كنوز ميديا
يبدو أن كثرة الجهات الرقابية ومكاتب التحقيقات التابعة لها، التي تأسست وفق المحاصصات الحزبية، لم تكن كافية للحد من ملفات الفساد في العراق، والأسباب يعزوها بعض المسؤولين في محافظة الديوانية إلى نفوذ الاحزاب وتورط المسؤولين بملفات الفساد، لتنشغل الاجهزة الرقابية بصغار الموظفين، لتتقدم الدوائر التي على تماس مع الحياة اليومية للمواطن بحجم الفساد وخاصة دوائر التسجيل العقاري.

ويقول رئيس لجنة النزاهة في مجلس محافظة الديوانية، باقر علي الشعلان، في حديث إلى (المدى برس)، إن “الاستبيانات التي نفذتها هيئة النزاهة في الديوانية أظهرت أن دائرة التسجيل العقاري تتصدر قائمة الدوائر الحكومية الاكثر فساداً، بناءً على الاحكام والقرارات القضائية، والسبب في ذلك الزخم الكبير في المراجعات اليومية وتماس المواطن مع الموظفين فيها، وتعاملها بمئات الملايين كرسومات لتسجيل العقارات”.

ويضيف الشعلان أن “الحل كانت متاحا أمام الحكومات المتعاقبة التي غضت النظر عن معالجة آفة الفساد في تلك الدائرة، الذي يكمن في استخدام المنظومات الالكترونية وقواعد البيانات لتمشية المعاملات، والتغاضي عن استخدام تكنولوجيا المعلومات في الدوائر الحكومية”.

ويوضح الشعلان أن “مديرية المرور وبعض الدوائر الاخرى لا تقل شأنا عن وجود الفساد في التسجيل العقاري، والسبب ناتج عن الارادات الحزبية والمحاصصة المقيتة بتعيين المسؤولين فيها، واليوم صار لزاما على الحكومات المحلية والمركزية العمل بجدية لتشخيص أسباب انتشار الفساد والعمل على القضاء عليه لا أن تصم الاذان عن الدوائر المهمة التي يرتع فيها الفساد”.

ويتابع الشعلان أن “مقترح بعض من اراد القضاء على الفساد في وزارة الدفاع بصرف رواتب منتسبيها بالبطاقة الذكية، دعا المفسدين الى وضع العراقيل امام فكرة المشروع لكي لا يتم فضح المتورطين بصرف رواتب أسماء وهمية او جنود تذهب رواتبهم الى جيوب ضباطهم، بسبب عدم التزامهم بأداء واجباتهم، واجهض المشروع بالكامل”، مبينا انه “لو اريد له أن ينجح لكان سببا في الحد من الفساد بمعظم وزارات الحكومة”.

ويؤكد الشعلان على أن “الحكومة المحلية الجديدة في الديوانية قادرة على تشريع قانون الحكومة الالكترونية والعمل به، لكنها ستواجه كما حصل في الحكومة السابقة بمطب التخصيصات المالية الكبيرة التي يحتاج اليها تنفيذ المشروع، وعدم مبالاة الدوائر ووزاراتها وجديتها، لكن الاعضاء عازمون على طرحه خلال الايام المقبلة”.

ويشير رئيس لجنة النزاهة الى أن “غياب دور المواطن وتعاونه يسبب استشراء الفساد في العديد من الدوائر الحكومية، بل نرى ان المواطن عنصر ولاعب اساسي في كشف الفساد والحد منه او استشرائه في الدوائر الحكومية”.

القضاء يكفل مسؤولين متورطين بتواقيع

ويبين الشعلان أن “مديرية بلدية الديوانية واحدة من أكثر الدوائر التي يكثر فيها الفساد وبشكل كبير جداً، وهناك قضية اثيرت اليوم، تعد هي الاكبر في ملفات الفساد التي شهدتها الديوانية، تم خلالها التلاعب والاحتيال من قبل بعض موظفي البلدية وتوطئ زملاء لهم في التسجيل العقاري، للاستيلاء على قطع أراض سكنية بمواقع متميزة، يتجاوز سعر قطعة الارض الواحدة المائتي مليون دينار، تمت بتزوير في الوثائق، واضافة اسماء غير مستحقة في القرعة التي تجريها البلدية لتوزيع قطع الاراضي السكنية على الشرائح المختلفة”.

ويلفت الى أن “التحقيق في القضية كشف لغاية الان خمسة وستين قطعة أرض سكنية يشوبها الفساد، اجتهد القضاء باستدعاء مسؤولين سابقين في حكومة الديوانية، لكنهم خرجوا بكفالة من القضية مؤقتا، لوجود تواقيع لهم على محاضر التوزيع”.

موبايل بعشرين الفا يشغل النزاهة والقضاء خمس سنوات

ويستغرب رئيس لجنة النزاهة من “انشغال الاجهزة الرقابية ومكتب تحقيقات النزاهة والقضاء بقضايا صغيرة لعدة سنوات، وتركه ملفات فساد كبيرة وواضحة دون رقابة وحساب، فانتقال المسؤولين من حال الى حال آخر في الاثراء بين ليلة وضحاها يهمل دون الاشارة اليه، وملاحقة قضية مدير البلديات السابق في الديوانية بشأن جهاز موبايل لا يتجاوز سعره العشرين ألف دينار، تسلمه وسلمه بموجب مستندات رسمية عام 2009، وسجن بسببه، والمشكلة ان الدعوى ما زالت قائمة ضده حتى الان ولم تغلق”.

ويتابع أن “مكتب النزاهة شغل نفسه من عدة أعوام عن البحث وراء المشاريع الكبرى التي يظهر فيها الفساد واضحا، بقضية بيع اسطوانة الغاز بخمسة الاف دينار، بزيادة عن سعرها الرسمي البالغ (4850) ديناراً، اي بفارق مئة وخمسين دينارا فقط، ونسي ان العملة الجديدة في العراق ليس فيها (فكه)، تتيح للوكيل ارجاعها الى المواطن عند شرائه اسطوانة الغاز”.

وينوه الشعلان عن أن “الدوائر الحكومية في الديوانية شأنها شأن باقي محافظات البلاد القابعة على بحر من الفساد، الذي لن ينتهي ملفه ما لم يكن للمواطن دور فيه، وعلى حكومة المركز النظر بجدية الى تعدد الجهات الرقابية التي جعلت من الموظف يبعد نفسه عن تحمل أي مسؤولية بسبب الخوف من التورط بتوقيع احد الاوراق”.

مشاريع توقفت بسبب الفساد ومنها الاسترالي الميت

ويقول رئيس لجنة النزاهة أن “العديد من المشاريع الوزارية المتوقفة بسبب ملفات الفساد أثقلت كاهل الحكومة المحلية والمواطنين في الديوانية، ومن بينها ملف المستشفى الذي يطلق عليه الاسترالي، الذي احيل الى عراقي يحمل الجنسية الاسترالية، أخذ الاموال المخصصة لبناء المشروع وهرب بها من دون معرفة المتورطين معه لغاية الان أو كيف تم صرف المبالغ قبل انجاز مراحل من العمل كما هو متبع في المشاريع حيث تصرف الاموال بحسب نسب الانجاز”.

ويؤكد الشعلان على “عزمه طرح ملف المستشفى الاسترالي ومشاريع المجاري الناقلة في المحافظة على المجلس ومكتب تحقيقات النزاهة والوزارات المعنية ومجلس النواب، ويجب على هذه الجهات التعاطي مع ما نطرحه من ملفات لأنها ظاهرة وواضحة الصورة والمعالم التي تؤكد وجود فساد ومتورطين كبار المسؤولين فيها”.

وكان محافظ الديوانية (يبعد مركزها 180 كم جنوب بغداد)، قد أكد في حديث سابق الى (المدى برس)، على أن ملف الفساد الذي ضبط في مديرية بلدية الديوانية بتوزيعها أكثر من خمسين قطعة ارض سكنية بطرق مشبوهة الى غير المستحقين، قد يظهر مزيد من المعاملات والمتورطين، وسيفتح عدة ملفات في دوائر اخرى.

وكان صحافيو الفرات الأوسط دعوا هيئة النزاهة، في (26 آب الماضي)، إلى إعادة النظر بتعاملاتها مع الصحافيين وتقليل “الخطوط الحمراء” التي تضعها السلطة التنفيذية لاعتراض عملهم وعدم تمكينهم من إعداد التحقيقات الاستقصائية للحد من “الفساد الذي ينخر عضد” الدولة، في حين بينت الهيئة أن حق حصول الصحافي على المعلومة “يقترن بتشريعات قانونية وتعليمات تضعها الجهات المعنية”، كشفت عن تمكنها من استرجاع عدد من المتهمين بالفساد والأموال المهربة للخارج بأمل الإعلان عنها قريباً.

وأكد ناشطون في الديوانية، الخميس الماضي، أن الضوء “أصبح أخضراً” أمام المجتمع المدني للحصول على المعلومات الخاصة بالواردات المالية وأوجه انفاقها، وفي حين بينوا أهمية زيادة الوعي الشعبي بأزمات البلد ومشاكله، والحصول على “أكبر قدر” من الوثائق لكشف “الفساد”، دعا مسؤول محلي منظمات المجتمع المدني التحرك لردم “الفجوة الكبيرة” بين المواطن والمسؤول، منتقداً تركيز الجهات الرقابية على “صغائر الأمور وتوافهها”، وإغفال الحيتان الكبيرة” مما أصاب دوائر حكومية كثيرة بـ”الشلل”.

المشاركة

اترك تعليق