؛ الدرس الحادي والعشرون ـ في أن بيد ولي الأمر إجراء الحدود والتعزيرات والقصاص والديات وهو من الوظائف الولائية
 
الفصل الثالث
في أن بيد ولي الأمر إجراء الحدود والتعزيرات والقصاص والديات وهو من الوظائف الولائية
وقبل الورود في متن البحث لا بد من التنبّه لأن (الحد) بحسب المصطلح الفقهي هو التأديب المقرر شرعاً المضبوط مقداره كمائة جلدة حد بعض أقسام الزنا واللواط وكقطع يد السارق أول مرة. و(التعزير) هو التأديب الذي مقداره بل ونوعه موكول إلى رأي الحاكم أو الوالي. و(القصاص) حقٌّ جعله الله للأشخاص فهو حق إلهي شخصي ويشمل قصاص النفس والأطراف. كما أن (الديات) يراد بها ما جعله الشرع بدلاً عن نقص أو قتل أورده الجاني على إنسان آخر كدية قتل الخطأ وشبه العمد ودية قطع يده خطأ أو شبه عمد بل وعمداً إذا تصالحوا عليها.
والمقصود بالبحث في هذا الفصل هو أن الأمور المذكورة مع قبول وتسلم حق الأشخاص ذوي الحقوق في موارد خاصة منها فقد جعل إجراؤها في المجتمع الإٍسلامي بيد ولي أمر المسلمين وهو من حقوقه الولائية مع فرض أن إجراؤها واجب عليه عند تحقق شرائط الوجوب كما في الحدود كثيراً ما لاسيما فيما إذا كان الحد حق إنسان كحد القذف، وهكذا كثيراً من التعزيرات وكما في القصاص بل وفي أخذ الديات بتفصيل مذكور في الأبواب المختلفة.
والاستدلال على ثبوت الحق والوظيفة له وعليه من طريقين: فتارة يستدل عليه بما أنه مقتضى الولاية، وأخرى لقيام أدلة خاصة.
 
أما الطريق الأول فبيانه بأحد وجهين:
أحدهما: أن هذه الأمور لما كانت أموراً عامة للمجتمع الإسلامي أراد الله تبارك وتعالى مشي المجتمع عليها بأن يؤدب المتخلف حداً أو تعزيراً أو قصاصاً ويؤخذ عنه بدل جرمه وجنايته دية خاصة، فحيث إن هذا التأديب وأداء وأخذ الدية أمر مطلوب للشارع الأقدس ويجري لا محالة في كل المجتمع عند تحقق موضوعها فولاية الأمر والقيمية والرعي لهم تقتضي أن تكون هذه الأمور تحت إشراف ولي الأمر وبيده، وسلب هذا الإشراف عنه مناف عند العقلاء لمعنى الولاية، فكما أنه إذا كان أحد كالأب مثلاً ولياً على شخص خاص كان لازم ولايته أن يكون بيده وبإشرافه واختياره كل ما يتوقع وينتظر للصبي في مجال تكامله الدنيوي أو المعنوي فإليه تأديبه وتعليمه المعلومات اللازمة بل ليس له القصور في أدائه فهكذا إذا كان المولى عليه مجتمعاً وينتظر لهم أن يسيروا مسيراً خاصاً عند وقوع تخلف وعصيان أو جناية على بعض آخر فلا محالة يكون أداؤه والإشراف على أن يقعوا في هذا المسير بعهدة ولي أمرهم وليس له القصور عن أدائها.
وقد يتوهم أن إطلاق أو ظهور أدلة إيجاب الحدود مثل قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ أو دليل القصاص مثل قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ فظهور هذه الأدلة ـ حيث إنها خطاب إلى الأمة المسلمة ـ أن المأمور به والحق المجعول فيها إنما هو للمخاطبين، فجعل أعمالها حقاً للوالي ـ ولو كان واجب الأداء ـ خلاف ظاهر هذه الأدلة. ويجري نظير هذا البيان في أدلة التعزيرات والديات.
لكنه مندفع (أولاً) بإنكار انعقاد هذا الظهور لمثل هذه الأدلة، وذلك أن الإشراف والنظارة على هذه الأمور يكون في جميع أقطار الأرض ـ إذا كان فيها تأسيس نظام دولي ـ إلى أولياء أمور الناس، وإلا يقع في الأرض هرج ومرج ووقع بين الناجون دائماً منازعة وقتال وسُلبت عنهم الأمنية اللازمة، بعد بناء الناس أنفسهم على ذلك وفرض أن للإسلام أيضاً ولاية واسعة الاختيار جعلها الله تعالى لأشخاص صالحين كمال الصلوح، فلا يُفهم من هذه الأدلة أيضاً إطلاق أو ظهور في أن يكون إجراء هذه الأمور بيد المخاطبين أنفسهم، بل مقتضى الولاية أن يكون إجراؤها في الإسلام أيضاً بيد ولي أمرهم.
و(ثانياً) بأنه لو سلّم الظهور المزبور فهو ظهور بدوي يكون ظهور اقتضاء الولاية لأن إجراءها بيد ولي الأمر قرينة على رفع اليد عن هذا الظهور وحمله على أن هذه الحدود والتأديبات متعلقة بهم، وقد يكون في بعضها حق لبعض أشخاصهم وإلا فأمر إجرائها موكول إلى ولي أمرهم وهو حقه في عين أنه يجب عليه أن يراقب تحققها بالشرائط المذكورة في محلها.
الوجه الثاني: أن في إجراء كل من هذه الأمور منفعة منظورة للمجتمع الإسلامي ولأفراده، فهذه المنفعة تكون من الحقوق التي فرضها الله تعالى لهم، ومن الواضح أن من لوازم ولاية الأمر عند العقلاء أن يقوم الولي بإحياء حقوق المولى عليه وإيصالها إليه.
والدليل على اشتمال هذه الأمور على منافع أصيلة للأمة عديدة نذكر بإذن الله تعالى بعضاً منها، فنقول:
أما في الحدود: ففي معتبر حنّان بن سدير قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): حدّ يقام في الأرض أزكى فيها من مطر أربعين ليلة وأيامها[1].
وفي موثّق السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إقامة حد خير من مطر أربعين صباحاً[2].
وفي خبر عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: ﴿يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ قال (عليه السلام): ليس يحييها بالقطر، ولكن يبعث الله رجالاً فيحيون العدل فتحيا الأرض لإحياء العدل، ولإقامة الحد فيه أنفع في الأرض من القطر أربعين صباحاً[3].
وفي مرفوعة حفص بن عون قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ساعة إمام عادل أفضل من عبادة سبعين سنة، وحد يقام لله في الأرض أفضل من مطر أربعين صباحاً[4].
فهذه الأخبار التي منها معتبران قد دلت على أن إقامة حد واحد في الأرض أزكى وخير من مطر أربعين يوماً وليلة أو من مطر أربعين صباحاً، ومن الواضح أن في أمطار أربعين يوماً خيراً كثيراً واضحاً للناس فدلّت على أن إقامة حد واحد فيها أنفع منها لهم.
والحد وإن اصطلح عليه في الفقه أنه التعذيب المضبوط المقدار إلا أنه لو أريد منه مطلق التعذيب لتم الأمر في التعزير أيضاً.
وفي ما كتب الرضا (عليه السلام) من العلل لمحمد بن سنان وعلة قطع اليمين من السارق لأنه يباشر الأشياء (غالباً) بيمينه، وهي أفضل أعضائه وأنفعها له، فجعل قطعها نكالاً وعبرة للخلق لئلا يبتغوا أخذ الأموال من غير حلها ولأنه أكثر ما يباشر السرقة بيمينه… وحرم السرقة لما فيها من فساد الأموال وقتل الأنفس لو كانت مباحة[5].
فقد جعل سر حد السرقة أن يكون باعثاً لأن لا يبتغي الناس أخذ الأموال من غير حلها، وهذا نفع عام للمجتمع الإسلامي به تحصل الأمنية لأموالهم ورأس مال تجاراتهم.
وفي صحيح ابن مسلم المضمر قال: سألته عن الشارب فقال: أما رجل كانت منه زلة فإني معزّره، وأما آخر يدمن فإني كنت مهلكه عقوبة، لأنه يستحل المحرمات كلها، ولو ترك الناس وذلك لفسدوا[6].
فقد صرح بأن الناس لو ترك تعزيرهم وحده لفسدوا ففي إجرائهما حياة معنوية حقيقية للناس، وهي المنفعة الحقيقية.
ولا يبعد أن يكون الإضمار من مثل ابن مسلم الذي لا يعتني بقول غير المعصوم (عليه السلام) غير مضر. لكنه لم يعمل به في مورده فإن مجرد إدمان الخمر بلا إجراء ثلاث أو أربع مرات حد الشرب عليه لا يوجب قتلاً، اللهم إلا أن يكون الإدمان دليلاً على استحلال الخمر التي حرمتها من بديهيات الإسلام، وكيف كان ففي سائر الروايات غنىً وكفاية.
وأما في خصوص التعزير: فلم نقف على دليل مطلق إلا أن يدعى شمول الحد المذكور في الأخبار له أصلاً. وكيف كان فقد ورد في صحيح عباد بن صهيب قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن نصراني قذف مسلماً فقال له: يا زان، فقال: يجلد ثمانين جلدة لحق المسلم وثمانين سوطاً إلا سوطاً لحرمة الإسلام ويحلق رأسه ويطاف به في أهل دينه لكي ينكل غيره[7].
دل على وجوب تعزير ذاك النصراني بما ذكر لكي ينكل غيره وليصلح المجتمع الذي تحت لواء الإسلام العزيز.
وفي معتبر الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن رجلاً لقي رجلاً على عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: إن هذا افترى عليَّ، قال: وما قال لك؟ قال: إنه احتلم بأم الآخر، قال (عليه السلام): إن في العد إن شئت جلدت ظله؛ فإن الحلم إنما هو مثل الظل، ولكنا سنوجعه ضرباً وجيعاً حتى لا يؤذي المسلمين، فضربه ضرباً وجيعاً.
وعن الكليني روايته عن سماعة مضمراً. ومثله الصدوق في العلل، وعن المفيد نقله مرسلاً[8].
وفيما نقله الصدوق بسنده المعتبر إلى قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام) أن رجلاً قال له: إن هذا زعم أنه احتلم بأمي، فقال: إن الحلم بمنـزلة الظل، فإن شئت جلدت لك ظله، ثم قال: لكني أؤدبه (أوجعه ـ خ ل) لئلا يعود يؤذي المسلمين[9].
فهذان الخبران يدلان على أن سر تعزيره لضرب وجيع هو أن لا يؤذي المسلمين ولا يعود إليه، فحديث عدم إيذاء المسلمين سر لهذا التعزير وهو مصلحة عائدة إلى المؤذى وغيره.
فهذه الأخبار الثلاثة مضافة إلى ما مر من الصحيح المضمر لمحمد بن مسلم تدل على أن سر هذه التعزيرات هي مصلحة تعود إلى جميع المسلمين، بل يستفاد من خبري الاحتلام بأم الرجل أن الأمر كذلك في كل تعزير يجري لئلا يؤذي المسلمين كما يستفاد من مضمر ابن مسلم أن سر أمثال هذه التعزيرات أن لا يفسد الناس، ولا يبعد دعوى جريان هذا السر في جميع التعزيرات التي هي كالحدود تأديب للناس حتى لا يقعوا في الفساد. وبالجملة: فاستفادة عموم المطلب لكل التعزيرات غير بعيدة.
وأما في القصاص: فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[10] فصرح بأن في القصاص حياة للناس أولي الألباب، ومن المعلوم أن القصاص الذي هو قتل القاتل ليس فيه إحياء له بل هو إعدام له فلا محالة لا يراد به هذا المعنى، بل الظاهر أن المراد به أن قتل الغير إذا كان في الشرع الإلهي موجباً لقصاص القاتل فلا محالة خوفاً عن الابتلاء به يكف الأشرار أنفسهم عن قتل غيرهم فيسلم غيرهم وأنفسهم فبذلك يكون في القصاص حياة لأولي الألباب ولا بُعد في إلغاء الخصوصية عن قصاص النفس إلى قصاص الأطراف أيضاً فإنه كذلك يوجب صيرورة المعيشة حياة مباركة طيبة.
وعن الطبرسي في الاحتجاج عن علي بن الحسين عليهما السلام في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ﴾: ولكم يا أمة محمد (صلى الله عليه وآله) في القصاص حياة؛ لأن من همّ بالقتل فعرف أنه يقتصّ منه فكفّ لذلك عن القتل كان ذلك حياة للذي هم بقتله وحياة لهذا الجاني الذي أراد أن يقتل وحياة لغيرهما من الناس إذا علموا أن القصاص واجب لا يجرأون على القتل مخافة القصاص[11]. ومثله المروي عن التفسير المنسوب إلى العسكري (عليه السلام)[12].
فدل الخبر بالوضوح على أنه أريد من الآية المباركة نفس المعنى الذي استظهرناه، وهذه المصلحة فائدة عامة راجعة إلى الناس كلهم، وقد مر عدم استبعاد إلغاء الخصوصية عن قصاص النفس إلى قصاص الأطراف أيضاً، ففي القصاص مطلقاً فائدة عامة للمجتمع.
وأما الديات: فكون المصلحة في تشريعها راجعة إلى الناس واضحة، إما إلى أولياء الدم في قتل الخطأ وشبه العمد وإما إلى نفس المجنيّ عليه في ديات الأطراف وبعض المنافع المجعول فيه الدية.
فتحصّل: أن السر الأصيل في الحدود والتعزيرات والقصاص والديات هو حصول نفع مادي أو غير مادي إلى أفراد المجتمع، فأفراده الذين يعيشون تحت لواء الإسلام قد شرع الله لهم هذه المنافع، فإذا جعل عليهم ولي أمر وقيّماً فلا محالة يكون من لوازم ولايته وكونه قيماً عليهم أن يوصلهم إلى هذا الحق الذي جعله الله تعالى لهم كما في جميع موارد الولاية.
هذا كله في الاستدلال لثبوت هذا الحق لولي الأمر بمقتضى القواعد.
وأما من حيث الأدلة الخاصة فنقول:
وأما في الحدود: فعمدة الأخبار واردة على عنوان الإمام ومع ذلك فبعضها ورد في مطلق الحدود وبعضها في حدود خاصة:
أما ما ورد في مطلق الحدود:
1ـ فمنها قول أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) على ما في صحيحة إسحاق بن غالب: رضي الله به إماماً لهم؛ استودعه سره، واستحفظه علمه، واستخبأه حكمته، واسترعاه لدينه، وانتدبه لعظيم أمره، وأحيا به مناهج سبيله وفرائضه وحدوده، فقام بالعدل عند تحير أهل الجهل وتحيير أهل الجدل بالنور الساطع والشفاء النافع…[13].
فقد عد (عليه السلام) من مناصب الإمام أن الله تعالى يحيي به فرائضه وحدوده، وإحياء الحدود عبارة أخرى عن إقامتها، فلا محالة هي من وظائف الإمام ومقتضى إمامته.
2ـ ومنها قول الرضا (عليه السلام) في رواية عبد العزيز بن مسلم الواردة في أوصاف الإمام ومقاماته: إن الإمامة أسّ الإسلام النامي وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف؛ الإمام يحل حلال الله ويرحم حرام الله ويقيم حدود الله ويذب عن دين الله…[14].
فقد عد (عليه السلام) من مناصب الإمام أن به إمضاء الحدود والأحكام وأنه (عليه السلام) يقيم حدود الله، فلا محالة إقامة الحدود وإمضائها من مناصبه ووظائفه.
3ـ ومنها موثقة سماعة بن مهران عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من أخذ سارقاً فعفا عنه فذلك له، فإذا رفع إلى الإمام قَطَعه، فإن قال الذي سرق له: أنا أهبه له لم يدعه إلى الإمام حتى يقطعه إذا رفعه إليه، وإنما الهبة قبل أن يرفع إلى الإمام وذلك قول الله عز وجل: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ﴾ فإذا انتهى الحد إلى الإمام فليس لأحد أن يتركه[15].
فالموثّقة وإن ورد صدرها في حد السرقة إلا أن ذكره (عليه السلام) في الذيل لقوله تعالى: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ﴾ وتطبيقه على الإمام واستفادته منه أن على الإمام إجراء الحد يعلم منه أن الأئمة عليهم السلام هم المراد من الحافظين لحدود الله وأن من وظائفهم حفظ حدوده وهو المطلوب.
4ـ ومنها ما رواه الصدوق بسنده المعتبر إلى قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام) من أنه جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فأقر بالسرقة فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): أتقرأ شيئاً من كتاب الله عز وجل؟ قال: نعم سورة البقرة، فقال: قد وهبت يدك لسورة البقرة، فقال الأشعث: أتعطل حداً من حدود الله تعالى؟ فقال: وما يدريك ما هذا؟! إذا قامت البينة فليس للإمام أن يعفو، وإذا أقر الرجل على نفسه فذاك إلى الإمام إن شاء عفا وإن شاء قطع[16].
ورواه في الوسائل بسند فيه إرسال عن الشيخ أيضاً[17].
فالحديث وإن ورد صدره في السرقة إلا أن في قوله (عليه السلام) جواباً عن شبهة الأشعث إطلاقاً لكل حد بل وللتعزيز أيضاً ويدل على أن أمره إلى الإمام بالتفصيل المزبور، اللهم إلا أن يستظهر اختصاصه بالسرقة بقرينة قوله (عليه السلام) في الذيل: (وإن شاء قطع) إذ يعلم منه أن مصب الكلام هو حد السرقة.
5ـ ومنها ما عن تحف العقول مرسلاً عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام) في حديث قال: وأما الرجل الذي اعترف باللواط فإنه لم يقم عليه البينة، وإنما تطوع بالإقرار من نفسه، وإذا كان للإمام الذي من الله أن يعاقب عن الله كان له أن يمن عن الله، أما سمعت قول الله: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾[18].
وهذا المرسل أيضاً وإن كان موضوعه حد اللواط إلا أن تعبيره (عليه السلام) في مقام بيان الحكم: (وإذا كان للإمام… إلى آخره) يدل على أن ملاكه إنما هو كونه عقاباً من الله فيعم كل عقاب عنه تعالى ولو كان تعزيراً، وتعليقه الخيار فيه على الإمام وأن له العفو كما له العقاب عن الله فيه دلالة واضحة على أن إجراء كل عقاب جعله الله تعالى فهو إلى الإمام وهو المطلوب.
6ـ ومنها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل أقر على نفسه بحد ثم جحد بعد، فقال: إذا أقر على نفسه عند الإمام أنه سرق ثم جحد قطعت يده وإن رغم أنفه، وإن أقر على نفسه أنه شرب خمراً أو بفرية فاجلدوه ثمانين جلدة. قلت: فإن أقر على نفسه بحد يجب فيه الرجم أكنت راجمه؟ فقال: لا، ولكن كنت ضاربه الحد[19].
والاستدلال بها بلحاظ أن مورد الكلام هو رجل أقر على نفسه بحد ثم جحد فقيد (عليه السلام) بأن يكون إقراره عند الإمام، ففيه دلالة على أن الإقرار المعتبر في الحد هو ما كان عند الإمام وهو عبارة أخرى عن أن أمر إجراء الحد بيد الإمام.
7ـ ومنها رواية الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: من ضربناه حداً من حدود الله فمات فلا دية له علينا، ومن ضربناه حداً من حدود الناس فمات فإن ديته علينا[20].
وتقريب الاستدلال به أنه (عليه السلام) نسب ضرب الحدود سواء كانت لله أو للناس إلى أنفسهم، ففيه دلالة على أنهم عليهم السلام هم المتصدون لإجراء الحدود، وهو عبارة أخرى عن أن أمر إجرائها إليهم، إلا أن لقائل أن يمنع الدلالة عليه بل نهاية الأمر أن تدل على أن لهم أن يجروا الحدود لا أن أمر إجرائها موكول إليهم. على أن السند ضعيف بالثوري.
8ـ ومنها ما رواه الكليني عن علي بن محمد بن أحمد المحمودي عن أبيه عن يونس عن الحسين بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: الواجب على الإمام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب الخمر أن يقيم عليه الحد ولا يحتاج إلى بينة مع نظره لأنه أمين الله في خلقه، وإذا نظر إلى رجل يسرق أن يزبره وينهاه ويمضي ويدعه. قلت: وكيف ذلك؟ قال: لأن الحق إذا كان لله فالواجب على الإمام إقامته، وإذا كان للناس فهو للناس[21].
والظاهر أن سند الحديث معتبر فإن علي بن محمد شيخ الكليني سواء كان الرازي المعروف بعلاّن أو البرقي ابن بنت أحمد بن محمد بن خالد البرقي فهو ثقة، وعلي بن محمد بن أبي القاسم بندار أيضاً لعله الأول، وعلى أيٍّ فهو أيضاً ثقة. كما أن محمد بن أحمد المحمودي هو أبو علي بن أحمد بن حماد المروزي وهما أيضاً من الثقات الأجلاء على الظاهر. ويونس هو ابن عبد الرحمن الثقة. والحسين بن خالد الذي يروي عن الصادق (عليه السلام) هو الحسين بن خالد بن طهمان المكنى بأبي العلاء المعري وهو أيضاً ثقة.
فالحديث معتبر السند بنقل الكافي، والشيخ الطوسي أيضاً قد نقله عن الكليني بنفس هذا السند، فالحديث معتبر.
وأما دلالته فلا ريب في دلالته على وجوب إقامة حدود الله المحضة على الإمام بلا انتظار شيء آخر بعد ثبوت موضوعه، وأما إذا كان فيها حق الناس فحكم بأنه للناس، وقبل مطالبتهم ليس على الإمام إلا نهي مرتكب هذا الحرام لكنه لا دلالة فيه على عدم وجوب إقامة حد الناس عليه إذا طالبوه منه بل إن مقتضى هذا الحديث وسائر الأدلة أنه إذا رفع أمر الحد الذي من حقوق الناس إلى الإمام فقد حصل شرط مطالبتهم وكان مقتضى أن الأئمة هم الحافظون لحدود الله أن يقيموه كما مرّ في موثقة سماعة بن مهران الماضية تحت الرقم 3.
ومثل معتبر الحسين بن خالد في قسم حدود تكون من حقوق الناس صحيحة الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من أقر على نفسه عند الإمام بحق أحد من حقوق المسلمين فليس على الإمام أن يقيم عليه الحد الذي أقر به عنده حتى يحضر صاحبه حقّ الحدّ أو وليه يطلبه بحقه[22]. والكلام فيها هو عين ما مر في ذيل المعتبر المذكور.
ومثل المعتبر المذكور في كلا الشقّين صحيحة أخرى طويلة عن الفضيل قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من أقر على نفسه عند الإمام بحق من حدود الله مرة واحدة حراً كان أو عبداً أو حرة كانت أو أمة فعلى الإمام أن يقيم الحد عليه للذي أقر به على نفسه… قال: وقال أبو عبد الله (عليه السلام): ومن أقر على نفسه عند الإمام بحق حد من حدود الله في حقوق المسلمين فليس على الإمام أن يقيم عليه الحد الذي أقر به عنده حتى يحضر صاحب الحق أو وليه فيطالبه بحقه. قال: فقال له بعض أصحابنا: يا أبا عبد الله ((عليه السلام)) فما هذه الحدود التي إذا أقر بها عند الإمام مرة واحدة على نفسه أقيم عليه الحد فيها؟ فقال: إذا أقر على نفسه عند الإمام بسرقة قطعه، فهذا من حقوق الله، وإذا أقر على نفسه أنه شرب خمراً حده، فهذا من حقوق الله وإذا أقر على نفسه بالزنا وهو غير محصن فهذا من حقوق الله، قال: وأما حقوق المسلمين فإذا أقر على نفسه عند الإمام بفرية لم يحده حتى يحضر صاحب الفرية أو وليه، وإذا أقر بقتل رجل لم يقتله حتى يحضر أولياء المقتول فيطالبوا بدم صاحبهم[23].
فالصحيحة كما ترى قد تعرضت لكلا الشقّين واشترط في وجوب إجراء حد يكون من حقوق المسلمين حضور صاحبه ومطالبته، والكلام فيها عين ما مر في ذاك المعتبر. ومخالفتها في عد حد السرقة وزنا المحصن من حدود فيها حقوق المسلمين لسائر الأدلة كما مر في حد السرقة وعدم العمل بها من هذه الجهة لا ينافي اعتبارها في بيان الضابطة الكلية.
فتحصّل تمامية دلالة الأخبار المتعددة المعتبرة على إجراء الحدود كلها من مناصب الإمام ووظائفه وإن كان إجراؤها فيما كان من حقوق المسلمين مشروطاً بحضورهم ومطالبتهم، هذا كله في الأخبار الواردة على مطلق الحدود.
وقد وردت أخبار متعددة في أن إلى الإمام إجراء بعض الحدود الخاصة من غير مفهوم مخالف فهي مؤكدة لهذه الإطلاقات.
1ـ فمنها أخبار متعددة وردت في حد المحارب، ففي صحيح جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ …﴾ إلى آخر الآية أي شيء عليه من هذه الحدود التي سمى الله عز وجل؟ قال: ذلك إلى الإمام إن شاء قطع وإن شاء نفى وإن شاء صلب وإن شاء قتل، قلت: النفي إلى أين؟ قال: من مصر إلى مصر آخر، وقال: إن علياً (عليه السلام) نفى رجلين من الكوفة إلى البصرة[24].
وفي صحيح بريد بن معاوية قال: سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال: ذلك إلى الإمام يفعل ما شاء، قلت: فمفوّض ذلك إليه؟ قال: لا، ولكن نحو الجناية[25].
وفي الباب روايات متعددة أخر بهذا المضمون ودلالة جميعها على أن حد المحارب موكول إلى الإمام لا ريب فيها.
2ـ ومنها صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عمن شتم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال (عليه السلام): يقتله الأدنى فالأدنى قبل أن يرفع إلى الإمام[26].
فهو يدل على أن من يتصوّر رفع أمر السابّ إليه لإجراء الحد هو الإمام (عليه السلام) لكنه غير لازم في شاتم النبي (صلى الله عليه وآله) بل يقتله الأدنى فالأدنى من الناس.
3ـ ومنها خبر عمار السجستاني عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن عبد الله بن النجاشي قال له وعمار حاضر: إني قتلت ثلاثة عشر رجلاً من الخوارج كلهم سمعته يبرأ من علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فسألت عبد الله بن الحسن فلم يكن عنده جواب وعظم عليه وقال: أنت مأخوذ في الدنيا والآخرة، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): وكيف قتلتهم يا أبا بحير؟ فقال: منهم من كنت أصعد سطحه بسلم حتى أقتله، ومنهم من دعوته بالليل على بابه فإذا خرج قتلته، (و) منهم من كنت أصحبه في الطريق فإذا خلا لي قتلته، وقد استترّ ذلك عليّ، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): لو كنت قتلتهم بأمر الإمام لم يكن عليك شيء في قتلهم ولكنك سبقت الإمام فعليك ثلاثة عشر شاة تذبحها بمنى وتتصدق بلحمها لسبقك الإمام، وليس عليك غير ذلك[27]. وقد رواه الكليني مرفوعاً[28].
والرواية وإن كانت غير معتبرة السند إلا أنها واضحة الدلالة على أن أمر إجراء حد الناصب موكول إلى الإمام وأمره.
4ـ ومنها أخبار متعددة وردت في حد السرقة: ففي معتبر ضريس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: العبد إذا أقر على نفسه عن الإمام مرة أنه قد سرق قطعه والأمة إذا أقرت بالسرقة قطعها[29]. ومثله صحيح الفضيل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن أقر الرجل الحر على نفسه مرة واحدة عند الإمام قطع[30]. فإن في تقييد الإقرار بأن يكون عند الإمام دلالة واضحة على أن إجراء حد السرقة موكول إليه.
وفي صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يأخذ اللص يرفعه أو يتركه؟ فقال: إن صفوان بن أمية كان مضطجعاً في المسجد الحرام، فوضع رداءه وخرج يريق الماء، فوجد رداءه قد سُرق حين رجع إليه، فقال: من ذهب بردائي؟ فذهب يطلبه، فأخذ صاحبه فرفعه إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): اقطعوا يده، فقال الرجل: تقطع يده من أجل ردائي يا رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال: نعم، قال: فأنا أهبه له، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فهلا كان هذا قبل أن ترفعه إلي؟ قلت: فالإمام بمنـزلته إذا رفع إليه؟ قال: نعم. قال: وسألته عن العفو قبل أن ينتهي إلى الإمام؟ فقال: حسن[31].
ففيه دلالة على أن ولي الأمر النبي أو الإمام صلوات الله عليهما مفوّض إليه أمر القطع بل عليه أن يقطع يد السارق إذا رفعت السرقة إليه، اللهم إلا أن يقال: إن غاية مدلوله وجوب إجراء حد القطع عليه بعد الرفع إليه، وأما لو لم يرفع إليه فهل ليس لأحد غيره إجراؤه؟ فلا تعرّض له به، نعم إن الحكم يستفاد من الأدلة الأخر كما عرفت.
5ـ ومنها مضمر سماعة المعتبر سنداً قال: سألته عن شهود زور، فقال: يجلدون حداً ليس له وقت فذلك إلى الإمام ويطاف بهم حتى يرفعهم الناس… الحديث[32].
فقد جعل إجراء حد شاهد الزور إلى الإمام وهو المطلوب، اللهم إلا أن يراد من الحد فيه التعزير إذ ليس على شاهد الزور حدٌّ مضبوط، فيراد من الحد هنا التعزير، وأن مقداره بل ونوعه إلى الإمام، فالمضمر ينبغي أن يعد من الأدلة الواردة في التعزير، وستأتي إن شاء الله.
هذا كله في الأخبار الواردة في أمر الحد مما كان موضوعها الإمام. وقد عرفت تمامية دلالتها.
وأما ما يدل على أن أمر إجراء الحدود موكول إلى السلطان الذي هو لا محالة ولي أمر المسلمين فقد عثرنا على خبرين:
أحدهما: عن الصدوق في الفقيه بإسناده عن سليمان بن داود المنقريّ عن حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) من يقيم الحدود السلطان أو القاضي؟ فقال: إقامة الحدود إلى من إليه الحكم[33].
وبما أنه سيأتي إن شاء الله تعالى أن الحكم والقضاء من وظائف ولي الأمر وهو ينصب القضاة وقد يفوّض أمر إجراء الحد إليهم فلا محالة إجراء الحد وإقامته مفوّض إلى السلطان. هذا، إلا أن إسناد الصدوق إلى المنقري ضعيف.
وثانيهما: معتبرة علي بن جعفر قال: أخبرني أخي موسى (عليه السلام) قال: كنت واقفاً على رأس أبي حين أتاه رسول زياد بن عبيد الله الحارثي عامل المدينة، فقال: يقول لك الأمير: انهض إليَّ، فاعتل بعلة، فعاد إليه الرسول فقال: قد أمرت أن يُفتح لك باب المقصورة فهو أقرب لخطوك، قال: فنهض أبي واعتمد عليّ ودخل على الوالي وقد جمع فقهاء أهل المدينة كلهم وبين يديه كتاب فيه شهادة على رجل من أهل وادي القرى قد ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) فنال منه، فقال له الوالي: يا أبا عبد الله أنظر في الكتاب، قال: حتى أنظر ما قالوا، فالتفت إليهم فقال: ما قلتم؟ قالوا: قلنا يؤدب ويضرَب ويعزَّر (يُعذّب) ويُحبس، قال: فقال لهم: أرأيتم لو ذكر رجلاً من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) ما كان الحكم فيه؟ قالوا: مثل هذا، قال: فليس بين النبي (صلى الله عليه وآله) وبين رجل من أصحابه فرق؟! فقال الوالي: دع هؤلاء يا أبا عبد الله (عليه السلام) لو أردنا هؤلاء لم نرسل إليك، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أخبرني أبي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (الناس في أسوة سواء من سمع أحداً يذكرني فالواجب عليه أن يقتل من شتمني ولا يرفع إلى السلطان، والواجب على السلطان إذا رفع إليه أن يقتل من نال منّي). فقال زياد بن عبيد الله: أخرجوا الرجل فاقتلوه بحكم أبي عبد الله (عليه السلام)[34].
فالحديث كما ترى وإن صرّح بعدم اشتراط إجراء حد قتل الشاتم برفع الأمر إلى أحد إلا أنه لمكان ذكر السلطان عند بيان من يرفع الأمر إليه يعلم أن السلطان هو المرجع لإجراء مثل هذا الحد، ومن المعلوم أن المقصود بالسلطان في كلامه (صلى الله عليه وآله) هو سلطان الإسلام حقاً الذي هو النبي والأئمة المعصومون صلوات الله عليهم.
ثم إن خبر حفص كان في مطلق الحد ومعتبر علي بن جعفر في خصوص حد شاتم النبي (صلى الله عليه وآله).
وأما ما ورد على عنوان الوالي فهو صحيح حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا، فعدل منهم اثنان ولم يعدل الآخران، فقال: إذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشاهدة الزور أجيزت شاهدتهم جميعاً وأقيم الحد على الذي شهدوا عليه، إنما عليهم أن يشهدوا بما أبصروا وعلموا، وعلى الوالي أن يجيز شهادتهم إلا أن يكونوا معروفين بالفسق[35].
فهو كما ترى قد أوجب على الوالي إمضاء شهادتهم على الزنا، فمنه يُعلم أن الوالي هو المسؤول لإقامة الحد في زنا المحصن.
فتحصل من هذه الأخبار الكثيرة التي جلها القريب من الكل معتبرة السند: أن إقامة الحدود كلها من وظائف ولي أمر المسلمين، فإقامتها من اختياراته ووظائفه. هذا في الحدود.
وأما التعزيرات: فتدل أيضاً أخبار متعددة على أن إجراءها من وظائف ولي الأمر:
1ـ فقد مرت معتبرة الحسين بن الخطاب أبي العلاء على أن الواجب على الإمام إقامة حق الله تعالى وحقه تعالى شامل للحد والتعزير كما لا يخفى. نعم لا تعم المعتبرة بإطلاقها للتعزيرات التي من حقوق الناس إلا بعد مطالبتهم، فراجع متن الحديث الماضي ضمن الأخبار الواردة في أن إقامة مطلق الحد إلى الإمام تحت الرقم، وهكذا راجع صحيحي الفضيل المذكورين بعده.
2ـ وقد روي عن العلل بسند صحيح عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: كم التعزير؟ فقال: دون الحد: قال: قلت: دون ثمانين؟ قال: لا، ولكن دون الأربعين فإنها حد المملوك، قلت: وكم ذلك؟ قال: على قدر ما يراه الوالي من ذنب الرجل وقوة بدنه[36]. وقد روي عن الكافي أيضاً بسند آخر[37].
فموضوع السؤال والجواب في الصحيح هو مطلق التعزير وقد سأل عن مقداره وقد أجاب (عليه السلام) عنه بأنه على قدر ما يراه الوالي من ذنب الرجل وقوة بدنه فقد عد الوالي هو المسؤول عن إجراء التعزير، والتعزير يشمل ما كان من حقوق الناس أيضاً.
وعن الصدوق في الفقيه أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا يحل لوالٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يجلد أكثر من عشرة أسواط إلا في حد، وأذن في أدب المملوك من ثلاثة إلى خمسة[38].
والحديث مرسل إلا أن إسناده الجزمي إلى النبي (صلى الله عليه وآله) يقرّب الاعتماد عليه وكيف كان فإسناد عدم الحلية إلى الوالي فيه دلالة على أنه مسؤول إجراء الحد والتعزير إلا أن يقال إن غاية مدلوله أن إجراءهما يرجع فيه إليه لا أنه المخصوص به.
4ـ وقد روى الفضيل بن يسار في الصحيح قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): عشرة قتلوا رجلاً، قال: إن شاء أولياؤه قتلوهم جميعاً وغرموا تسع ديات، وإن شاؤوا تخيروا رجلاً فقتلوه وأدى التسعة الباقون إلى أهل المقتول الأخير عشر الدية كل رجل منهم. قال: ثم الوالي بعد يلي أدبهم وحبسهم[39].
فهذا الأدب والحبس المذكوران أخيراً تعزير شرعي يجري على الشركاء في القتل الذين لم يقتصً منهم، وقد جعل الإمام (عليه السلام) إجراؤه وظيفة الوالي فهو بعض مصاديق التعزير أو كله إلى الوالي.
5ـ وقد روى الكليني مرسلاً ـ في القاتل الذي هرب ولم يقدر عليه وأدى الدية من ماله أو أداها أقاربه ـ قال: وفي رواية أخرى: ثم للوالي بعد أدبه وحبسه[40].
وهذا الأدب والحبس أيضاً تعزير أوجب إجراؤه على الوالي وهو مصداق من التعزيرات الشرعية.
فالمتحصّل من الأخبار التي بعضها معتبرة وعامة أن إجراء التعزير أيضاً من وظائف الإمام والوالي الذي يصير والياً بتولية ولي الأمر، وقد عرفت أن صحيح حماد بن عثمان مطلق يشمل التعزيرات كلها حتى ما كان فيها حق الإنسان.
فإجراء التعزيرات أيضاً من اختيارات ولي الأمر ووظائفه.
وأما القصاص: فتوجد أخبار متعددة تدل على أن أمر إجرائه بيد ولي أمر المسلمين.
1ـ ففي رواية حفص بن غياث ـ التي في سندها القاسم بن محمد الجوهري إلا أنها رواها علي بن إبراهيم والعياشي في تفسيرهما والكليني في الكافي والصدوق في الخصال والشيخ في التهذيب ـ عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سأل رجل أبي (عليه السلام) عن حروب أمير المؤمنين (عليه السلام) وكان السائل من محبينا، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): بعث الله محمداً (صلى الله عليه وآله) بخمسة أسياف: ثلاثة منها شاهرة… وسيف منها مكفوف وسيف منها مغمود (مغموط ـ خ ل) سلّه إلى غيرنا وحكمه إلينا ـ فأوضح السيوف الأربعة الأولى إلى أن قال: ـ وأما السيف المغمود فالسيف الذي يقوم (يقام ـ خ ل) به القصاص، قال الله عز وجل: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ فسلّه إلى أولياء المقتول وحكمه إلينا[41].
فالحديث لا يبعد اعتبار سنده مع نقل هؤلاء الأعاظم من العلماء، وقد عد سيف القصاص من سيوف النبي (صلى الله عليه وآله) إلا أن سلّه وتشهيره بيد ولي القصاص فهو يقاصّ الجاني بسلّه، إلا أنه مع ذلك فهذا السيف لا يخرج عن حدود اختيارات ولي أمر الأمة بل إن حكمه إليهم، فلا محالة يعرض موارد إمكان سلّه إليه، فإذا أرادوا سلّه وحكموا به يسلّه أولياء المجنيّ عليه أو نفسه فيجري به القصاص، وكون حكم هذا السيف إليهم عبارة أخرى عن أن مسألة القصاص تكون تحت نظرهم وإجراؤه باختيارهم ومن وظائفهم وهو المطلوب.
ثم إنه (عليه السلام) وإن ذكر في ذيل الكلام قوله: (فسلّه إلى أولياء المقتول) المقتضي لاختصاصه بقصاص النفس إلا أن توضيح هذا السيف أولاً بذكر قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ الصريح في قصاص النفس والأطراف شاهد على أن ذكر قصاص النفس من باب المثال، وإلا فالحكم يعمّ قصاص النفس والأطراف.
2ـ ويمكن الاستدلال بما مر من أن إجراء الحدود مطلقاً من اختيارات ولي الأمر ووظائفه فإن الحدود شاملة للحدود التي من حدود المسلمين ولمثل القصاص كما مر التصريح به في ذيل صحيحة الفضيل الماضية بقوله (عليه السلام) في مقام ضرب المثل لهذه الحدود: (وإذ أقرّ بقتل رجل لم يقتله ـ يعني الإمام ـ حتى يحضر أولياء المقتول فيطالبوا بدم صحابهم)[42] فإنه صريح في أن قصاص النفس من أمثلة الحدود التي من حقوق الناس، فلا محالة تعمّه أدلة أن بيد ولي الأمر إجراء الحدود. نعم شمولها لقصاص الأطراف مشكل.
3ـ وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: رجل جنى إليَّ أعفو عنه أو أرفعه إلى السلطان؟ قال: هو حقك إن عفوت عنه فحسن، وإن رفعته إلى الإمام فإنما طلبت حقك، وكيف لك بالإمام[43].
ومورد السؤال شامل لجميع الجنايات التي لا يموت بها المجنيّ عليه وتوجب له حقاً سواء كان حق القصاص أو الدية بل أو الأرش والحكومة فهو شامل لقصاص الأطراف ولديات الأعضاء والمنافع وأرشها وقد سأل عن أنه يعفو الجاني أم يرفعه إلى السلطان فكان في ارتكاز مثل محمد بن مسلم أن عدل العفو هو الرفع إلى السلطان. وقد قرر الإمام (عليه السلام) ارتكازه هذا مع تبديل لفظ السلطان بالإمام الأظهر في إرادة الإمام العدل الحق منه ويدل على أن عدل العفو هو رفع الأمر إلى إمام العدل فكان هو المرجع لأمثال ذلك ويكون بيده إجراء قصاص الأطراف وأخذ دياتها.
وهذه الصحيحة لا تشمل قصاص النفس، اللهم إلا بالأولوية القطعية أو إلغاء الخصوصية.
4ـ وفي خبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من قتله القصاص بأمر الإمام فلا دية له في قتل ولا جراحة[44].
فتقييد القصاص فيه بأن يكون بأمر الإمام ربما كان قرينة على أنه المرجع الصالح لمثله، والخبر بقرينة ذيله يشمل قصاص النفس والأطراف. ثم إنه قد وردت روايات متعددة تدل على تسلّم أن أمر تبيّن الحكم وبيانه في قصاص النفس بيد الإمام وربما ذكر فيها الوالي أو السلطان إلا أنه لا لفظ عام ولا مطلق فيه.
1ـ ففي صحيحة بريد العجلي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن مؤمن قتل رجلاً ناصباً معروفاً بالنصب على دينه غضباً لله تعالى يقتل به؟ فقال: أما هؤلاء فيقتلونه، ولو رفع إلى إمام عادل ظاهر لم يقتله، قلت: فيبطل دمه؟ قال: لا، ولكن إن كان له ورثة فعلى الإمام أن يعطيهم الدية من بيت المال لأن قاتله إنما قتله غضباً لله عز وجل وللإمام ولدين المسلمين[45].
فموضع الاستشهاد صدر الصحيحة حيث عد قبال هؤلاء الفسقة الطواغيت الإمام العادل، فيستظهر منه أن المرجع الصالح لمثل تبيّن أمر قتل هذا القاتل هو الإمام العادل، وإذا لم يكن للمورد خصوصية كان حكم كل قتل يتوهم أو يسلّم فيه القصاص هكذا.
2ـ وفي صحيحة عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في رجل أراد امرأة على نفسها حراماً فرمته بحجر فأصابت منه مقتلاً، قال: ليس عليها شيء فيما بينها وبين الله عز وجل، وإن قدّمت على إمام عادل أهدر دمه[46].
وبيان الاستدلال به مثل ما مر في الصحيحة السابقة.
3ـ وفي رواية الفتح بن يزيد الجرجاني عن أبي الحسن (عليه السلام) في أربعة شهدوا على رجل أنه زنى فرجم، ثم رجعوا وقالوا: قد وهمنا؛ يلزمون الدية، وإن قالوا: إنما تعمّدنا قتل أي الأربعة شاء ولي المقتول ورد الثلاثة ثلاثة أرباع الدية إلى أولياء المقتول الثاني، ويجلد الثلاثة كل واحد منهم ثمانين جلدة، وإن شاء ولي المقتول أن يقتلهم رد ثلاث ديات على أولياء الشهود الأربعة ويجلدون ثمانين كل واحد منهم، ثم يقتلهم الإمام… الحديث[47].
والاستدلال به من حيث إنه بعد أراد أولياء الدم قتل جميعهم فقد جعل قتلهم فعل الإمام وقال: (ثم يقتلهم الإمام) فيُعلم منه أن المجري لحد القصاص أيضاً هو الإمام والي أمور المسلمين. هذا، لكن الرواية ضعيفة السند.
4ـ وفي صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في عبد جرح رجلين؛ قال: هو بينهما إن كانت جنايته تحيط بقيمته، قيل له: فإن جرح رجلاً في أول النهار وجرح آخر في آخر النهار؟ قال: هو بينهما ما لم يحكم الوالي في المجروح الأول، قال: فإن جنى بعد ذلك جناية فإن جنايته على الأخير[48].
بيان الدلالة أن موضوع السؤال الثاني أن يجرح العبد على رجلين جراحتين في زمنين المتعاقبين، ومع فرض أن جناية العبد تتعلق برقبته حكم (عليه السلام) بأنه إن حكم الوالي بعد جنايته الأولى ثم جنى الثانية على العبد بما أنه مُلكٌ لمولاه الثاني الذي هو المجروح الأول فالاعتناء بحكم الوالي شاهد على أن الوالي كان هو المرجع في إجراء حكم هذه الجنايات التي من قبيل قصاص الأطراف في العبيد، وفيه دلالة على أن الوالي هو من له حق إجراء القصاص وهو المطلوب.
اللهم إلا أن يقال بكونها ناظرة إلى ما هو المتعارف في زمن أولئك الطواغيت وليس فيه إمضاء له، لكنه خلاف الظاهر جداً.
5ـ وفي موثقة إسحاق بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل له مملوكان قتل أحدهما صاحبه أله أن يقيده به دون السلطان إن أحب ذلك؟ قال: هو ماله يفعل به ما شاء، إن شاء قتل وإن شاء عفا[49].
فظاهرها أن ارتكاز السائل أن إجراء القصاص لا بد فيه من الرجوع إلى السلطان الذي هو ولي أمر الأمة، لكنه سأل عن هذه اللابدّية جارية في مملوكي سيد واحد إذا قتل أحدهما صاحبه؟ أم أنه خارج عنها بل يجوز له إجراء القصاص على عبده القاتل إن أحب ذلك؟ والإمام (عليه السلام) قرره على ارتكازه وإنما أخرج السيد لأن القاتل أيضاً ماله يفعل به ما شاء.
فالمتحصّل منهذه الرواية المتكثرة أن إجراء القصاص في النفس أو الأطراف أيضاً بيد ولي الأمر ومن وظائفه.
وأما الديات: فقد ورد فيها ما رواه الكليني بسند معتبر إلى أبي عمرو المتطبّب قال: عرضته (يعني كتاب الفرائض) على أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أفتى أمير المؤمنين (عليه السلام) فكتب الناس فتياه وكتب به أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أُمرائه ورؤوس أجناده… الحديث[50].
وقد رواه الصدوق في الفقيه في أول كتاب الديات بسند معتبر آخر عن ابن أبي عمير (ابن أبي عمر خ ل) الطبيب قال: عرضت هذه الرواية على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: نعم هي حق، وقد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يأمر عماله بذلك[51] ثم ذكر هو كالصدوق الحديث بطوله.
وقد رواه الشيخ في التهذيب في باب ديات الشجاج وكسر العظام و… بإسناد متعدّدة أكثرها معتبرة عن أبي عمرو المتطلّب عن أبي عبد الله ((عليه السلام)) بلا ذكر للجملة المذكورة، وروى في آخر الأسانيد فقال: «وروى عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن فضّال ومحمّد بن عيسى عن يونس جميعاً عن الرضا ((عليه السلام)) قالا: «عرضنا عليه الكتاب فقال: هو نعم حقّ، وقد كان أمير المؤمنين ((عليه السلام)) يأمر عمّاله بذلك…[52] ثُمّ ذكر هو كالصدوق الحديث بقوله.
فهذه الجملة قد رواها المشايخ الثلاثة إلا أن أبا عمرو المتطبّب أو ابن أبي عمير (عمر) الطبيب لم تُعلم وثاقته فلا يصل نقل الكافي والفقيه من هذه الجهة مرتبة الاعتبار، إلا أن إسناد الشيخ إلى علي بن إبراهيم معتبر ورجال سنده المذكور ثقات، فقد وصلت الجملة المذكورة إلينا نقيّة السند.
وهي تدل بوضوح على أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أفتى بمتن الحديث وكان يأمر عمّاله بذلك، ومن أمر عمّاله (عليه السلام) به يعلم أن مسألة إجراء الديات في الشجاج وجميع ما ذكر في الحديث بطوله كان موكولاً إلى عمال ولي أمر الأمة، وهو دليل على أن إجراءها كان من اختيارات ولي الأمر فوّضه إلى عمّاله وهو المطلوب. نعم دية قتل الإنسان لم تذكر في الحديث فإلحاقها بغيره يحتاج إلى إلغاء الخصوصية العرفية الذي ليس ببعيد.
فقد تحصّل من جميع ذلك الذي مر بطوله: أن مقتضى القواعد والأدلة العامة والخاصّة أن إجراء الحدود والتعزيرات والقصاص والديات كلها من اختيارات ولي الأمر ووظائفه في الدولة الإسلامية، فإما أن يتصداه بنفسه وإما أن ينصب أفراداً صالحين لإجرائها، والحمد لله رب العالمين.
المشاركة

اترك تعليق