كنوز ميديا / تقارير

خرج جمال خاشقجي في مقال تحت عنوان “شبهات حول دور أمريكي ملتبس”، نشرته صحيفة الحياة أمس، ليتحدث عن شبهاته، حول الدور الأمريكي المُلتبس في العلاقة مع الرياض. وهو الأمر الذي يحتاج للسؤال، ليس فقط عن حجم الثقة التي توليها السعودية لأمريكا، بل عن التأخُّر في إدراك حقيقة الطرف الأمريكي. لكن يبدو أن سياسة المصالح المتبادلة، جعلت السعودية تغضُّ الطرف طويلاً عن سلوك واشنطن تجاه العالم العربي. وحين “وصلت السكين الى رقبة الرياض”، “وطفح كيل السعودية من الراعي الأمريكي” كما نقول نحن العرب، خرج جمال خاشقجي ليتحدث عمَّا حذَّر منه الكثيرون منذ سنوات، فيما يخصُّ العلاقة بأمريكا والثقة بها، على إعتبار أن أمريكا ليس لها حليف. فلماذا تحمل السعودية مسؤولية أفعالها لا سيما في علاقتها بواشنطن؟ وأين أخطأت الرياض؟

أصل العلاقة السعودية الأمريكية: مصالح مشتركة

لأننا لسنا هواة إتهامٍ أو تجنٍ، بل نُقرن الإدعاء بالدليل، سنقوم بالعودة الى تاريخ العلاقات بين أمريكا والسعودية، لنُبيِّن كيف أن أصل العلاقة يسوده المصلحة، مما يعني أن إنتفاء سبب العلاقة سينعكس على النتيجة حتماً. وهنا يمكننا ملاحظة أربعة مراحل مهمة في العلاقات الأمريكة السعودية:

أولاً: عندما منحت السعودية الشركات النفطية الأمريكية امتيازات البحث والتنقيب عن النفط مقابل تأمين واشنطن الحماية لها. وهي مرحلة بدأت هذه المرحلة في عهد المؤسس لدولة آل سعود عبد العزيز. وفي هذه المرحلة تعاونت الرياض وواشنطن بشكل وثيق من أجل محاربة ما كان يُسمى بالإتحاد السوفياتي في أفغانستان. وقامت بدعم الرئيس العراقي صدام حسين في حربه والغرب، ضد الشعب الإيراني في ثمانينيات القرن الماضي. ثم بلغ هذا التعاون ذروته في معركة تحرير الكويت عام 1991، وبقي التعاون يتصاعد حتى عام 2000.

ثانياً: في عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن، حصلت خلافات لم تظهر الى العلن، بين السعودية وأمريكا بسبب الخلافات الشخصية بين ولي العهد السعودي حينها، عبد الله بن عبد العزيز الذي رفض زيارة واشنطن ولقاء الرئيس الأمريكي. لكن الخلافات استمرت وبرزت بشكل واضح بعد هجمات 11 أيلول، والحديث الأمريكي عن مشاركة سعوديين ينتمون لتنظيم القاعدة في الهجمات.

ثالثاً: مع بدء ما سُمي بمشروع “الربيع العربي” خرجت خلافات سعودية أمريكية، لا سيما بعد إنزلاق سياسة إسقاط الأنظمة العربية، الى نتائج لم تُعجب الرياض، خصوصاً في مصر عام 2011. بل خرجت السعودية لتتحدث عن أن واشنطن وإدارة أوباما بالتحديد، هي من يقف خلف صعود ما يُسمى بـ “الإسلام السياسي”، والذي اعتبرته السعودية محاولة للقضاء على مرجعيتها في المنطقة.

رابعاً: كان توقيع الغرب للإتفاق النووي مع إيران، وإعترافهم بتعاظم الدور الإيراني، صاعقةً أثَّرت على العلاقات بين الطرفين. بل أدت لحصول مشاكل على الصعيدين السياسي والدبلوماسي، ما زالت آثارها حتى اليوم.

من المُخطئ السعودية أم أمريكا؟

للإجابة على السؤال ومن خلال مراجعة هذه المراحل، وما وصلت اليه الأمور اليوم، بين أمريكا والسعودية، يمكننا قول التالي:

– لم تكن أمريكا يوماً حليفاً لأحد. بل هي الدولة البراغماتية التي تتعاطى بناءاً لمصالحها. وما علاقتها التاريخية مع الرياض، إلا علاقة قامت على المصلحة منذ تأسيس آل سعود. لنقول أن زوال هذه المصلحة، يعني بالنتيجة زوال الموجب للعلاقة. وهو الأمر الذي يمكن تأكيده، بمجرد مراجعة تاريخ السياسة الأمريكية مع من تعتبرهم “حلفاءها”.

– لم تعمل السعودية منذ البداية على بناء علاقاتها الخارجية وفقاً لمبادئ. بل إن أصل علاقتها بواشنطن تحديداً، مشروطة بتقديم الحماية المتبادلة مع النفط. وهو ما يعني أن السعودية ومنذ البداية، رهنت نفسها لواشنطن، وجعلت استمراريتها رهن الرضا والإحتضان الإمريكي. لنقول أن السعودية أو بقولٍ أدق “آل سعود” كانوا منذ البداية بالنسبة لواشنطن، مشروعها في المنطقة.

– على الرغم من أن واشنطن لم تكن يوماً، أهلاً للثقة، فإن سياسة الإستغلال الأمريكي، والمخادعة السعودية، كانت عمادة الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة لسنوات. وهو ما توضحه حقيقة الخيارات السعودية، لا سيما ما فضحه الواقع الحالي، من العلاقات الإسرائيلية السعودية، بالإضافة الى خيارات السعودية في سوريا والعراق، وعدوان السعودية على اليمن. والذي مثَّل أبشع جرائم الحرب على الشعوب، لا سيما أنه تخطى إعتداءات الكيان الإسرائيلي على العرب.

نتائج ودلالات

لم يكن كلام جمال خاشقجي، القريب من السلطات الحاكمة في السعودية، الكلام الوحيد الذي يُعبِّر عن الإمتعاض والتشاؤم في العلاقة بين أمريكا والسعودية، فها هو الكاتب والمحلل السياسي “مارتن إنديك”، خرج منذ فترة ليتحدث عن أن شهر العسل بين واشنطن والرياض قد إنتهى وبلا رجعة، ملقياً اللوم على الطرفين، لا سيما بسبب سياسة الكيل بمكيالين.

لكننا هنا نسأل الطرف السعودي، وليس الأمريكي. على اعتبار أن واشنطن لم تكن يوماً إلا في خانة العدو لنا، على الصعيد السياسي. فيما السعودية، نعتبرها على الرغم من مساوئها، دولةً عربية شقيقة. لذلك نسألها، ونسأل معها جمال خاشقجي، عن سبب الإمتعاض الذي تكنُّه الرياض اليوم لواشنطن! هل لأن السعودية باتت تشعر بفقدها للراعي الأمريكي؟ أم لأسبابٍ تتعلق بأن واشنطن باتت لا تبالي بمستقبل الرياض؟

نسأل خاشقجي الذي أقرَّ واعترف في مقاله، بالنفاق الأمريكي، تجاه الحلفاء، ألم يكن هذا صفة وصبغة السياسة الأمريكية منذ زمن؟ أم هل هو جديد؟ أم يكن أجدى بالرياض، أن تُرهن نفسها لخدمة الشعوب العربية، وقضايا الأمة، بدلاً من الذهاب أبعد من الطرف الأمريكي في سياسته؟ ألم يصنع الأمريكي من خلال السعودي، كل أدوات الإرهاب في المنطقة والعالم؟

اليوم تعتبر السعودية ومن خلال جمال خاشقجي بأن  أمريكا، لا تمتلك أدلة ثبوتية في اتهامها بدعم الإرهاب، لذلك “لجأت هي (أو قوى فيها) إلى التشويش بملف الـ 28 صفحة المحجوبة، والحملة المصاحبة لها طوال العقد الماضي” كما يقول الكاتب ناهياً مقاله بجملة، أن السعودية “لديها أسبابها وأدلتها الظرفية للشك في أن ثمة رائحة سيئة هناك في واشنطن”. كلامٌ جديدٌ في مضمونه من السعودية تجاه الطرف الأمريكي. لكنه لم يكن جديداً على الكثيرين من الذين لم يفاوضوا على دماء الشعوب الإسلامية والعربية للإستمرار. بل منهم من دفع سنواتٍ من الحصار، منعاً للرضوخ في وجه الأمريكي.

إذا كانت الرياض اليوم، اعترفت بأن واشنطن ليست أهلاً للثقة، فهي اعترفت بذلك متأخرة. لكنها اعترفت أيضاً، ومن دون أن تدري، بأنها كانت وما تزال تسير في السياسة الأمريكية بطريقةٍ عمياء، وأسقطت نفسها بلسانها من مركز المرجعية في المنطقة، وأكدت أن الأطراف الأخرى والتي تكنُّ العداء لواشنطن، هي على حق.

aq

المصدر / الوقت

المشاركة

اترك تعليق