كنوز ميديا – متابعة
ولدت الشهيدة في محافظة النجف قضاء المناذرة قرية الرميلة سنة 1927 , امها بنت عميد السادة العذاريين السيد محسن , وابوها ابن اخيه .
ترعرعت في اجواء العزة والكرامة والولاء لاهل البيت عليهم السلام , وورثت المعارضة للباطل من اجدادها الكرام يحيى بن زيد , وزيد بن الامام زين العابدين , ومن جدها الامام الحسين عليه السلام .
تزوجت السيد كاظم سعيد العذاري سنة 1944 وولدت له اربعة عشر مولودا , ومنهم ولدها السيد جواد احد ابرز علماء العراق والمقرب الى المراجع الكرام وفي مقدمتهم السيد محسن الحكيم والسيد الشهيد محمد باقر الصدر .
وفي سنة 1964 التحق ولدها بالحوزة العلمية , ففرحت به وعبرت عن فرحتها , فاجابها : لا تفرحي يا اماه فامامنا وامامكم طريق شاق , طريق ادناه الملاحقة والمحاصرة والسجن , واقصاه الاعدام والقتل .
تعجبت من جواب ولدها , كيف يلاحق او يسجن او يعدم , وكيف تلاحق اسرته , ولكنها استدركت التعجب باستعراض مسيرة اجدادها الكرام الذين لاحقتهم السلطات وماتو بين قتل بالسيف او السم , وقالت لودها : هذه مسيرة اجدادك الكرام , فكل ما نواجهه سيكون لله وفي الله .
بقيت كلمات ولدها تقرع اسماعها وتستذكرها الى ان اعلن عن انقلاب البعثيين سنة 1968 ,
فسمعت ولدها يقول : الان بدات الملاحقة , والله يستر من هذه الحكومة .
وحينما اعلن عن اقصاء ابراهيم الداوود وعبد الرزاق النايف في اواخر تموز سنة 1968 سمعت ولدها يقول : هذا اول الغدر .
وكان ولدها يقول : الله يستر المؤمنين من تسلم صدام حسين منصب النيابة لاحمد حسن البكر , ومنذ ذلك الحين بدأت تبغض صداماً وتدعو الله تعالى ان يحفظ العراقيين منه .
وعلى الرغم من عدم متابعتها للامور السياسية الا انها تستمع لولدها وتاخذ بكلامه اخذ المسلمات لانه طالب علم , فاصبحت لديها معلومات سياسية وتحليلات مخالفة للمشهور في الشارع العراقي .
فعلمت من ولدها ان قضية عدنان القيسي والمصارعين معه والتي اشغلت العراقيين , لم تكن الا مسرحية لابعاد الاذهان عن سحب الجيش العراقي من الاردن , وان قضية ابي طبر التي اخافت العراقيين ما هي الا لعبة صدام حسين لقتل المعارضين والمنافسين , وكذلك مسرحية تامر ناظم كزار التي تخلص بها صدام من منافسيه , وكذلك قضية الحنطة المسمومة التي ابعدت اذهان العراقيين عن الواقع .
وقد سبقت جيل اغلب النساء في اطلاعها على خفايا النظام البعثي وجرائمه ومنها قتل الشهيد عبد الصاحب دخيل واعتقال الاف الدعاة في بداية السبعينات ,التي غابت عن اذهان اغلب العراقيين بسبب التعتيم الاعلامي .
وتعلمت من ولدها : ان النظام يفتعل الازمات السياسية لصرف اذهان العراقيين عن واقعهم , وانها كانت تقول لمن يفرح بزيادة الرواتب ان الكرامة اغلى من المال , لا تفرحوا بزيادة عشرة او عشرين دينارا وتنسوا مقتل النظام لعشرات او مئات المؤمنين .
وكانت بطيبتها وفطرتها السليمة تتصور ان النساء يتقبلن رأيها بسهولة , فكانت تحذر من النظام وتنتقده دون حذر .
في احدى المرات ذهبت الى زيارة امير المؤمنين عليه السلام فوجدت ابوابه مغلقة , فتحدثت مع الزائرين المتجمعين قرب احد الابواب قائلة : ان صداما هو يزيد بن معاوية وان البعثيين هم الشمورة نسبة الى شمر بن ذي الجوشن , وبقيت تعيد الكلام اكثر من نصف ساعة فتفرق الزائرون عنها خوفا من افراد الامن .
وفي موقف اخر فتش الانضباط العسكري عن هويات الركاب في ساحة علاوي الحلة ثم سمح للسيارة بالحركة , وبعد اقل من خمسة دقائق اوقف السيارة انضباط اخر , فاجابته : ايها الامويون لماذا تتبعون الناس , فانسحب الجندي واعتذر , وبدأت الشهيدة تبين جرائم النظام البعثي لحين وصولها الى النجف , وقد رعاها الله تعالى وحفظها .
وكانت تتوقع مواجهة النظام لكل ما يتعلق بالشعائر الدينية , فحينما منع تمثيل واقعة الطف سنة 1973 في قضاء المناذرة , قالت : هذة اول خطوة , وسيمنع المشي الى كربلاء ثم الزيارة ثم العزاء الحسيني , وبالفعل حدث ما توقعتة بمنع المشي الى كربلاء سنة 1977 , وكانت بداية المحاصرة للشعائر الحسينية .
وحينما وصل صدام للسلطة بمسرحية تنازل احمد حسن البكر قالت بفطرتها السليمة : ان صداما اجبر احمد حسن البكر بالتنازل .
وكانت تكذب مايسمى بمؤامرة عدنان الحمداني ومحمد عايش , وتقول : هؤلاء لا يريدون صداما فقتلهم , وكانت تنطلق من مرتكزاتها الذهنية التي تعلمتها من ولدها , فهي لم تكن متعلمة بل امية ولم تستمع الى الاخبار الا في سنة 1979 وما بعدها وخصوصا بعد قيام ثورة في ايران ثم وصول صدام للحكم .
كانت تستمع الاخبار لعلها تستبشر بسقوط النظام , وقد الهمها الله تعالى توقعات موضوعية فاقت حتى توقعات ولدها , فقد كان يتوقع سقوط النظام اذا حدثت حرب بين ايران والعراق , بينما كانت الشهيدة ترى ان امريكا ودول الخليج لا تسمح بسقوطه وستتدخل امريكا لمنع ايران والمعارضة من اسقاطه , او تتدخل لاستبداله بعميل لها .
فكانت ترى ان النظام لا يسقط بالحرب ولا بالثورة الداخلية لان النظام مستعد لدفن الناس احياءاً.
وحينما بدأت الحرب اواخر سنة 1980 شجعت ابنها سعيد على الهروب , فقال لها : اماه انا جندي كاتب وبعيد عن الجبهة , فقالت له : تعين صداما وتسانده مادمت جنديا , فهرب ابنها ثم صهرها عباس حميد المقرم , ثم التحقا ثانية لظروف الملاحقة , فشعتهما ثانية على الهروب او الهجرة الى ايران وبالفعل ترك صهرها الجبهة وسلم نفسه الى القوات الايرانية سنة 1981 ثم عاد للعراق سرا اوخر سنة 1982 ليهاجر ثانية برفقة زوجته وهي بنت الشهيدة ورفقة ولدها سعيد وبعد مناقشة قضية الهجرة , وما يترتب عليها من نتائج وهي اعتقال الاسرة او اعدامها , وتحذير اخ الشهيدة لها من النتائج , اجابت : انا اتحمل النتائج فاما بنتي فلا امنعها من الهجرة مع زوجها لاني اخاف الله , اما ولدي سعيد فهو حر ولكن اذا احب ان يهاجر فانا اتحمل النتائج اسوة بزينب عليها السلام .
وهاجر ولدها وبنتها وصهرها في 13/6/1983 الى ايران , وبعد اشهر من الهجرة بعثت وحدة ولدها العسكرية بكتاب الى مدينته تعلمها بهروبه , وافتقدت مدرسة بنتها غيابها فانتشرت الدعايه بهروبهم الى ايران .
اعتقلت قوات الامن الشهيدة وزوجها وام السيد عباس المقرم واخاه وسام حميد المقرم , وسالوها عن بنتها فقالت انها عند والد زوجها ولا نعلم عنها شيئا , وقد بقي والد زوج بنتها متخفيا الى ان هاجر الى ايران .
اعتقلت الشهيدة بتهمة ايواء القادمين من ايران والتستر عليهم , وبقيت في معتقل النجف اقل من سنة تعرضت من خلالها الى الارهاب النفسي وانعدام الخدمات الصحية وخوفها من اعتقال بناتها الستة , والم فراق ولديها جواد وسعيد وبنتها , فتدهورت صحتها , الى ان رحلت الى ربها في اواخر سنة 1984 وهي في السابعة والخمسين من عمرها .
كانت الشهيدة تتصف باغلب مواصفات الكمال فهي عميقة الايمان بالله تعالى والولاء لاهل البيت عليهم السلام , وكانت مستسلمة لقضاء الله وقدره , وتستقبل البلاء والشدة عن قناعة بانه امتحان واختبار الهي وان الله تعالى اذا احب عبدا ابتلاه , وان ابتلاء الشدة كالنار التي تنقي الذهب من الشوائب , وان ابتلاء الرخاء ياهي الانسان عن ذكر الله ويرخي اعصابه عن الانشداد الى الله تعالى وذكره الاخرة .
كانت زاهدة في ماكلها وملبسها واثاث منزلها , وكانت زاهدة في الاموال التي تحصل عليها , وقد تنازلت عن حصتها في الارض الزراعية لاخوانها , وكانت وزوجها توزع محاصيل الرز والتمر الى اقربائها وجيرانها الفقراء , ولا تطالب زوجها بشراء اي شيء لها .
احبها الجميع ولا زالو يتحسرون على فراقها , ولا زالت النساء تفتخر بحسن جوارها .
وكانت مستجابة الدعوة لطيبتها وصفاء روحها وبراءة قلبها , وايمانها بحسن الاستجابة .
لم تعرف الحقد ولا الكراهية لاحد الا لاهل الباطل وكانت تستقبل الاساءة بالاحسان ولاتسيء لمن اساء اليها بل تنسى اساءته حينما يسلم عليها او يبتسم في وجهها , ولذا كرمها الله تعالى بعقوبة من اساء اليها في صحته او ماله وسوء عاقبته .
كانت حنونه في اقصى درجات الحنان , وكانت تقف في باب الدار من الساعة الثانية عشر مساءاً الى الصباح في الايام التي تتوقع مجيء ابنها من الجبهة خوفا عليه من كلب لايعلم به موجودا قرب بيتهم .
اولادها وبناتها كانوا مثلها متواضعين محبين للخير والعطف على الفقراء والمحتاجين , وكانوا متواضعين في اقصى درجات التواضع رغم المسؤوليات التي تسنموها ,لم يدخل العجب او الغرور او التكبر في قلوبهم وسيرتهم , فقد اجتمعت الوراثة مع المحيط الاسري ليكونوا كوالدتهم الشهيدة .
فسلام عليها يوم ولدت ويوم ماتت ويوم استشهدت ويوم تبعث ثانيا .
المشاركة

اترك تعليق