قاسم العجرش /

ألغت زيارة قمت بها قبل أيام، الى تجمع سكاني كبير، يقع على مسافة 20 كيلومتر، نحو الشمال الشرقي من بغداد بإتجاه بعقوبة؛ معظم النوايا الطيبة التي كنت أحملها، تجاه الدولة وأجهزتها المختلفة وبلا إستثناء، وتشكلت قناعات جديدة في تفكيري، لكنها قناعات سلبية مع الأسف..اسم هذا التجمع جزافا”مدينة الحسينية”،.

هناك في “غيتو” اسمه الحسينية؛ يمكنكم أن تتأكدون وبشكل قاطع، أن الدولة غير معنية بمواطنيها، وأنها ترى فيهم “أدوات” وليس “أهداف” كما نص على ذلك الدستور، لكن المواطن الساكن في الحسينية، ليس “مواطنا” في دولة “المواطنة”، بل هو في افضل الأحول؛ “مواطن درجة ثانية”، خارج تفكير الدولة، وأو أنها لا ترغب به!

هذه المدينة غزيرة العطاء، ولا ينافسها بعطائها، و بمنجزها التضحوي، سوى شقيقتها العزيزة على قلبها، وليس على قلب الدولة، مدينة الصدر؛ وحين زرتها كانت قد قدمت للتو قافلة من الشهداء الجدد، لتضيفهم الى قائمتها الطويلة، التي بدأت وليس من المنتظر أن تنتهي، دفاعا عن العراق ووجوده ودولته.

“الحسينية” التي يقترب عدد سكانها من المليونين، لا تتوفر على الحد الأدنى من الخدمات، ولا أعتقد أن في العراق مدينة تنافسها بالحرمان، فهي على رأس قائمته التي من الغريب؛ أنها تضم أغلب المدن والحويصلات السكانية، التي يقطنها سكان من الشيعة!

النسيج الإجتماعي في هذه المدينة الباسلة متماسك، تحكمه تقاليد وأعرف عشائرية رائعة، لكن من البديهي، أنه كلما تتسع مساحة الحرمان، فإن المشكلات المجتمعية والبيئة والصحية تزداد بإضطراد، ويتعقد المشهد بالاف العاطلين عن العمل، وبغياب شبه تام للرعاية الصحية، وبفراغ تعليمي رهيب، وببنية تحتية تكاد تكون صفراً.

الفرية الكبيرة التي تعرضت لها مدينة الحسينية، هي أن أسمها في سجلات الدولة، هو “مدينة الزهور”، في حين أنها تستحق وصف الـ “غيتو”، حيث يختلط ماء الشرب بمياه الصرف الصحي، بسبب عدم وجود شبكة للمجاري، وأتحدى أي مسؤول في دولتنا العزيزة، أن يقبل بأن يغسل وجهه بهذا الماء، فضلا عن أن يشرب منه!

الحسينية مدينة شابة، بمعنى أن غالبية قاطنيها من فئة الشباب، لكن جلهم عاطل عن العمل ، فلا برامج للتشغيل، ولا الدولة فكرت بإنشاء مصانع أو ورش عمل، يمكنها أن تستوعب هذا الشباب المتوقد، والمدينة تفتقر بشكل مطلق، الى ملاعب وقاعات رياضية، والى مراكز تستوعب مهارات وقابليات الشباب.

في موضوع الرعاية الصحية، فإنه ليس من المعقول أن مدينة بهذا الحجم، تبقى معتمدة على مركز صحي بسيط، وهي تستحق أربع مستشفيات كبيرة، وفقا للقياسات المتواضعة، وليس وفقا للمعايير الدولية.

في قضية الفراغ التعليمي؛ ثمة نقص خطير بالأبنية المدرسية، وبتهالك الموجود منها، وبنقص كبير بالهيئات التدريسية.

مشكلات مدينة الحسينية كبيرة وخطيرة؛ ولا يمكن حلها بنسيانها أو تناسيها، وستواجه الدولة وضعا صعبا في قادم الأيام، إذا أستمرت على سياسة الإهمال، الذي يبدو أنه متعمدا.

* “الغيتو”المَعزِل حسب ويكيبيديا، يشير إلى منطقة يعيش فيها, طوعاً أو كرهاً, مجموعة من السكان يعتبرهم أغلبية الناس خلفية لعرقية معينة، أو لثقافة معينة أو لدين، “الغيتو” أيضا وصف الأحياء الفقيرة الموجودة في المناطق المدنية الحديثة، وهو ايضا منعزل سكاني، تقيمه الدولة العنصرية، كما حصل في عهد التمييز العنصري في جنوب افريقيا، للسكان الذين لا ترغب بهم!

كلام قبل السلام: القوى السياسية العراقية، ستكون بوضع لا تحسد عليه في الأمد القريب، إن هي أستمرت بإعتبار سكان الحسينية مجرد اصوات أنتخابية، يمكن معالجة وضعها بوعود ما قبل الأنتخابات.

المشاركة

اترك تعليق