لم يعد الحديث عن مستقبل السياسة الأمريكية في المنطقة، حديث الخبراء. بل بات حديثهم، يتعلق بكيفية خروج واشنطن من مآزقها، لا سيما في ظل واقعٍ لم يعد لصالحها. ولعل سياسات الطرف الأمريكي، تُعد خير دليلٍ على الإعتراف الضمني، بزوال زمن القوة الأمريكية، ولو على الصعيد الإقليمي الخاص بالشرق الأوسط. ليحُلَّ مكانه، زمن الإعتراف بوجود شركاء في السياسة الدولية، كروسيا التي باتت تقطف ثمن التراجع الأمريكي، والصين التي تُحيك سياساتها بعيداً عن الأضواء. فيما تُشكِّل إيران، كطرفٍ عدوٍ للسياسة الأمريكية، أخطر الأفرقاء بحسب وجهة نظر واشنطن، لأنها تجمع بين القدرة والأيديولوجيا. فكيف يمكن وصف الواقع الأمريكي بصورته الإجمالية المتعددة؟
أمريكا بين الإنسحاب الإختياري أو الإجباري
يمكن تقسيم الرأي حول مستقبل السياسة الأمريكية في المنطقة بإتجاهين:
– هناك من يعتبر أن أمريكا لم تعد ضمن خارطة المنطقة مستقبلاً، وهي مضطرة لإختيار الإنسحاب التدريجي، خصوصاً بعد أن أصبحت تهتم بمصالح تجدها أولى من منطقة الشرق الأوسط، من الناحية الجيوسياسية والجيوعسكرية، كمنطقة المحيط الهادئ.
– هناك إتجاه آخر يقول بأن واشنطن ولو وجدت نفسها متراجعة التأثير، فهي لن تستطيع الإنسحاب، خصوصاً بعد أن بات خصومها السياسيون وتحديداً روسيا والصين، وأعداؤها كإيران ومحور المقاومة، قادرين على ملئ هذا الفراغ، بما لا يتناسب مع السياسة الدولية لأمريكا، ومن الممكن أن يؤثر على النظام العالمي.
سطوع الدور الروسي والخوف من إيران
يبدو واضحاً أن حلفاء واشنطن، وبحسب ما بيَّن السلوك السياسي لهم، أخذوا على عاتقهم مسألة سطوع الدور الروسي، وإمكانية وجوده كبديل عن الطرف الأمريكي. فيما يمكن القول بأن روسيا من جهتها، سعت لتطويق أمريكا عبر حلفائها في المنطقة، وهو ما أكدته صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية، والتي اعتبرت أن موسكو قامت بمحاولاتٍ عديدة لجذب كلٍ من تركيا ومصر والسعودية والكيان الإسرائيلي، ونسج علاقاتٍ معهم، تهدف لضرب حلف واشنطن في الشرق الأوسط. فيما أكدت الصحيفة أن هذه الدول الأربع، باتت تجد في الجيش الروسي، نموذجاً للقوة الصاعدة في المستقبل. لكن الصحيفة حذَّرت من أن الطرفين الأمريكي والإسرائيلي، باتوا ينظرون اليوم بقلق، تجاه التعاون الروسي الإيراني، والذي تعتبر فيه إيران، الطرف الأخطر بالنسبة لكلٍ من واشنطن وتل أبيب. خصوصاً لجهة أن عداء إيران للسياسة الأمريكية أيديولوجي.
تل أبيب تخشى المستقبل
لا يمكن فصل السياسة الأمريكية عن المصالح الإسرائيلية. لكن تراجع هذه السياسة في المنطقة، سيُؤثر حتماً على نفوذ الطرف الإسرائيلي. حيث سيرتد سلباً على تل أبيب، في مسألة أمنها وضمانه إستراتيجياً. من هذا المنطلق، تعتبر القيادة الإسرائيلية، أن سياسة إدارة الواقع وتجييره لما يخدم المصالح الصهيونية، هو الأفضل. في حين يرى البعض، أن ذلك ليس سوى محاولة لتبرير الرضوخ، وإظهاره بمظهر القوة. وهنا يبرز حجم الضعف الإسرائيلي والقلق الوجودي، لا سيما من خلال متابعة تقارير مركز الأمن القومي الإسرائيلي، والتي باتت تنظر بقلق، نحو الداخل كما الخارج!
السيناريوهات المستقبلية
لا يمكن التسليم بخيار خروج واشنطن من الشرق الأوسط، بالطريقة التي يُحيكها البعض. فالعلاقات التي نسجتها السياسة الأمريكة منذ سنوات، كفيلة بإعادة التاثير في السياسات الإقليمية والدولية. وهنا نقول التالي:
– بحسب وجهة النظر الأمريكية، فإنه وخصوصاً في الوقت القريب، لن يكون هناك قوة واحدة قادرة على التحكم بالمنطقة، وهو إعترافٌ ضمنيٌ أمريكي بزوال القطب الواحد. في حين سيكون هناك صراعٌ قويٌ بين الدول الصاعدة، والتي لن يسمح صراعها، في بروز دولة على حساب أخرى. لتكون النتيجة واقعاً من الأطراف، تحكمه علاقات سياسية، يربح فيها من يمتلك الأوراق، ويُتقن فن المناورات.
– لكنّ متابعين للشأن الإستراتيجي، يقولون إن واشنطن ستسعى لهندسة واقعٍ يُساهم في إضعاف الأطراف التي تتمتع بإمكانية تهديد مصالحها، وخصوصاً روسيا والصين وإيران. وهو الأمر الذي بات الطرف الأمريكي يشعر بصعوبته، لجهة أن الواقع العسكري والسياسي في المنطقة، لم يعد كما كان. بل أصبح بحدِّ ذاته، يتضمَّن تهديداتٍ لمصالحها.
نتائج ودلالات
عدة أمورٍ يمكن إستخلاصها بموضوعية، نُشير لها في التالي:
– ليس صحيحاً التسليم المطلق بزوال الدور الأمريكي، في ظل وجود طرفٍ دوليٍ كواشنطن بعيد بجغرافيته السياسية والعسكرية عن واقع المنطقة، مما يجعله بعيداً عن تأثيراته على الصعيد الخاص. لكن يمكن الوصول لليقين الحتمي، بأن واقع السياسة الأمريكية لم يعد مؤثراً، أو بالحد الأدنى أصبح مُنخفض التأثير.
– لن يكون في المدى المنظور أمام الأطراف الحليفة لواشنطن وفي مقدمتهم الدول الخليجية والكيان الإسرائيلي، إلا الرضوخ للنظام الإقليمي الجديد، والذي سيكون عرَّاب السياسات المقبلة. فيما سيبقى هدف تأمين أمن تل أبيب، الخط الأحمر الأمريكي، والذي قد يكون أيضاً، سبب تمدُّد الصراعات، والتي لم تكن يوماً، إلا لخدمة المشروع الصهيوني.
– تغيَّرت اليوم قواعد اللعبة السياسية والعسكرية في المنطقة. وهو ما يبدو أنه في صالح الشعوب، والتي لم تكن يوماً ضمن أصحاب القرار فيما يخص مصالح الدول والأوطان. فيما باتت هذه الدول تشهد نماذج أخرى جديدة، للدول ذات القدرة والقوة، في النظام الإقليمي والدولي، كروسيا وإيران. وهو ما سيُسقط مفهوم الولاء المُطلق للغرب وأمريكا، وإعتبارهم المثال والقدوة.
إذن تعيش المنطقة مخاض نظامٍ إقليمي جديد، تنسجه قوى لو اختلفت في أساليبها وأهدافها، فهي تتفق حتماً على العداء للسياسة الأمريكية. لتدخل واشنطن وحلفاؤها، زمن الضعف في القدرة والتأثير. ولنبدأ بعصر إعادة النظر، في كافة السياسات. لكن يجب الحذر من أن أمريكا والتي بدأت تعترف بأنها أصبحت في زمن الضعف، وبأن واقعها ليس واقع الزوال بل واقع الإنكسار، ستسعى لشيطنة الواقع على إعتبار أنها لن تُسلِّم من دون ثمن.
المصدر/الوقت

المشاركة

اترك تعليق