دخلت السياسة الدولية لواشنطن، خطَّ الإنتخابات الأمريكية مُبكراً. فعلى الرغم من أن أمريكا تتبع سياسة التخطيط الإستراتيجي طويل المدى، إلا أن واقعها الحالي، بات يختلف عن ذي قبل. فالتحديات المُقبلة أمام الرئيس الأمريكي الجديد، تتسم بالغموض، لأسباب تتعلق بأن الإدارة الأمريكية الحالية، لم تؤمِّن واقعاً واضح المعالم السياسية للإدارة المقبلة. بل بات مؤكداً، بأن الإدارة المقبلة سترث واقعاً متقلباً غير مستقر، يتضمَّن الكثير من التحديات. فيما تعتبر السياسة الدولية للديمقراطيين، ورقة أساسية يلعبها الجمهوريون بوجه الذين يمسكون بالإدارة الحالية، خصوصاً فيما يتعلق بتحديات مكافحة الإرهاب، ونسج التحالفات. فكيف يمكن تبيين حجم المأزق الذي ينتظر الإدارة الأمريكية الجديدة؟ ولماذا نبدأ من المشهد السوري؟ وكيف يمتد ذلك للمشهد الدولي؟

 

المشهد السوري وفشل الرهانات الأمريكية

 

تعتبر الأزمة السورية أزمة الأطراف الدولية كافة. خصوصاً بعد أن بات الميدان السوري، حلبة جمع الأوراق للفرقاء السياسيين. فيما يبدو واضحاً أن أوراق واشنطن نفَذَت.

 

منذ أشهر، أوقفت واشنطن الجهود السياسية لإعتباراتٍ تتعلق بالرهان على الميدان من جديد، وتفضيل الخيار العسكري، منعاً للرضوخ في السياسة، بعد أن فقد الإرهابيون قدرتهم العسكرية، وكان بالإمكان للطرفين الروسي والإيراني فرض أوراق تُخضع أمريكا في حلبة المفاوضات. حينها خرجت مشاريع التقسيم لتتصدَّر الحديث الإعلامي. لكن المشهد السوري اليوم، يُنبؤ المعنيين في أمريكا، بأن وضع الإدارة الأمريكية الحالية، يحتاج لإنقاذ ماء وجه الطرف الأمريكي، خصوصاً بعد أن فشل الرهان العسكري. وهو ما يُهدد إنجازات الديمقراطيين، والتي حاولوا تحقيقها لكسب الناخب الأمريكي.

 

على الصعيد العسكري، لا تملك أميركا الوسائل العسكرية التي تجعلها قادرة على فرض معادلاتٍ مؤثرة في الميدان خلال الفترة المتبقة حتى الإنتخابات الأمريكية. فكيف يمكن تأكيد ذلك؟

 

أولاً: سجلت العملية العسكرية التي قادها النظام السوري وحلفاؤه في منطقة حلب والتي أدت الى الوضع الميداني الحالي اليوم، والذي يتمثَّل بإحكام الطوق العسكري حول المدينة، مع فشل المسلحين في فك الحصار، أحد التحولات الأساسية في الصراع السوري. وهو ما دفع واشنطن لمحاولة منع الجيش السوري من استكمال إنتصار حلب، من خلال المطالبة بوقف إطلاق النار تحت حجة فتح ممرات إنسانية للمحاصرين في المنطقة الشرقية تحت اشراف الأمم المتحدة.

 

ثانياً: لم تستطع واشنطن إيجاد أرضية موحَّدة لقوات قادرة على القتال ضد تنظيم داعش في سوريا، وفرض نفسها في الميدان السوري كمقدمة لفرض نفسها في المعادلة السورية. وهو ما يُثبته فشل ما يُسمى”جيش سوريا الجديد” الأخير، في طرد تنظيم داعش الإرهابي عن الحدود العراقية السورية وعجزه عن الإمساك بالمعبر الحدودي هناك.

 

على الصعيد السياسي، يمكن توصيف واقع السياسة الأمريكية فيما يخص سوريا بالتالي:

 

أولاً: يبدو واضحاً حجم التقهقر في المعسكر الأمريكي. خصوصاً إذا قمنا بالمقارنة بين واقع هذا المعسكر منذ خمس سنوات، وواقعه اليوم مع دخول الأزمة عامها السادس. لنجد أن أوروبا منقسمة على نفسها، وتركيا أضحت بعيدة عن المنال الأمريكي، كما أن السعودية والدول الخليجية باتت في وضعٍ لم نعد نسمع فيه صوتها أو مطالباتها العدوانية تجاه النظام. لنقول أن أي حلٍ سياسي، لا يملك الأطراف الموحَّدة ليس فقط على الصعيد السوري المُعارض، بل على الصعيد الدولي الداعم للسياسة الأمريكية. وهو ما يُشكِّل تحدياً للإدارة الأمريكية الحالية لا سيما الديمقراطيين، قبل موعد الإنتخابات الرئاسية.

 

ثانياً: يبدو أن الأفق السياسي في سوريا، سيبقى مجهولاً حتى الإنتخابات الأمريكية. وهو ما يعني خسارة الطرف الأمريكي لكافة الرهانات السياسية المتعلقة بالملف السوري. فالأشهر الباقية حتى الإنتخابات، ليست كافية لتحقيق تغييرٍ في الميدان يمكن استخدامه في المفاوضات. وبالتالي فإن المراوغة في الميدان أو العودة الى المفاوضات، لن تكون بالنتيجة لصالح واشنطن. فيما يبدو واضحاً السعي الأمريكي لمنع انتصار محور المقاومة في حلب.

 

الفشل الإقليمي والدولي لواشنطن

 

تقترب الإنتخابات الأمريكية في ظل وضعٍ إقليميٍ ودولي ليس في صالح أي إدارة أمريكية جديدة. حيث توجد العديد من الملفات التي لم تستطع الإدارة الحالية حسمها، وإن سعت لذلك قبل موعد الإنتخابات الرئاسية. وهنا نُشير للتالي:

 

–   لم يحصل أي تقدمٍ في ملف الإرهاب دولياً. بل إن الحديث الأمريكي عن إنجازاتٍ في ضرب مراكز لداعش أو مناطق نفوذٍ لها، لم يعد ذا جدوى خصوصاً في ظل وضعٍ من التأهب تعيشه المنطقة وأوروبا تحديداً. وهو أحد التحديات التي فشلت إدارة أوباما في تحقيقها.

 

–   تسود العلاقات الخارجية لأمريكا، لا سيما مع العديد من الحلفاء الإستراتيجيين، حالةٌ من التوتر، سيَّما أن الظروف الإقليمية بالتحديد، ساهمت في قلب السياسة الأمريكية تجاه إيران وروسيا. حيث انتقلت من سياسة الفرض الى  سياسة الرضوخ لتعاظم الدور الإيراني والحضور الروسي. وهو ما ساهم في ضرب العلاقات الأمريكية الخليجية والتي ما تزال حتى اليوم متوترة. فيما زاد عليها العلاقات الأمريكية التركية التي تشهد منعطفاً خطيراً مع توجه تركيا نحو موسكو.

 

–   يشهد الواقع الأوروبي، مشكلة تتعلق بخروح بريطانيا وخطر إنهيار الإتحاد الأوروبي. وهو الأمر الذي يعني تراجع قدرة أمريكا على التحكم بالكتلة الغربية والتي كانت بريطانيا بوابتها في ذلك. مما يُضعف القدرو الأمريكية تجاه الغرب، والذي بات يُعطي أولوية لتحدياته الداخلية، وإن بقي في موقع التابع للسياسة الأمريكية.

 

هذه الملفات، تعتبر الأهم على الصعيد الدولي بالنسبة لواشنطن. والتي تتعلق بسياستها الدولية، ولها دور في نسج أسس إستراتيجياتها الكبرى. حيث أن الواقع الحالي، لا يُنبؤ بأن الرئيس المُقبل، سيكون أمام مشهدٍ واضح من العلاقات، أو السياسات. بل سيكون أمام مشهدٍ متعدد المصالح، ومتشابك، يشكل بحد ذاته تحدياً للسياسة الأمريكية على الصعيد الدولي.

 

إذن، من خلال توصيف المشهد السياسي الإقليمي والدولي، مع التركيز على الوضع في سوريا، نجد أن واشنطن تعيش أزمة الداخل والخارج. واقعٌ سياسيٌ داخلي بعيد عن الإنطباع الأمريكي السائد عادةً. وواقعٌ خارجيٌ مليئ بالتحديات، يجعل الإدارة الحالية عاجزة عن إقفال العديد من الملفات. حيث سيرثها الرئيس المُقبل، معقدة وشائكة. فيما ستبقى هذه الملفات، إن لم تُحسم، رهن رؤية الإدارة المقبلة، وإن كانت في خطوطها العريضة ستمشي وفق إستراتيجية أمريكا الكبرى. فيما ستُشكِّل هذه العوامل مجتمعة، نقاط قوة لمحور المقاومة الذي تقوده إيران، ولروسيا الحليفة المُعتادة على إستغلال نقاط الضعف الأمريكي.

المصدر / وكالات

المشاركة

اترك تعليق