حيث لمسنا سياسة إقصائية تسعى “لتطهير” المناطق المسيطر عليها من غير الأكراد.

 

القوات الكردية التي دفعت تكلفة باهظة أمام الجماعات التكفيرية سواء داعش أو النصرة أو بقية الجماعات المسلّحة في سوريا، رسمت خطوط جغرافيّة جديدة اعتبرتها حقّاً شرعيا أمام التكاليف التي دفعتها، متجاهلة إنها جزء لا يتجزّء من الوطن الذي رعاها منذ نعومة أظافرها، حالها حال بقيّة القوميات والديانات الأخرى.

 

لم ترق الخطوط الجغرافيّة الجديدة للدول التابعة لها، وكذلك الأمر بالنسبة لبقيّة الدول الإقليمية، وفي مقدّمتها تركيا التي ترفض أي توسّع كردي، باعتبارها المرحلة التالية بعد سوريا والعراق. أنقرة انتقدت الدعم الأمريكي للقوات الكردية، متحدّثةً عن مراجعة جذرية للموقف من الملف السوري، كما أكّدت في موقف مشترك مع طهران إثر زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف على دعم وحدة سوريا والعراق. وقد قال جاويش أوغلو وزير الخارجية التركي بعد لقائه مع نظيره الإيراني “هناك قضايا نتفق فيها، من قبيل وحدة الأراضي السورية. فيما اختلفت وجهات نظرنا حول البعض من القضايا الأخرى”.

 

يتغنّى الأكراد اليوم  بالسيطرة على مدينة منبج، ألامر الذي يشكّل نقطة تحول في الحرب في سوريا، إلاّ أن جردة حساب واقعية حول الواقع الكردي في المنطقة يشير إلى النقاط التالية:

 

أولا: رغم عدم ممانعة الغرب في إنشاء دولة كردية، إلا أن الدول الفاعلة في الإقليم بدءاً من سوريا والعراق مروراً بإيران وتركيا، ووصولاً إلى روسيا ترفض هذه الفكرة. رغم دور الإنقلاب الفاشل في تركيا، إلا أن الدعم الأمريكي للأكراد يشكّل أبرز الأسباب التي  دفعت بأنقرة لإعادة ترتيب أوراقها من جديد.

 

ثانياً: إن التوسّع الكردي سيكون على حساب السنّة بشكل رئيسي باعتبارهم سكان المناطق التي يتطلّع الأكراد لإعلانها في دولتها، الأمر الذي سيؤدي إلى بروز صراع سنّي كردي، يغيّر معادلات بعض دول مجلس التعاون التي تدعم الأكراد لخلافها مع سوريا والعراق. وقد نشرت صحيفة “التايمز” تقريرا عن سيطرة الأكراد السوريين على مناطق جديدة، معتبرةً أنه يهدد السلام العرقي والعلاقات الطائفية. ويقول التقرير إن “الأكراد المنتصرين بدؤوا بوضع أيديهم على بلدة غالبيتها عرب، حرروها من سيطرة تنظيم الدولة، ما يهدد بإضافة طبقة جديدة للصراع الطائفي في النزاع السوري”.  ويشير التقرير،  إلى أن القادة الأكراد، الذين قادوا العملية في منبج نهاية الأسبوع الماضي، عبروا عن رغبتهم بضم البلدة واستيعابها في كيان الحكم الذاتي الكردي، الأمر الذي يعمّق الانقسام الطائفي.

 

ثالثاً: لقد استفاد الأكراد بشكل كبير من تنظيم داعش الإرهابي للشروع بحلم الدولة الكردية، إلا أن التطورات الأخيرة وضعف الجماعات الإرهابية، سيكّل حجر عثرة أمام “سايكس بيكو” الكردية.

 

رابعاً: ليس في صالح الأكراد الدخول في صراع مع السكان العرب في كل من سوريا والعراق، فضلاً عن كون الحديث عن فرض غربي للدولة الكردية سيفتح شهيّة قوميات أخرى على المطالبة بالاستقلال.

 

خامسا: لا يختلف الأكراد عن بقيّة العراقيين والسوريين في الدفاع عن أرضهم وعرضهم أمام هجمات التنظيمات التكفيرية، لذلك فإن الحديث عن الاستقلال أمر غير مبرّر وغير قانوني. على طوال التاريخ دافعت القوميات عن أرضها وبلادها، إلا أن هذا الواجب لا يعد مبرّراً للانقسام وتمزيق الوطن فما يطالب به الأكراد لا يختلف عن “خلافةداعش”، وإن كان الأول بلباس مذهبي، والآخر بلباس عرقي.

 

إن التطورات الأخيرة ضعّفت من قوّة الأكراد على بلورة خريطة جديد للمنطقة، ينتج عنها إعادة رسم للحدود، وتفكّك دول، وقيام أخرى، إلا أن ذلك لا يعني أبداً حل المسألةالكردية وبقيّة الخلافات القائمة في هذه الدول.

 

لا شكّ في أن الحوار الداخلي، بعيداً عن أي طرف أو تدخّل خارجي هو السبيل الأنجع للخروج بصيغة رابح-رابح، بدلاً من الواقع الحالي الذي يؤكد أن النتيجة ستكون خاسر-خاسر.

aq

المصدر / الوقت 

المشاركة

اترك تعليق